للحياة على المستوى الواقعي محنها وآلامها، وللإنسان انفعالاته وتفاعلاته معها، مكترثا بها ومتألما لأحداثها، أو صامدا أمامها متغلباً على صعوباتها أو منهارا غير قادر على مواجهتها، لكن الأمر مختلف على المستوى السردي، فالواقعة المعيشة حياتياً لحظة بلحظة ويوما بيوم، ستصير في العمل الروائي أو القصصي واقعا متخيلا ومتخيلا واقعيا جديداً وغريباً.
ولا شك في أن البراعة في هذا التجسيد تتوقف على المؤلف وطبيعة توظيفه للسارد، وزاوية نظر هذا السارد للواقعة، أمن الزاوية التي نراها فقط، أم من زوايا أخرى نظيرة أو معاكسة.
وما دامت الواقعة الحياتية مسرودة من زاوية غير تقليدية، فلن يغدو أي موضوع من موضوعات الحياة مستهلكا أو مألوفا، لأنه سيكون منظورا إليه بدرجات وإلماحات جديدة تؤثر في متلقيها جماليا، وتجعلنا نتفاعل معها تراجيديا بؤسا ومآسي وظلما، وتضحيات ومعاناة وفواجع، إلخ.
وتظل فاعلية السرد في تجسيد الوقائع مرتهنة بالسارد ومهارته في التلاعب بالزمان، والتوجيه الحاذق للشخصيات، ممتلكا عينا وصّافة قادرة على التقاط تفاصيل المكان وموجوداته، بطريقة تخدم سرد الواقعة بالعموم وتجسيدها.
وكان الناقد البيريس قد امتدح الواقعية الوصفية التي تعلل بالوثيقة ففيها مدعاة إلى الإعجاب بمهارة الكاتب في الوصف، عاداً أناتول فرانس خير مثال على الروائي الواقعي الوصّاف، الذي يستعيض عن الموضوع بمتعة حسن السرد.. لكنه حذّر من الإغراق في الوصف، كونه يقود الرواية إلى نقطة ميتة. والمقصود بالميتة الجمود، ذلك أن الوصف سكون، والسرد حركة. والرواية كالحياة متضادة ديالكتيكيا بالحركة والسكون، اللذين بهما تستمر فاعليتها بمنطقية.
وللتجسيد سرداً ووصفاً، مسارات إبداعية شتى، ويمكن للروائي أن يختار أحدها حسب طبيعة الواقعة التي يريد التعبير عنها. وواحد من مسارات التجسيد الروائي هو التشفير السردي للجسد كلا أو جزءا.
ولا غرو في أن يهتم السؤال الفلسفي بالكينونة الإنسانية والجسد جزء منها، فيه يختزل الفعل البشري، فتتبأر الواقعة تبئيرا يتيح لنا أن نتبصر خفايا سايكولوجية باطنية، لم يقلها لنا السارد وقد فهمنا أبعادها حدسا وتأويلا.
وإذا كانت الرواية الواقعية معنية بتراجيديا البعد الشعوري لهذه الكينونة، مصعدة إياه باتجاه جمالي، فيه تصبح الشخصية هي الفاعل السردي، فإن اهتمامها بعضو من أعضاء الجسد، كالعين مثلا، سيعطي لأبعاد هذه الشخصية ظهوراً عيانياً ورمزيا ًمعاً. ولانطولوجيا الجسد وعلاقته بالزمان والكينونة في الرواية الواقعية، عتبات، منها ما هو مادي ملموس ومنها ما هو استعاري وكنائي، تبعا لطبيعة التعامل الفيزيقي أو الميتافيزيقي مع الجسد كيانا؛ جسما أو روحا أو نفسا. وهو ما جسّده الروائي العراقي الراحل عبد الجليل الميّاح في روايته «جواد السحب الداكنة» الصادرة عن مطبعة الغري عام 1968 ثم صدرت بطبعة حديثة عن دار الينابيع في سوريا عام 2009 . وفيها يبدو المياح مجددا كغائب طعمة فرمان، وهو يوظف العين توظيفا رمزيا لتكون فاعلا يتكلم بالشيفرات، كايماءات وإلماحات، مساعدا السارد في الكشف عن الشخصــــية، وهو يستبطن دواخلها ويصف نشيجها وانتحابها، وآلامها وازدراء الزمان لها، وقســــوة المكان عليها، متخذا من المرأة/ البغي موضوعاً، به صوّر نمطاً من أنماط الحياة القاسية في مواخير البصرة، أبان العهد الملكي، والحال الذي آلت إليه في ظل ثورة 1958 وبعدها.
و(نارية) هي البغي التي كانت تدعى في صباها (نور) وقد صيرتها الخطيئة ضحية رجلين: الأول حبيبها (جويفة) الذي خانها، والآخر زوج أمها (ادهام) الذي فضحها، فهربت إلى مستنقع الرذيلة لتنتقم من الخطيئة بمثلها، جاعلة الآخرين ضحية لها. وقد ساهمت الافتتاحية الشتوية ممثلا بيناير/كانون الثاني ـ التي هيمنت على افتتاحيات الفصول اللاحقة ـ في تعزيز التشفير الأنطولوجي للجسد أكثر، توكيداً لقسوة الزمان على نارية والشخصيات النسوية الأخرى التي معها (حل كانون الثاني بنهاره القصير وبرده القارص وفي غبشة أحد أماسيه، ووسط سحابة ترابية تسوقها ريح شمالية غربية فارق أدهام جواده صامتا، واصل تحديقه الناقم في إحدى نوافذ بناية محطة لقيط، كان ثمة ضوء ضعيف يتسرب من خلال شبكتها المعدنية الصدئة).
ويتكرر الافتتاح الشتوي هكذا (من جديد عاد. عاد كانون الثاني) أو ( كانت سياط كانون الثاني تجرح الوجوه أمطاره ما تنفك تغسل أقذار الحارة)،
لكن افتتاح الفصل الأخير في الرواية، يتحول إلى الصيف فتجد نارية ولدها في تموز الخصب، وتجد أيضا رجلها الذي عاهدت نفسها على الانتقام منه (تلاقت عيون جويفة وعزيز مضت دقيقة نكس جويفه رأسه تشرب وجهه بغشاوة من الحزن الغريب الممزوج بالمهانة). ويرمز تلاقي العيون إلى فوات الآوان بعد أن شاخت الأجساد وذبل عمرها. ولأن النور والنار ضوء، والضوء أساس الإبصار، تصبح الإشارة الرمزية لاسم نارية دالة على أنها هي عين الرواية، التي بها سيبصر القارئ سائر الشخصيات.
والإبانة بالعين عن كينونة الشخصية غالبا ما تكون شفروية، فيها للون العين وحجمها ووصفها وأفعالها مكان مركزي في السرد، وهي تتكرر في الرواية بصيغ فعلية مختلفة مثل (أنشدت عدستاه/ رمشت/ التمعت مآقيها / عيناه تنظران إلى الوراء/ جذبت عينيه/ يتراءى لها/ يطل يلوح/ يحول عينه / حدقت فيه/ تحدق بنيران آبار البصرة/ أغمضت عينيها/ فتحت عينيها/ أدارات عينيها/عيناه تذبلان تحت ضغط الألم).
وبصيغ وصفية مثل (صوّب نظرة غضب/ سأنظر إليه ساخرة/ عيناها الخضراوان/ شفت نظرته عن ضياع / عيني أدهام..).
إن رواية «جواد السحب الداكنة» من الروايات العراقية الطليعية التي شخَّصت موضوعا واقعيا حسّاسا، ينتقد مجتمعنا الذي تصارعت مدينيته مع بداوته، والمرأة في ذلك كله هي الضحية التي صيّرها المجتمع جلّادة ظلماً وتعسفاً.
ويغدو دور السارد متمركزا حول المراقبة العيانية للشخصية الرئيسة والشخصيات الأخرى، سواء الفاعلة منها والمساندة، أو النسوية، وغير النسوية، غير غافل قيد أنملة عن متابعة سلوكها، وهي تنشغل بمعاينة نفسها والنظر إلى من/ ما حولها، كاشفة عن ضيقها أو فرحها، ومعبرة عن حيرتها أو خوفها أو قوتها (حدّق الآن عبر زجاج النافذة القريبة مرتابا.. كانت عينا أدهام تجريان من الزاوية إلى الزاوية بغضب عارم.. رمقه أدهام بضيق ولاح في عينيه بريق حقد الخيبة). وقد يوظف السارد في سبيل التشفير الأنطولوجي للعين المشهد الدرامي، كما في هذا المقطع الطويل نسبيا الذي فيه أظهر السارد مهارة كبيرة في التشفير (حاول أن يسبر غور الحقيقة، من خلال عيني أدهام، لكنه سرعان ما كسر جفنيه عاجزا عن مقاومة الصدق النافذ، تنهد وطأطأ رأسه مرتبكا، رفع وجهه الآن ليرى عيني ادهام تتوجهان.. وتنهد وحول أنظاره إلى عيني الصبية التي بدت غائبة، قذف بكل حيرته بسواد عينيها وأحس برغبة ملحة للفرار.. كان أدهام ما زال ينتظر الجواب، عينا المأمور على أخمص البندقية، المثبتة إلى سرج الجواد).
وللبغي رؤية مأساوية للعالم فهو الخطر الذي يهددها، وأول ما يهددها فيه هو جسدها الذي فيه مركزية كينونتها ومن دونه لا كينونة لها.
لذا تكون رؤيتها لنفسها ولغيرها دائما مشوبة بالخوف تحديقا في الحاضر والمستقبل وبحلقة في الماضي تعاسة وذعرا. وهكذا تقع البغي تحت طائلة الخطر والتهديد، من عينيها اللتين يرصدهما السارد كاشفا تقهقرها وتهيبها وفشلها وضيقها وذهولها (في غرفة بيضاء تعوزها النظافة.. تحدق في السقف لاح أنها لا تعرف أحدا.. حدقتاها الخضراوان ضاقتا.. حدقت في الوجه الحلو).
ولأن الشيفرة نظام من أنظمة التواصل التي تنتمي إلى عالم المراقبة والتجسس، تصبح قراءة العين مهمة في تفكيك التشفير، وفهم السلوك الحياتي (قال الرجل مقربا السراج من وجهه الناشف، فلاحت أشفار عينيه عارية من الأهداب). وعلى الرغم من التوظيف الكثير للمفردة العامية في هذه الرواية، فإنها لعبت دورا استعاريا مهماً أعان السارد على المراقبة وكشف للقارئ البواطن والخفايا. وإذا كانت الواقعية النقدية التي تولدت على أيدي رواد الرواية العراقية، كذي النون أيوب وعبد الحق فاضل وغائب طعمة فرمان وغيرهم، هي المسار الذي اعتمده الروائي العراقي منذ الحرب العالمية الثانية، وهو يصور المجتمع بطبقاته الفلاحية والعمالية والبورجوازية والارستقراطية؛ فإن الالتزام الأخلاقي ظل سمة مهمة في هذه الواقعية. وهو ما أكده عبد الجليل المياح على لسان أدهام الشخصية البدوية، التي حملتها قيمها العربية الأصيلة على أخذ الثأر ورفع الظلم (إن الرجل الشريف خير له أن ينفذ رصاصة قاتلة في صدره، إن لم يستطع أن يزيل القذارة ويحول دون الدناءة).
وإذ يرافق الجواد هذه الشخصية، ثم يكون سببا في هروب الصبية التي ستعتلي صهوته، لتهرب وتصير البغي صاحبة الماخور البصراوي، فإن في ذلك ترميزا إلى أن القيم والأعراف هي نفسها ظالمة، حين تكون منفعتها للرجل، جاعلة منه شهما وبطلا، بينما تسم المرأة بالعهر، وتتركها فريسة النبذ والسقوط. وقد رمز عنوان الرواية إلى هذا المعنى، فالجواد ليس سوى مجموعة سحب، وكل سحابة هي محطة من محطات الحياة التي فيها القطار رمز المدنية، التي شوهت القيم البدوية، فتغدو السحب منذرة دوما بالرعد والبرق والمطر، ولربما تنفذ نذيرها فتمطر في محطة حياتية ما فروسية وعفة، وقد لا تمطر أبدا. ويظل الخيار مفتوحا تدلل عليه شفروية عيني الشخصية الرئيسة (نارية) التي انتهت محطاتها، وقد اجتمعت بابنها عزيز، الذي تركته في صباها رغما عنها، ووجدته في نهاية المطاف شابا، يقر لها بالأمومة، ولا يحاسبها على ماض قاس غدر بها.
ولم يكن البعد الأخلاقي بمعزل عن البعد السايكولوجي في تجسيد الواقعية النقدية كسرا لرتابة التشفير الأنطولوجي للعين من جهة، وإفادة من المونولوجات والتداعيات الحرة والأحلام من جهة أخرى، ومن ذلك هذا المقطع الحلمي الذي فيه تتكثف حكاية نارية، وأنها مسؤولة عن جزء من تراجيديا حياتها (بستان كبير زاه شيخ معه ابنته الحلوة يجلسان على حافة جدول تظلله أشجار النخيل المحملة بثمارها الذهبية الحلوة الصغيرة، نزلت إلى الجدول وطاردت شبوطا كبيرا).
إن رواية «جواد السحب الداكنة» من الروايات العراقية الطليعية التي شخَّصت موضوعا واقعيا حسّاسا، ينتقد مجتمعنا الذي تصارعت مدينيته مع بداوته، والمرأة في ذلك كله هي الضحية التي صيّرها المجتمع جلّادة ظلماً وتعسفاً.
٭ كاتبة من العراق