روسيا القيصرية والإسلام حول ترجمة معاني القُرآن وأثرها في الشعر الروسي

حجم الخط
2

لم يكتف المؤرخون وعلماء اللاهوت الروس بإدراج ترجمة معاني القرآن الكريم وتفسيره إلى اللغة الروسية في إطار تاريخ الإستشراق الروسي،الأكاديمي والتعليمي،فحسب،بل أفردوا لها صفحات من تاريخ الثقافة الروسية.لما لها من أبعاد ومميزات دينية واجتماعية-ثقافية لدى أتباع الديانة الإسلامية من مواطني البلاد الأصليين،وصلاتهم التاريخية والروحية المديدة بشعوب روسيا ومَنْ جاورهم من أقوام متعددة الأديان والثقافات،كمكون أساسي لاتحاد روسيا القيصرية،أرضاً ومجتمعا وكياناً وحضارةً، هذا أولاً.وَلِما للقُرآن الكريم والسِّيرة النَّبوية الشَّريفة والتُراث العربي والإسلامي؛ الفلسفي والأدبي،من بصمات جلية على أعمال أدباء وفلاسفة وفناني روسيا العصر الحديث ثانياً.
القيصر والقرآن الكريم
هذا و ينسب مؤرخو العلاقات الثقافية الروسية-الإسلامية بداية اهتمام الدوائر التعليمية والدبلوماسية والدينية في روسيا القيصرية بآثار وانجازات وآداب الحضارة العربية والإسلامية، وفي الغرة منها؛ القرآن الكريم (كأعظم أثر عربي-إسلامي) والحديث الشريف ومخطوطات التفاسير والعلوم الإسلامية والمترجمات والكتب والتحف الفنية النادرة والنقوش والعمران والمسكوكات، إلى عصر القيصر المُصلح بطرس الكبير(بطرس الكسييفيتش رومانوف (1672-1725)). ووقتها، وبتعليمات من هذا القيصر المستنير، الذي انجذب إلى معرفة أحوال المسلمين وعقيدتهم الدينية، إن في مملكته أو ما جاورها من الممالك والإمارات الإسلامية،لأغراض سياسية وعسكرية تجارية تصب في تطلعاته نحو الاقتراب من مياه البحر الأسود وتوسيع نفوذه في بلاد القفقاز وآسيا الوسطى، أعد العلامة والدبلوماسي الروسي بطرس بوستنيكوف،عام (1716)، أول ترجمة روسية لمعاني القُرآن الكريم بعنوان؛ (قُرآن عن مغميت (محمد)، أو القانون التركي).،غيرَ أن هذه الترجمة لم تكن كاملة ومطابقة لنص القرآن.لأنها نُقلت من ترجمة فرنسية غير موفقة، زاغت عن صراط الصّدق والأمانة في نقل كلام الله. وكان من مقاصدها الطعن والتشويه، ما جعلها تنطوي على عداء شديد للإسلام، كظاهرة روحية واجتماعية. وضعها، مباشرة من اللغة العربية، عام (1647)، المستشرق والدبلوماسي الفرنسي (أندريه دو روييه Andre du Ruyer) ، واختار لها عنواناً (قرآن محمت)يرتاب بكلام الوحي ويكيد للإسلام ولنبيه الكريم بغضاً وكراهيةً. وتنقل المصادر أنه جرى إعادة طباعتها، حتى عام (1770)، ما لا يقل عن ثمان مرات. وهي ذات الترجمة التي استفاد منها الأديب الألماني يوهان جوته(1749-1832)في حقبة تأليف (الديوان الشرقي)، الذي حظي فيه الإسلام والقُرآن الكريم بإجلال وتبجيل لا مثيل لهما في العالم الغربي، بحسب تعبير الأخصائية في أدب غوته العالمة كاتارينا موزين. كما أن المفكر غوته عكف إبّان دراساته القُرآنية المبكرة على التعمق في ترجمة لاتينية دقيقة، أعدها لودوفيكو ماراتشي ((Ludovico Maracciونشرها عام(1698)، كان لها تأثير كبير على إنتاجه الأدبي.
مقال مملوء بالباطل
ورغم أن ترجمة (أندريه دو روييه) لا تخلو من أخطاء وتشكو من دقة نقل النص العربي، إلا أنها كانت في رأي البعض (أكمل.!) ترجمة في ذلك العصر. وقد بلغ من شهرتها وما صادفته من رواج أن نقلت إلى لغات أوروبية كالهولندية والألمانية والإنجليزية. كما وأصبحت (طبعة أمستردام) الصادرة عام (1770)، التي ضمت،ويا للأسف!، مقالة حاقدة ومملوءة بالباطل والافتراء على عقيدة وتعاليم الإسلام،وسَعت إلى تشويه السيرة النبوية الشريفة وحملت عنواناً بغيضاً؛ (نبذة عن حياة النَّبيّ الدجّال محمت)، أعدها لاهوتي فرنسي حاقد.وشتان ما بين هذا الحقد الصريح على رسول الله، وما كتبه المستشرق الألماني هامر في (كنوز الشرق) عن بلاغة القُرآن الكريم وفصاحة ومناقب نَّبيّنا الكريم مُحَمّد بن عبد الله: (فبما ينطوي علية القُرآن من بلاغة في الخطاب وروعة في الإيقاع وتناسق في النغم،سحر الرَّسول روح شعب يملك حساً مرهفاً بجماليات البيان) ،عماد ترجمتين روسيتين لمعاني القرآن الكريم، ظهرتا في نهاية القرن الثامن عشر. وكانت الترجمة الأشهر بينهما هي ترجمةالأكاديمي والكاتب الروسي ميخائيل فيريوفكين (1732-1795) التي طبعت عام (1790) في العاصمة سانت-بطرسبورغ. ورغم عدم دقتها في نقل كلام الله وإفراطها في المفردات الكنسية ونسخها مغالطات وأخطاء وردت في النسخة الفرنسية إلا أنها تميزت بيسر لغتها وبلاغتها، وحينها اعتبرها العلماء والأدباء الروس، عملاً أدبياً غير عادي. وآنئذ كان لها أثر ملحوظ على مؤلفات نخبة من أدباء وفلاسفة وعلماء روسيا القرن التاسع عشر. وغدت مصدر إلهام الشاعر الروسي الكبير الكسندر سيرغيفيتيش بوشكين (1799-1837) في نظم قصائده؛(من وحي القُرآن)و(النَّبيّ)و(المغارة السِّرية).وما هو مهم أن الأديب بوشكين لم يأبه، في جل إبداعاته،الشعرية والنثرية، بتلك الافتراءات والترهات المنبوذة على ديننا الحنيف ونبينا الكريم المُسطَّرة في مقدمة الترجمة الفرنسية المعادية لعقيدة الإسلام وتعاليمه الحنيفة.
وما كانت هذه الافتراءات والطعون والتشويهات المقصودة سوى أيديولوجية طاغية وسياسة محكمة طبعت خطاب اللاهوتيين المتزمتين وزمرة من المستشرقين الأوروبيين عن معالم الحضارة العربية والإسلامية.ولم نجد تفسيراً لمواقفهم، غير المنصفة واللاعقلانية، تجاه الوحي القُرآني وعقيدة الإسلام وسيرة نبيّه الكريم وتراثه الفكري إلا في تبعية وخضوع جل دوائر الإستشراق الغربي لنزعة الإكراه في الدين التي سادت منهج وممارسات محافل التبشير الكنسي،منذ اندلاع الحروب الصليبية,ذات الصلة المباشرة بسياسة الاستيلاء، ودون حق، على ثروات وميراث شعوب الشرق الإسلامي ونهب ومصادرة أملاكها، في وقت كانت تشكو فيه هذه الشعوب العريقة من حالة ضعف وتداعي في بنيتها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية.
ترجمات القرآن وأثرها في الشعر الروسي
وكما هو الحال في إبداع الكسندر بوشكين لامس قبس القرآن الكريم وعبق الشعر الغنائي العربي الأصيل فكر وقناعات وخطاب كبار أدباء روسيا من معاصري وأتباع المفكر بوشكين وفتنا مخيلتهم الشعرية والنثرية وعمقا رؤيتهم وتأملاتهم في التقوى والإيمان وجمال الفضيلة والخير والشر والقضاء والقدر وعلاقتهما بأفعال البشر.ويبدو أن هؤلاء الأُدباء أدركوا،حقبة بحثهم في الآداب الشرقية عما يخصب الأدب الروسي ويثري فكره وفنونه.
ولنا أن نشير إلى أنه بعد عامين من ظهور ترجمة الأديب ميخائيل فيريوفكين وضع الكاتب أ.ف.كولماكوف عام (1792) ترجمة جديدة لمعاني القرآن الكريم باللغة الروسية، من طبعة إنجليزية أعدها (جورج جيورجي سيل-George Sale). وقبل ذلك التاريخ، وتحديداً في عام 1787تم لأول مرة في تاريخ روسيا القيصرية وبتكليف من الإمبراطورة يكاترينا الثانية (1762-1796)، طباعة القٌرآن الكريم بنصه العربي في العاصمة سانت- بطرسبورغ،في مطبعة أكاديمية العلوم الروسية. ويذكر أن هذه الطبعات الفاخرة لاقت اهتماماً كبيراً في أوروبا وحظيت بتقييم عالٍ من جانب المستشرقين وعلماء اللاهوت ومنهم الفرنسي (سلفستر دي ساسي). وحصراً، إلى هذه الفترة ينسب المستعربون الروس نسخة قازان الشهيرة, التي حظيت بتمجيد في روسيا وخارجها. وتنقل مصادر الاستعراب؛ أن الحكومة الروسية رخصت،في بداية القرن التاسع عشر، للجهات المعنية إصدار مطبوعات عن العقيدة الإسلامية وتعاليمها. ولغرض تنفيذ هذه السياسة الجديدة تم عام1802تأسيس مطبعة، بحروف عربية، في مدينة قازانوأصدرت المطبعة خلال السنوات الخمس الأولى من عملها مؤلفات عن العقيدة الإسلامية،ب لغ عدد نسخها أربعينألفاً، وكانت حصة المصحف الشريف 3500) نسخة.
ومع إنشاء أقسام وكليات الإستشراق في روسيا القيصرية، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، إن في أكاديمية العلوم الروسية أو في جامعة سانت-بطرسبورغ أو في وزارة الخارجية الروسية أو في المكتبة القومية الإمبراطورية، تعاظم الاهتمام، الذي ارتبط بمساعي عصر التنوير وتوجهاته، بالتراث الديني والفلسفي والعلمي والإرث اللغوي والأدبي لمسلمي روسيا القيصرية والشرق الإسلامي عامة. وزاد نشاط العلماء والمترجمين الروس في نقل معاني القرآن الكريم وتفاسيره ومؤلفات العلوم الإسلامية من اللغات الأوروبية إلى اللغة الروسية. وآنئذ شاعت ترجمة ك.نيكولايف الصادرة في موسكو عام (1864) والمنقولة من ترجمة فرنسية للمستشرق (أ.ب.بيبريستين-كازيميرسكي). وأُعيد طباعتها عدة مرات في الأعوام (1865‘ 6187‘1880‘1901).
تفاعل الأدباء الروس مع السيرة النبوية
ونشير هنا إلى طبعات عديدة شبيهة بترجمة نيكولايف، صدرت في مدينتي موسكو وسانت- بطرسبورغ، تميزت بطابعها التنويري لا بأهميتها العلمية. ولعل سبب ذلك يعود إلى أنها لم تضع على يد أخصائيين في علوم اللغة العربية والقُرآن الكريم، كما أنها لم تترجم من لغة القُرآن مباشرة بل عبر لغات أوروبية، وأيضاً كونها نقلت من ترجمات غير موفقة في دقتها وأمانتها في الالتزام بنص القُرآن، ما يفسر عزوف ذوي الاختصاص عنها وعدم الاهتمام الكافي بها. ورغم هذا كان لهذه الترجمات الروسية مردود إيجابي في إنماء الصلات الدينية والمعرفية بين الثقافتين الأرثوذكسية والإسلامية، إذ منحت القراء الروس إمكانية التعرف على كتاب المسلمين الأول وأركان عقيدتهم الدينية ونظامهم القيمي والأخلاقي. وأضافت،إلى حد ما، للمتعلمين الروس تصوراً إيجابياً جديداً عن المزايا والمعايير الاجتماعية والروحية لشعوب الشرق الإسلامي، ووسعت دائرة التفاعل مع الإرث الحضاري لتلك الشعوب. الأمر الذي ساهم في التقليل من أثر الغموض والملابسات والتصورات المغلوطة التي شاعت في روسيا، بل وفي دول أوروبا الغربية، عن هذا الأثر الديني العظيم ورسالته الإنسانية الرحيمة والعادلة. ويمكن للمختص أن يلمس تعاطف وتفاعل نخبة أدباء وفلاسفة روسيا مع خطاب القُرآن الكريم والسيرة النّبويّة الشريفة. وتعرب مؤلفات شهيرة لبوشكين وليرمونتوف وتولستوي وسولوفيوف وبولونسكي وبونين وبالمونت وغوميلوف عن تلامس روحي ومعرفي مع نص القُرآن والحديث النَّبويِّ.
تراجم وتفاسير جديدة
هذا وسجلت،العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، تغيراً نوعياً في حركة وسياسة ترجمة معاني القُرآن الكريم وتفاسيره ونفائس العقيدة الإسلامية إلى اللغة الروسية، كتعبير عن حالة النهوض والانفتاح،السياسي والمعرفي،التي شهدها علم الاستعراب الروسي والاستشراق عامة، والتواصل والتفاعل الحثيث مع إرث الثقافة العربية والإسلامية ومدوناتها المعاصرة، في العصر السوفييتي، الذي أثقلته أعباء وقيود أيديولوجية الإلحاد ومناهضة الفكر الديني الأصولي ومنظومة قيمه الروحية والاجتماعية والأخلاقية. إذ جرت محاولتان،في آن معاً (تقريباً)، لإعداد ترجمتين من اللغة العربية مباشرة. أنجز الترجمة الأولى المستشرق والدبلوماسي الروسي الجنرال دميتري بوغوسلافسكي(1826-1893) عام (1871والمؤسف أن هذه الترجمة (القُرآن،ترجمة وتعليق؛د.ن.بوغوسلافسكي) بقت حبيسة أدراج الأرشيف الروسي لأكثر من قرن من الزمان ولم (تر النور) إلا في نهاية القرن العشرين. إذ جرى سحبها،عام 1995)،من خزينة أرشيف معهد الاستشراق،فرع سانت-بطرسبورغ (المتحف الآسيوي)، وقامت دار (الآداب الشرقيةسانت-بطرسبورغ) التابعة لأكاديمية العلوم الروسية،بطباعتها طباعة فاخرة.أما الترجمة الثانية،فقد فرغ من إعدادها،عام 1878)، المستشرق والمبشر القازاني جوردي سابلوكوف1804-1880) من اللغة العربية أيضاً، وكان عنونها (القُرآن،كتاب شريعة العقيدة المحمدية). وحظيت هذه الترجمة منذ صدورها في مدينة قازان عام (1878) بسمعة خيرة وشهرة كبيرة وكانت الأكثر تداولاً بين ذوي الاختصاص وعامة المسلمين.
* باحث وأُستاذ جامعي روسيا

qp

ناظم مجيد حمود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية