خمس وأربعون صفحة تقريبًا من القطع المتوسط، تم تقسيمها إلى اثني عشر مقطعًا معنونًا، هي مساحة رواية «معارك الصحراء» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة الجوائز للشاعر والروائي المكسيكي خوسيه إميليو باتشيكو، قامت بترجمتها سمر عزت وراجعها علي المنوفي. رواية «معارك الصحراء» اعتمدت على ثيمة التكثيف والحذف لا الثرثرة الروائية، وتعتبر من أقصر الروايات، إن لم تكن أقصرها بالفعل، تقول الكثير بين ثنايا سطورها، وتضع يدها على مواطن الخلل في مجتمع يقع على مشارف مرحلة هبوط وصعود، وهي تُعتبر، كما نقرأ على غلافها الأخير، مثالا أدبيًّا استثنائيًّا نرى من خلاله عدم اتساق المجتمع وتضارب القيم، وقد أدهشت هذه الرواية الجميع منذ أن نشرت، على نطاق واسع عالميًّا، نظرًا لبساطتها وهيكلها المعقد، الذي يسمح بقراءات متعددة ورؤية أبعاد مختلفة، وكذلك لأنها تُشعر القارئ بأنه جزء لا يتجزأ من الأحداث، وتربطه دائمًا بالكاتب. تدور أحداثها على مقربة من فترة الحرب العالمية في أحد الأحياء المكسيكية، كاشفة إياه من أعماقه، بمميزاته وعيوبه، بدون تجميل له أو تجنٍّ عليه.
انتشرت في المكسيك أمراض النخاع الشوكي والحمّى القلاعية، واجتاحت الفيضاناتُ البلادَ فاضطر الناس إلى استخدام الزوارق للتجوال في المدينة.
في ذلك العام الذي لا يتذكره الراوي بالتحديد، ويعتبر عام بؤس وأسى، انتشرت في المكسيك أمراض النخاع الشوكي والحمّى القلاعية، واجتاحت الفيضاناتُ البلادَ فاضطر الناس إلى استخدام الزوارق للتجوال في المدينة. كان هذا العام إبان نظام ميغل أليمان الذي وصفته إحدى شخصيات الرواية بأنه سباحة في الخراء. إنه نظام ديكتاتوري بامتياز، حيث تغزو صور الرئيس وبورتريهاته، والقصص التي تحكي عنه وعن أعماله كل الأماكن: «كانت الجرائد تقول إن العالم يمر بلحظة أسى. شبح الحرب الأخيرة يخيم على الأفق، أصبحت القنبلة النووية عند انفجارها رمزًا لتلك الحقبة المظلمة التي نعيش فيها، ومع ذلك ما زال الأمل موجودًا. أكدت كتبنا المدرسية أن المكسيك لها شكل قرن الرخاء على الخريطة، يتكهنون بأن الرخاء والرفاهية سوف يسودان العالم في بداية الألفية الثانية التي لم تتبادر إلى الذهن بعد، إلا أننا ما زلنا نجهل تمامًا كيف سيتحقق ذلك». في ذلك الوقت كان المكسيكي يتطلع إلى المدينة الفاضلة التي ستصبح حقيقة واقعة: «مدينة نظيفة، بدون ظلم، بدون فقراء، بدون عنف، وبدون زحام ولا قمامة». ولهذا حاول المكسيكيون، في رحلة انتقالهم من عهد قديم إلى عهد جديد، أن يواكبوا العصر بأن أضافوا إلى قاموسهم اللغوي مصطلحات أمريكية بدأت غريبة لكنها سرعان ما اتخذت الطابع المكسيكي، مثل ثانك يو، أوكي، وات ذا ماتر، شات أب، سوري، وان مومينت بليز. أيضًا راح المكسيكيون يأكلون الهمبورغر، فطائر الفاكهة، الدونتس، الهوت دوغ، الميلك شيك، المارجرين والآيس كريم.
عرب ويهود
الجميل في «معارك الصحراء» أنها لا تقف عند حدود المكسيك، واصفة ما يحدث هناك وقتذاك وحسب، بل تتعدى حدودها لترصد ما كان يدور في العالم من أحداث أثرت في ما بعد على الخريطة العالمية، منتقدة ما يدور في المجتمع من فساد، وما يفعله السياسيون مما قد يصل بالبلاد إلى حافة الكارثة. كذلك لا تغفل الرواية أفول نجم الإمبراطورية العثمانية، ثم بعد ذلك بداية قيام دولة إسرائيل في ذاك الوقت على حساب الأراضي الفلسطينية: «خلال أوقات الراحة نأكل شطائر القشدة التي لن نذوقها في ما بعد، وكنا نلعب في فريقين: عرب ويهود. كانت دولة إسرائيل قد تأسست لتوها والحرب قائمة ضد جامعة الدول العربية». الرواية تصور التشاجر الذي كان يحدث بين الأطفال الإسرائيليين والأطفال العرب، في المكسيك، في معارك الصحراء التي كانت تدور في ما بينهم.
في «معارك الصحراء» لا يدعو خوسيه إميليو باتشيكو إلى التناحر بين الشعوب، بل يدعو إلى نبذ الكراهية، والعيش معًا في سلام، بدون حرب أو قتال.
الرواية تناقش كذلك، إلى جانب التفاوت الشاسع ما بين الطبقات: «كنت مليونيرًا بالنسبة لروساليس، وشحاذًا بالنسبة لهاري آثيرون»، وشكوى الكثيرين من الحكم العسكري الذي يجثم طويلا على أنفاس الشعوب وصدورهم، ما يدور في بلاط الحاكم الديكتاتور الذي يدوس بقدميه على رقاب شعبه، وما تقوم به الحاشية المحيطة به التي تستفيد، بلا شك، من قربها منه، ضاربة بمصلحة الشعب عرض الحائط، ما يُخلّف الملايين من الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم، ولا يحصلون على حقهم لا في التعليم ولا في العلاج، ولا حتى في سواهما: «فأبوه يشغل منصبًا في غاية الأهمية في الحكومة، وله تأثير حاسم في الصفقات التجارية، يربح الملايين والملايين في كل مبادرة للرئيس، يوقع عقودًا في كل مكان».
عالم ثري
من هنا يبدو أن الفساد هو الداء الذي تغلغل في قلوب الكثيرين على ظهر كوكب الأرض، وكأنه أصبح عُمْلة عالمية موحدة: «لقاحات وأدوية فاسدة، عمليات تهريب ضخمة للذهب والفضة، مساحات شاسعة من الأراضي مشتراة بأبخس الأسعار».
في «معارك الصحراء» لا يدعو خوسيه إميليو باتشيكو إلى التناحر بين الشعوب، بل يدعو إلى نبذ الكراهية، والعيش معًا في سلام، بدون حرب أو قتال، وكذلك يؤكد على عدم السخرية من الآخر أو احتقاره: «عايرت روساليس لأنه مفلس. أوضح لي أبي أنه لا أحد يختار العيش فقيرًا. وقبل الحكم بشكل خطأ على أي شخص كان عليّ أن أفكر أولا إذا كانت قد أتيحت له الفُرص نفسها التي سنحت أمامي». وبعد هذه قراءة متواضعة، لن تغني عن قراءات أخرى، لرواية هي أقصر من بعض القصص الطويلة، غير أنها ترسم عالمًا ثريًّا لبقعة من الأرض تتشابه وبقاع كثيرة في تفاصيلها وظروفها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
٭ كاتب مصري