القاهرة «القدس العربي»: لم يزل التاريخ بحوادثه وشخوصه منبعا لا ينضب للعمل الروائي، وربما يصل اعتماد الرواية على التاريخ، كما اعتماد السينما على الرواية، فالعلاقة وثيقة وقديمة، لكن الإشكالية الدائمة تكمن في كيفية صياغة الحدث التاريخي من خلال السرد الروائي، وقد كُتبَت أبحاث ومؤلفات تنظيرية لا تحصى في علاقة الرواية بالتاريخ. وعادة ما يتوسل الروائي بالحدث أو الشخصية التاريخية لصياغة حكايته، وإعادة تأويل ما كان لفهم، أو محاولة استقراء ما هو كائن.
لكن ماذا لو اتجه المؤرخ إلى الرواية؟ وماذا لو دارت أحداثها حول شخصية إشكالية بطبعها، لا يتفق عليها أحد؟ هنا تأتي أهمية العمل الروائي الأول للمؤرخ المصري محمد عفيفي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة القاهرة، والمعنون بـ«يعقوب» والصادر مؤخراً عن دار الشروق في القاهرة، الذي أثار بدوره عدة تساؤلات حول رؤية المؤلف/المؤرخ، ووجهة النظر الحاسمة إلى حدٍ كبير في شخصية وحياة المعلم يعقوب، مؤسس أول جيش قبطي/مصري، ومدى افتعال سيرة ذاتية للمؤلف تحاول اختلاق توازن للحكاية، التي تحدث في عصرين مختلفين؟
أحاديث حول الجنرال
لم يتفق أحد على كُنه شخصية المعلم أو الجنرال يعقوب حنا (1745 1801) مواليد مدينة أسيوط جنوب مصر. فمنهم مَن يراه خائناً وموالياً لبونابرت وحملته على مصر، ومنهم مَن يُقر بأنه من أخلص الوطنيين، فهو أول مَن فكّر ونادى بمشروع استقلال مصر عن العثمانيين والمماليك. وجاءت كتابات المؤرخين والمهتمين بالتاريخ المصري لتكشف عن مدى التناقض حول يعقوب وأحواله، ولنذكّر ببعض منها..
«المعلم يعقوب قائد ما سمى بـ(الفيلق القبطي) التابع لجيش نابليون، كان يهدف إلى إثارة الفتنة الطائفية، لأن هذا الفيلق كان يضم مجرمين سابقين من المسلمين والمرتزقة من خارج البلاد، من أرمن وأتراك وشوام، وضم كثيراً من الذُّعار والحرافيش وأصحاب المنسر، ما دفع الكنيسة القبطية المصرية إلى التبرؤ منه ومن أفعاله». (أحمد حسين الصاوي. المعلم يعقوب بين الأسطورة والحقيقة).
«المعلم يعقوب صاحب مشروع وطني لاستقلال مصر، وأنه سبق عصره بأكثر من قرن، وأنه خرج من مصر على رأس وفد مصري للتفاوض مع الدول الأوروبية من أجل منح مصر استقلالها». (أنور لوقا. هذا هو المعلم يعقوب).
«هكذا دفعت عمر مكرم معتقداته أن يقاتل الفرنسيين تحت اللواء العثماني والمملوكي، ودفعت يعقوب معتقداته أن يقاتل العثمانيين والمماليك تحت اللواء الفرنسي». (لويس عوض. تاريخ الفكر المصري الحديث)
«كان وجود الفرقة القبطية إذن أول شرط أساسي يمكّن رجلاً من أفراد الأمة المصرية يتبعه جند من أهل الفلاحة والصناعة، من أن يكون له أثر في أحوال هذه الأمة إذا تركها الفرنسيون، وعادت للعثمانيين والمماليك يتنازعونها ويعيثون فيها فساداً، وبغير هذه القوة يبقى المصريون حيثما كانوا بالأمس بلا تغيير جوهري» (محمد شفيق غربال. المعلم يعقوب والفارس لاسكاريس).
يعقوب في الرواية كما في مخيلة مؤلفها مجرد شبح، يظهر ويختفي دون مبرر، صورته غير مكتملة، ولم يتم استغلال الخيال الروائي لاستكمال هذا النقص، أو الكشف أكثر عن المناخ العام وجغرافية تلك الفترة، أو شعور الشخصية بما يحيطها، كل ذلك بعيداً عن أحكام القيمة، التي للأسف حضرت في الرواية.
حديث المؤرخ
يذكر محمد عفيفي في روايته أنه لطالما راودته شخصية يعقوب، بل طاردته سنوات طويلة، حتى أنه بالفعل استعرض رأيه كمؤرخ عند تقديمه لطبعة دار الشروق لكتاب محمد شفيق غربال، الصادر عام 2009. ومنه يرى أن يعقوب لا يمثل قبط مصر، لكنه رجل انتهازي لا أكثر ولا أقل، إضافة إلى سطوة الأساطير التي حِيكَت حوله، وحول موته على متن السفينة الإنكليزية المتجهة إلى فرنسا مع رحيل الحملة الفرنسية عن مصر، ووضع الجثة في برميل من النبيذ، حتى دفنها في مرسيليا، بجوار قبر صديق يعقوب الأوحد الجنرال ديزيه. ويرى عفيفي في مقدمته أن شفيق غربال وجد في يعقوب بطلاً، لأن غربال مؤرخ القصر الملكي آنذاك، وكان الملك فؤاد مهتماً بالتأريخ لجده محمد علي والأسرة العلوية، وكان رأيه أن محمد علي هو أول من بدأ استقلال مصر، فذهب إلى ما تصوره مشروع وطني لدى المعلم يعقوب، وهو في سبيل ذلك دافع عن الحملة الفرنسية على مصر، وعن نابليون وهاجم بضراوة العلماء وثورتي القاهرة الأولى والثانية، واعتبر الثورة فتنة شعبية، فالمشروع كان من وضع لاسكاريس. كذلك فشفيق غربال حسب عفيفي ابن فترة ما بعد ثورة 1919 وكان مأخوذاً بفكرة الوفد المصري، لذا فقد تخيل أن يعقوب وجماعته يشكلون وفداً مصرياً، ذلك أن أي مؤرخ في عمله يكون متأثراً باللحظة التي يعيشها، وما فيها من أحداث. ينسى الجميع ان الخيانة بلا دين، يعقوب كان خائنا، لكنه لم يكن الخائن الوحيد، ربما كان القبطي الوحيد بين الخونة اثناء حملة نابليون، خيانته ليست لأنه غادر إلى فرنسا، بل لأنه قاتل إلى جوار الفرنسيين المدنيين العزل في صعيد مصر، وقاتل بضراوة ضد الثوار في ثورة القاهرة الثانية. وإذا كان يعقوب قد خان فهناك عدد كبير من الأقباط قاتلوا الفرنسيين. وما الفيلق القبطي الذي كوّنه يعقوب سوى ميليشيا عسكرية لخدمة الفرنسيين.
حديث الروائي
ونأتي للرواية وتدور حول شغف الباحث التاريخي الشاب عن يعقوب وعالمه، ورفض وتعنت أساتذته إجراء بحثه عن المعلم يعقوب تجنباً لغضب الكنيسة المصرية، ثم ذهابه إلى فرنسا لاستكمال رسالته المفروضة عليه أيضاً، وهناك يقابل فتاة لبنانية لتنشأ قصة حب باهتة لا محل لها من الإعراب في الرواية، ومحاولة واهية وفق الخيال الروائي لتشريح شخصية يعقوب، الذي يصفه المؤلف بأنه حالف الشيطان، مردداً مقولة (المجد لمن قال لا) بعدما أخذ الله منه الولد، وهنا يكفر بكل شيء، وتحل القسوة والجبروت حتى مع بابا الكنيسة، الذي كان ينقم على يعقوب وأفعاله، الذي تشبّه بالمسلمين وتزوج خارج أطر الكنيسة، بل اتخذ الجواري، ورفع السيف. ويأتي متعهدو التهليل في الصحف، بأن الرواية كشفت الغامض والمستور في شخصية يعقوب.. بداية من موته مسموماً على يد الفرنسيين، لاتصاله بإنكلترا ومحاولة الاتفاق معها حول مستقبل مصر، وهي محاولة شاركه فيها الفارس لاسكاريس، أو بمعنى أدق صاغ لاسكاريس مشروع الاستقلال هذا وفق خياله الجامح، وأخيراً الكشف الأعظم وجود علاقة مثليّة جمعت بين يعقوب والقائد الفرنسى ديزيه!
يعقوب في الرواية كما في مخيلة مؤلفها مجرد شبح، يظهر ويختفي دون مبرر، صورته غير مكتملة، ولم يتم استغلال الخيال الروائي لاستكمال هذا النقص، أو الكشف أكثر عن المناخ العام وجغرافية تلك الفترة، أو شعور الشخصية بما يحيطها، كل ذلك بعيداً عن أحكام القيمة، التي للأسف حضرت في الرواية. لن يكون يعقوب بحال من الأحوال أبشع من بطريرك ماركيز على سبيل المثال، لكننا في الكثير من اللحظات نتعاطف مع البطريرك، ولا نستكين إلى موقف الضد على الدوام، فهو شخصية إنسانية في المقام الأول. أما هنا فرواية «يعقوب» لا تختلف كثيراً عن المقدمة التي كتبها المؤرخ/المؤلف عند تقديمه لكتاب شفيق غربال سالف الذكر. لكن لا نستطيع إنكار بساطة وسلاسة أسلوب الحكي، الذي للأسف تورط في تهويمات وأحاديث ذاتية باهتة، مقارنة بشخصية تحمل كل هذا الثقل، وتحتمل إعادة خلقها وفق خيال روائي لا تحده حدود.