القاهرة ـ «القدس العربي»: عبر العديد من الأعمال القصصية والروائية، نذكر منها.. «سقوط النوّار، العابرون، الركض في مساحة خضراء، امرأة أسفل الشرفة، توتة مائلة على نهر، دموع الإبل، البجعة البيضاء، طيور ليست للزينة، الأميرة والرجل من العامة، وباب الدنيا». ينسج الكاتب والروائي المصري محمد إبراهيم طه عالمه الروائي الممتد والمستند إلى عالم الريف المصري وأساطيره الشعبية والدينية. وبمناسبة صدور روايته الأحدث «شيطان الخضر» الصادرة هذا العام عن دار النسيم للنشر والتوزيع، أقيمت لمناقشتها ندوة في (منتدى المستقبل للفكر والإبداع) في حزب التجمع في القاهرة، أدارها الشاعر أمل سالم، وشارك فيها كل من النقاد والكتاب شعبان يوسف، أحمد صبري أبو الفتوح، ويسري عبد الله.
يُذكر أن طه حصل على عدة جوائز، منها جائزة الدولة التشجيعية عام 2000، وجائزة يوسف إدريس في القصة القصيرة عام 2008.
الصوفية الشعبية
أشار الكاتب والناقد شعبان يوسف إلى أنه منذ رواية محمد إبراهيم طه الأولى «سقوط النوّار» وصولاً إلى روايته الأخيرة «شيطان الخضر» لا يخفى الحِس الصوفي ـ الصوفية الشعبية، دون الصوفية المُتاجَر بها ـ حيث يظهر ويتطور دور الطفل/البطل الممتد طوال هذه الرحلة/الأعمال. وفي ما يبدو دور الكاتب أكثر وضوحاً في سقوط النوّار، إلا أنه يختفي هنا خلف شخصية الخضر. من ناحية أخرى وعلى مستوى الشخصيات، نجدها بعيدة عن أي شكل من أشكال الصراع الطبقي أو الثقافي، فهي شخصيات فقيرة بائسة تسبح في ملكوتها، وتدور معاركها ما بين المآتم والمساجد.
اللغة وجمالياتها
ويُشير الكاتب الروائي أحمد صبري أبو الفتوح إلى لغة الرواية، فيراها دالة ومقتصدة، فلا إطناب ولا غريب من القول، ولا حتى إحالات لغوية. إلى جانب التوفيق التام ما بين الفصحى والعامية، فهي لغة مكتملة ومُكتفية بذاتها إلى حدٍ كبير.
وإن كانت شخصية الخضر هي الساردة، إلا أن هناك شخصية أخرى (المِنَعْكِش) العالم بالحقيقة، بما أن كل الروايات ناقصة، ما عدا رواية المنعكش نفسه، الذي يتحقق اكتمال حكايته بالفعل بموته، إلا أن شخصية الخضر الباحث عن الحقيقة، فهي على وعد بالموت. أما تقنية السرد فتأتي من خلال أحداث تتكامل وتتضح عبر الفصول، فهناك جزء من الحكاية في الفصل الثاني مثلاً، إلا أنها تكتمل في الفصل السابع، في سياق روائي غير مُفتعَل.

جانب من الندوة
أما العالم الروائي للكاتب، وبالنسبة لهذه الرواية بشكل خاص، فهو عالم (الكتاتيب) ومعايشة فن الترتيل والتلاوة. لينطلق التساؤل هنا .. بما أن المقامات الموسيقية واحدة، سواء في الغناء أو التجويد، فلماذا تكون الموسيقى حراماً، بينما حلال في تجويد القرآن. ويضيف أبو الفتوح، أن معجزة شخصية الخضر، تتجلى في حفظه الكامل للقرآن خلال نوبة من نوبات الصرع التي تنتابه. وما انقطاع هذه النوبات في وقت من الأوقات، وشعوره بالضيق الشديد، إلا حالة أشبه بحالة انقطاع الوحي.
المقدس والدنيوي
إستند الناقد يسري عبد الله في مداخلته إلى مشروع محمد إبراهيم طه ككل، موضحاً البنيات الأساسية أو (الخصوصية الجمالية) لهذا المشروع الروائي، وصولاً إلى رواية «شيطان الخضر» حيث لا تقتصر الصيغة الجمالية على البصمة الأسلوبية أو العالم الروائي، بل روح الكتابة نفسها، ما يؤدي إلى الانفتاح على قراءات متعددة، من خلال شخصيتين، هما (المنعكش) و(خضر الصغير) ومحاولة البحث عن عالم يسد الفجوة بين المقدس والدنيوي.. بين التلاوة والتنغيم. وإن كانت حياة الأول تنتهي بالموت، فإن موت الثاني يُفضي إلى الحياة.
ويستكمل عبد الله أن الحدث أو نقطة القص تنطلق من واقعة (مسجد البحر) فالمنعكش يهوى السور القرآنية، خاصة التي تتناول القصص والحكايات، وهو ما يوضح نموذجاً لهامش القرية المصرية، حيث لكل قرية أساطيرها التي تحيا من خلالها. فالمنعكش.. بلا مأوى، مسروق الميراث، يحيا على الحافة، انتقائي في تعاطية مع المقدس ـ سور قرآنية تسرد قصصاً ـ ولذلك لا يتورّع بأن يجعل ميكروفون الجامع يبث (إلهي ما أعظمك) بصوت نجاة الصغيرة، بديلاً عن تواشيح الفجر المعهودة. من خلال هذا الحدث تنفجر جميع الوحدات السردية اللاحقة.
من ناحية أخرى يأتي القسم الأول (نزهة النفوس) مقسماً إلى أرقام، بينما (راحة الأرواح) مقسم إلى حروف أبجدية. وكل من الرقم والحرف له دلالة قوية بالنسبة للمقدس ـ تنقسم الرواية إلى قسمين.. (نزهة النفوس) وهي آلة القانون التي كان البطل يعزف عليها، و(راحة الأرواح) وهو اسم أحد المقامات الموسيقية، وله عدة خصائص دالة.. كالمناجاة والشجن والحركة أو الصراع الداخلي، لا يصل إلى الشكوى أو النواح. ومن أشهر أغنيات هذا المقام الأطلال وحديث الروح لرياض السنباطي ـ من خلال الموسيقى يتشكل الفعل السردي، فينتفي الصراع التقليدي، باحثاً عن حالة من التجاور ما بين المقدس والدنيوي، وبهذا يكون خضر نفسه قد تخلص من هذا الصراع، ويحيا حياة كحالة من حالات التجاور.
فخضر عندما يغيب عن الوعي ينطق بالصوت نفسه الذي ينطق به يوسف، وهو ما يؤكد فكرة القرين المنتشرة في المثيولوجيا الدينية والتراث الشعبي، فخضر المنتمي لقرية من قرى الشمال المصري هو ابن المكان، متمثلاً معتقداته (التدين الشعبي) ولهذا كان من المنطقي تماماً أن يتراوح السرد ما بين الواقعي والأسطوري.