ما الذي نتوقعه من شاب فلسطيني (ثلاثيني)- وليد- يعيش مع أسرة فقيرة في مخيم صغير لا تعترف به (الأنروا) على كثب من مخيم اليرموك في دمشق، يتعرض في طفولته لتحرش جنسي من بعض الشواذ المثليّين: أحمد وهشام وهاني ونعمان (ص24 و27)، ويضطر لترك المدرسة الحكومية صغيرا لأن والده يتعرض لعارض صحي يقعده عن العمل (ص30) وعن الاستمرار في كسب قوته اليومي وقوت عائلته، فيلتحق بأعمال عدة، ورشة بناء تارة (ص40)، وتارة مصنع للألبسة الجاهزة، وطورا حارسًا أمنيا في مجمع تجاري كبير، يُقالُ منه لأنه اضطر لمساعدة سيدة ذات طفلين، فاتهم بالتحيز لفريق من الزبائن دون آخر. يعمل أيضا في الجبل (القلمون) مع تاجر ومهرب هو (أبو كنان) الذي يقوم بجمع البضائع وتكديسها وتهريبها من الحدود اللبنانية إلى الغوطة الشرقية (ص57).
يُدعى إلى حفل عرس في الغوطة مع معلمه أبو كنان (ص71)، وهناك يكتشف أن الوحوش من أمثال أحمد وهشام ونعمان لا يريدون تركه وشأنه، بل يتربصون به تربص من يصرّ إصرارا شديدا على تكرار الاعتداء عليه بعد اغتصابه قاصرًا، يودون إلحاق الأذى النفسي به مرة أخرى (ص72). وفي نهاية العرس تحدث المشاجرة التي تسفر عن استخدام المسدسات، وإطلاق الأعيرة النارية، ويصاب فيها نعمان التاجر اللوطي الوضيع متزعم عصابة السلب والنهب والمتاجرة بالأسلحة والذخائر وتهريب العملات، في إحدى ركبتيه (ص79- 85). وفي النهاية يكتشف وليد أن نعمان وبعض أفراد شلته من المسؤوليين الكبار، ومن النافذين في السوق، يديرون وكْرًا لدعارة مثليّة في بيت أحدهم، وينقذ طفلا في نحو 13 عاما من عمره كان المثليون يتناوبون عليه واحدًا تلوَ الآخر (ص97- 98). ويُقتل الأعرج نعمان، ويصاب أبو كنان إصابة قاتلة يتوفى على إثرها قبل البلوغ به طوارئ المستشفى. ويستولي وليد على مبلغ 9 ملايين ليرة كانت في حوزة معلمه أبو كنان، ويوزعها على رجاله بالتساوي، متبرعًا بحصته هو من المبلغ لوالدة الصبي الذي أنقذه من براثن الشواذ المثليّين.
ويعود بعد ذلك لدمشق، يزور مخيم اليرموك. ويُعرض عليه الانضمام لحركة إسلامية مقاومة، تتمتع بدعم الحكومة السورية. يعارض أولا ثم تتحول المعارضة إلى تردد، ثم إلى قبول (ص127- 130). لكن الأمور لم تسر على ما يرام فلا أبو خالد وفى بوعوده، ولا أبو محمد، ويحاول تحقيق حلمه بالانضمام إلى فصيل فلسطيني مسلح، ويشق طريقه إلى صيدا، فإلى مخيم عين الحلوة (ص 88- 89)، وفي المكاتب يعثر على كتب ٍكثيرة ثورية بعضها عن فلسطين، فينكب على قراءة ما يستطيع قراءته منها في وقت قصير (ص90). ولكن الأمور أيضا لم تسرْ على خير ما يرام، فترك عين الحلوة إلى البقاع، وزار بعض أقربائه في مخيم آخر لم يذكر اسمه، وإن كان يتضح من الوصف أنه مخيم نهر البارد، وتقع الحرب الإسرائيلية- اللبنانية (2006) وينزح الكثير من اللبنانيين إلى سوريا. ويتصدى مع غيره من المسلحين لإنزال إسرائيلي قرب المخيم تبين فيما بعد أن الهدف منه تصفية أحد رجالات حزب الله (ص123). وتضع الحربُ أوزارها، ويعود النازحون اللبنانيون إلى ديارهم ثانية. ويعود وليد نفسه إلى دمشق.
ويتقلب في مهَنٍ كثيرة أخرى: إحداها موظف بدالة هاتف لدى فصيل فلسطيني مدعوم من الحكومة السورية (129- 130). في أثناء هذا العمل تتاح له فرص الاتصال عن طريق الإنترنت، ويقتني حاسوبًا مستعملا أهداهُ إياه صديق اشترى واحدًا جديدًا. يتصفح مواقع كثيرة. منها مواقع التواصل الاجتماعي. ويلمحُ عن طريق الإنترنت شرارة البوعزيزي تتّقد في تونس (ص139). ويقرأ ما يبثّ على المواقع من تحريض، ومن رسائل قصيرة تحض على سرعة التجاوب مع المتغيرات الجديدة. يقيم علاقات بشبكة من المواقع لأحزاب عربيّة عدّة بعضها في مصر، ويصل أثر تلك الشرارة إلى ليبيا وإلى مصر وإلى اليمن.. وأخيرًا سوريا..
فابتداءً من الصفحة ذات الرقم 136 من سيرته المتخيّلة التي تقع في 158 صفحة يلتفت الراوي لجزءٍ مهم من وقائع السيرة، مشيرًا إلى أن ما يحدث في سوريا منذ بدء الشرارة في درعا– في رأي صديقه غسان- حربٌ ستنتهي يومًا لكنّها ستعيق عودة الحياة إلى طبيعتها سنين عدة. فمن درعا انطلقت شارة البوعزيزي (حمزة الخطيب) تلك الانطلاقة التي توقع لها غسان أن تدوم سنوات عشرًا، أوْ أكثر، معَ أنَّ وليدًا نفسه كان يظن أنَّ الواقعة سيجري أغلاقها في أسْرع وقتٍ، وأقصره (ص 140) بيد أن الانقسام حول مناصرة درعا من عدم المناصرة كان بمثابة الميكانيزم الذي زاد الأحداث اشتعالا، والأوضاع اضطرابا، واستفْحالا. يقول الكاتبُ على لسان الراوي «وتهبُّ مدينة دوما لتناصر درعا الثائرة» (ص 141). وعلى هذا النحو يتتبع الكاتب ما جرى خلال أشهر: تظاهرات.. اعتقالات.. إهانات في مراكز الاعتقال. شعور بالغضب والسخط. نعرات بغيضة. اتهامات بالعمالة.. والتخوين.. قطع طرق. سيارة بيضاء يقودها أحد رجال الأمن تطلق أعيرة نارية من سلاح متوسط على المارة. جنازات متكررة لا توحي بأنَّ الأمور يمكن أن تعود بالزمن إلى الوراء… (ص142) في هذه الأثناء، وعلى وقع التظاهرات، تنطلق صيحة غريبة وجديدة وهي أنَّ على الفلسطينيين أن يعودوا إلى بلادهم عبر الحدود مع الجولان والجنوب اللبناني.. في مسيرة ساخطة يقتحم فيها الغاضبون الحواجز الأممية، ونقاط العبور . ووليد الذي عاش على حلم العودة إلى فلسطين سرعان ما يجد نفسه منساقا لتلبية هذا النداء، فانساق مع من انساقوا، واندفع مع من اندفعوا، متحدِّينَ مرابضَ الاحتلال، ونقاط العبور الدولية (ص145) يحدث ذلك في ذكرى عدوان 5 حزيران/ يونيو 1967 ويقتنصُ الجنود الإسرائيليون عددًا من الرجال والشبان المندفعين اقتناص الغزلان.. وما ظنه المقتحمون للسياج نصرا قصيرًا سرعان ما انتهى بصدامات خطيرة بين أسر الشهداء والتنظيم الذي دعا لتلك المسيرة (الفزعة) وبدأ مخيم اليرموك يشتعل ناراً راحت تلتهمه، وتلتهم من فيه.
في هذا السياق يبرز الانقسام الفلسطيني في المخيم، ويتجلى على أشده. واستُهْدفت المنظمة التي دعتْ لتلك المسيرة من الجيش الحر،كونها منظمة تابعة للنظام، وخاضعة له، وتمثل أحدَ رموزه. يقول الراوي « لم يكنْ يعلم الجيش الحر أن هذه المنظمة عبارة عن مكاتب لتبرير السرقة، لا وزنَ لها، ولا عملَ، على الأرض. وجودها لا يتعدى البناءَ الذي كنا فيه، ومعسكريْن في دمشق، يوجد فيهما رجال شاخوا بعدَ مسيرة طويلة من العمل الفدائي، وأصبح وجودهم كعدَمه، إلا من أجل ذلك الراتب الذي لا يزيد عن راتب نهاية خدمة في أي عمل حكومي… « (ص149) يراودهُ الشعورُ أحْيانا بضرورة مغادرة سوريا، غير أنه يتردّد على الرغم من رؤيته لمشاهد النزوح الجماعي. كثيرون غادروا إلى لبنان.. وإلى أوروبا.. وغير ذلك.. إلا أنّه يُفضل البقاء في سوريا، فإمّا إلى فلسطين، أو إلى لا مكان (ص115). يترك دمشق ملتحقًا مجددًا بعمله القديم في القلَمون.
على هامش هذه الوقائع العامة، ثمة حكايات، ومتواليات سردية صغرى، تتخللان الرواية- السيرة. إحداها حكايته مع ابنة الجيران (منال) التي ربطته بها علاقة صداقة لم تتجاوز حدود البراءة (ص133- 134). كذلك حكايتُه مع (نور) التي تعرف عليها وتعرفت إليه في مصنع الملابس الجاهزة (ص109). وانتهت العلاقة بسفرها إلى اللاذقية، وتعرضها في أثناء العودة لحادث سير مروري غير مدبّر أودى بحياتها وحياة الأم وشقيقها الأصغر (ص111). ثم حكايتهُ مع (ريم) وهي امرأة متزوجة من رجل سكير لا يهتم بأنثاه، ووجدتْ في وليد الشخص الذي يمكن أن يعوضها عن زوج مهمل لمتطلبات زوجته في السرير (ص124). وأخيرا (مريم) وهي فتاة الفيس بوك التي تواصل معها وتواصلت معه عن طريق الإنترنت، ليكتشف بعد رؤيته صورةً لها أنها تشبه كثيرًا تلك الفتاة الحسناء التي رآها في منامهِ مرَّتيْن (ص 38) وهي الرؤيا الوحيدة التي تمنّى من أعماق قلبه لو تصبح واقعًا حقيقيًا لا مجرد رؤيا، وأحلام (ص150). وتحدث إليها ذات مرة بعد تعرضه لإطلاق نار كثيف، فأوصته بأن يكون حذرًا. ترى هل يومئ بهذه الوصية لنهاية أصْبحت قريبة لسيرته بوصفه مشروع شهيد أخْطأه الرصاصُ الطائشُ وغير الطائش مرارا؟! وبوصفه فلسطينيًا ينتظر موته الذي حان أوْ لمْ يحن موعده بعد؟! ولماذا كان هذا التحذير من مريم ابنة القدس دون غيرها من الناس؟! يقول على لسان الراوي « رأيتني في الحلم، ورأيت خيْبتي هنا، مجرَّدة، مهزوزة، رأيتني أبتعد، أخذلُ انتظاركِ، رأيتني أعبث بنرْدٍ لمْ يمتلكْ جرأةَ السواد» (ص152- 153) تلك هي النهاية المتوقعة لشاب فلسطيني ثلاثيني يحيا في مخيم غير مُعْترف به، يحاول أن يحمل السلاح فلا يوفق، ويحاول أن يعمل في مجالات شتى فتتعثر محاولاته، يحاول الانضمام لفصيل سياسي فلسطيني فيخيِّبُ الواقع الفلسطيني رجاءَه. يحاول أن يكون له موقع في اليرموك، أو في القلمون، أو في عين الحلوة، أو في مخيم نهر البارد، أو في الغوطة الشرقية، والغربية، فلا يُوفَّق، وهو يحاول أن يتذكر، وأن يسرد حكايته، إلا أنّ الراوي يقاطعه من حين لآخر، فلا يدري إنْ كان الراوي يكتبُ سيرته كما يريدها هو، أمْ كما يريدها الراوي. لا شيء مما يريدُه يتحقَّقُ على هواه، فحتى سيرتُه لا يريدون له أن يكتبها مثلما يشاء، بل على وَفْق مشيئة الراوي:
ما شأنك وهذا أيها الراوي، لا تتدخلْ في كل شيء. و لا تسجله في روايتك، وإلا..
وإلا ماذا.. ياوليد؟! لا تريدني أن أكتب رواية متخيلة، ولا تريدني أن أروي حكايتك، ما الذي تريده؟!
أنْ تدعني وشأني فقط. لا أطلبُ مُعْجزةً. قلتُ: دعْني وشأني.
اهدأ، ولا تصرخْ في وجْهي.
وجْهُكَ؟! أين هو؟! هيا، تجرّأ واظهرهُ أمامي. كمْ أبغُضُكَ أيها الصداع المدّعي!
واضحٌ أنَّ هذا الحوار بين وليد- بطل الرواية- والراوي يلقي الضوء على اللعبة السردية التي لجأ إليها بسام جميل في روايته التي تتخذ من اسم السيرة عنوانا لها، وهي- فيما يرى القارئ – ليست سيرة قطعًا، بل رواية، بدليل أنّ الخلاف بين البطل والراوي يؤكد أن السارد فيها لا يلتزم الحقيقة في ما يروي، ولكنه في الوقت نفسه لا يلتزم الخيال، فهي حقائقُ قُدّمتْ في بناءٍ خياليّ لا يخلو منْ تشويق.
*الرواية من منشورات دار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع، عمَّان، 2014
*ناقد وأكاديمي من الأردن
إبراهيم خليل