رواية «كوسطا» لمحمد الصالح البوعمراني: السرد بنكهة كرنفاليّة

حجم الخط
0

■ تعدّ الكرنفالية من المصطلحات التي أدخلها باختين إلى النقد الروائي وهي من أسس حوارية خطاب الرواية التي تسم مشروعه الروائي، وإذا كان هذا المصطلح مجترحا من عوالم الاحتفالات الشعبية الواسعة، بما فيها من طقوس، فإنّ ما يوظّفه باختين هو جانبها المتحرر باعتبارها أيام انفلات وتحرّر من اليومي والسّلطوي. «فليس بعد إحياء التقاليد القديمة وتنشيطها ما يهمّ هذا التفكير، وإنما نهج البحث في العقلية التي أنتجت الكرنفال، والالتفات إلى الجزء المهمّش المنسي في قطاعات الثقافة، الذي عدّ دائما خارج عالم النبلاء صوت السوقة والرعاع» على حدّ تعبير الباحثة بسمة عروس. فالخطاب الكرنفالي عند باختين هو خطاب «إدخال الاستثنائي إلى ثمالة اليومي». وهو ما يرسي، على حد قوله، أدبا ذا نكهة كرنفالية، يوظّف الهامش ويستقطب إلى عوالمه خطاب الهامش المستهجن والمرفوض سلطويا، بصوته وحكاياته ومغامراته ونزقه وسخريته وتألمه. فالرواية حسب هذا التّوجّه تبني خطابها من المغيّب والمنسي والمسكوت عنه، لتنسج حواريّة خطابها وترسم عالمها الأيديولوجيّ وتتّخذ موقفها من الرّاهن. وهو ما يجعل الكتابة بنكهة كرنفاليّة، كتابة متصادمة مع الثقافة الرسمية والخطاب السلطوي. إنها كتابة تعرّي الواقع وتتجاهل التّحذير من الثّالوث المحرّم. وهي تميل إلى الفضاءات الممنوعة والشّخصيّات المنبوذة والظريفة، والأحداث المسكوت عنها.
ولعلّ رواية «كوسطا» لمحمد الصالح البوعمراني تنهج هذا الخطاب. فهي كتابة بهذه النّكهة الكرنفالية، التي تتنصّل من الثّالوث المحرّم، وتطمح إلى نزع الأقنعة، راصدة الواقع الاجتماعي والسياسي في تونس ما قبل الثّورة وبعدها. منتقلة من مناخ يتسم بنفوذ المقربين من الحزب الحاكم وممارساتهم، إلى آخر يتسم بالفوضى والتقلّب وتغلغل الظّاهرة السلفيّة. ويمكن أن نستشفّ هذه الكرنفاليّة في مختلف المكونات السردية للرواية، ومنها الفضاء والشخصيات والأحداث.

حانة كوسطا أو الفضاء الكرنفالي

تميل الكتابة بنكهة كرنفاليّة إلى الفضاءات الشعبيّة المفتوحة، التي تلتقي فيها الشّخصيّات
وتنزع خوفها وتحفّظها وتمارس ما بداخلها بكلّ حرّيّة. ولعلّ اختيار فضاء الحانة عنوانا رئيسيا للرّواية، يعد أحد وجوه الكرنفاليّة. فالحانة فضاء المجون والتمرد على المجتمع ورؤية العالم من زاوية مكبوتة وممنوعة. وهي فضاء البوح والاعتراف والهذيان والثرثرة، وهو ما يؤهلها لتتصدّر الفضاءات الكرنفاليّة عموما. وهي كذلك تتصدّر فضاءات هذه الرواية. ففي حانة كوسطا الشعبيّة، تلتقي أغلب الشخصيّات وتكشف دواخلها وتروي حكاياتها، وتنزع أقنعتها. فهي الفضاء المركزي الذي يرتبط بفضاءات أخرى، جرت فيها بعض التفاصيل. «حانة كوسطا مكان له أسراره وخباياه لا يمكن أن تدركه إلا بعد معاشرتك له، قد يبدو في الظاهر مكانا حقيرا وحانة مهملة، يرتادها العوام والسوقة، ممن يبحثون عن بيرة رخيصة وصحن فول، لكنها مسكونة بعوالم وحكايات لا يدركها إلا من يهتم بالتفاصيل مثلي». فهذا الفضاء يصبح فضاء تعدّد وتنوّع، يلوح منه المخفيّ ولعل ارتياده روائيّا هو طموح الرّواية إلى التقاط الحقيقة وتصوير المسكوت عنه.

شخصيّات كرنفاليّة

لا تروم الكرنفاليّة الاستماع إلى أصوات المحافظين والشرفاء والنبلاء، فهي للمعدمين والمسحوقين والمرفوضين والمعذبين في الأرض، وهي كذلك للسكارى والمارقين على القانون والعادات والمتمردين على الوجاهة. في هذا المجال تطالعنا «كوسطا» بجملة من الشخصيات المنبوذة اجتماعيّا وسياسيّا، وتتيح لها السرد والتعبير عن عوالمها. شخصيّات حزبية قديمة عرفت بمهامها القذرة، ولعب أدوار الوشاية وتكميم الأفواه، في زمن النظام السابق، نظام ما قبل الثورة، وفي مقدمتها سالم عبدالحق وعبروش وفخري.

لا تروم الكرنفاليّة الاستماع إلى أصوات المحافظين والشرفاء والنبلاء، فهي للمعدمين والمسحوقين والمرفوضين والمعذبين في الأرض، وهي كذلك للسكارى والمارقين على القانون والعادات والمتمردين على الوجاهة.

تحضر هذه الشخصيات بنزقها وانتهازيتها ومغامراتها، وبلغتها التي تستعملها. فتتحدث عن تاريخها ومواقفها، ومجونها وضحاياها، ومغامراتها الخفية وتقاريرها السّرّية. ولعلّ الشخصية الأبرز في هذا المجال شخصية سالم، الذي أتاح له الكاتب أن يروي أغلب فصول هذه الرواية، ويستعيد سيرته انطلاقا من الطفولة، وصولا إلى سنوات ما بعد الثورة مرورا بسنوات العمل مخبرا لدى الحزب الحاكم، متسلقا شعاره «دائما الفجوات بين الصخر تسمح للأعشاب الطفيلية بالانبثاق، قد تفلق الصخرة أحيانا وتصير المركز، تمسحت بالكبار حتى صرت منهم والكبار ضمتهم حانة كوسطا».
يروي سالم عبد الحق مغامراته ورحلته عينا من عيون السلطة لا تنام، وتقود شبكة من المخبرين. ويمرّ في هذه المسيرة الطويلة بعدد من النساء ممّن كانت له معهنّ مغامرات وعلاقات مختلفة. وهو ما جعل بعض الشخصيات النسائية الموصوفة بالعهر، تقتحم الرواية وتقيم علاقات مع هذه الشخصيات الحزبية. ويستدعي الخطاب الكرنفالي الشخصيات الظريفة والطريفة، محاولة لإثراء الرّواية بالضحك الكرنفالي، على حد تعبير باختين. ولعل شخصيّة بائع الفول تأخذ هذا المنحى»لم يكن كوسطا نادلا كان صاحب عربة الفول أمام حانة كوسطا. الجميع يعرفه وهو يعرف جميع رواد الحانة يحفظ اسمك ووجهك من أول زيارة ويبادرك بصحن فول أو حمص أو رمان، عند زيارتك الأولى ويقول لك بعد أن يرفع الصحن إلى مستوى رأسه ويديره في كفه بشكل بهلواني صحتين من عند خوك كوسطا».

محاكمة الماضي والحاضر

إذا كانت هذه الشخصيات تقدّم صورة عن كواليس ما قبل الثورة، وتفضح ممارسات خطيرة استشرت وانتشرت، وبلغت مجالات عديدة، ولم ينج منها الفضاء الجامعي بدوره. فإن مصيرها يطرح بدوره أكثر من سؤال، وأكثر من زفرة، معبّرا عن جانب مما يفكر فيه التونسيون باستغراب بعد الثورة. فهذه الشخصيات تعود من جديد إلى المشهد، وترتدي أقنعة جديدة مناقضة لماضيها. وهو ما يجعل النهايات تبعث روحا جديدة في هذه الشخصيّات.
فينقلب كوسطا بائع الفول إلى رجل متدين، ويغير بضاعته «رأيته من بعيد مشرفا على عربة الملابس والعطور الإسلامية «وعبروش المسؤول التجمعي»، عرض عليه أن يساعد الوالي الجديد «وابتسام العلوي المومس تظهر على شاشة التلفاز وقدّمها المنشط التلفزي المحترف السيدة ابتسام علوي مسؤولة الشؤون الثقافية في وزارة المرأة».
هذه النكهة الكرنفالية التي اتسمت بها الرواية محاكاة ساخرة للمشهد وعوالمه. ولعلّها سخرية حدّ المرارة، فالرواية تصوّر فساد الماضي، وما فيه من تجاوزات خطيرة وعبث وتنفذ ولكنها أيضا ترسم خيبة الحاضر ومرارته، وتهجس بما تجيش به النفوس من جديد من قراءات ناقدة للرّاهن ولمجتمع الثّورة.

٭ كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية