دمشق – «القدس العربي»: تسير موسكو بوضوح وحزم بخصوص قيادة الحوار بين دمشق والإدارة الذاتية للأكراد في شمال سوريا وشرقها، ساعية إلى تحقيق مصالحة بين الطرفين، وترسيخ نفوذها في المنطقة، خاصة أن الأكراد الذين يواجهون ضغوطاً مركبة مع تزايد الانخراط الروسي في مناطق سيطرتهم، أبدوا استعدادهم للحوار، وأكدوا مراراً على أن الحوار وحده كفيل بتحقيق الحل السياسي للأزمة السورية.
وبالنسبة لموسكو فهي تستثمر في هواجس الأكراد، وعلى رأسها احتمال الانسحاب الأمريكي من سوريا، وهو ما سيتركهم أمام مصير مجهول، والثاني هاجس التهديدات التركية المتواصلة، الأمر الذي تراه موسكو فرصة ذهبية لتوسيع نفوذها في الشمال والشرق السوريين، فهي من جهة تستغل مخاوف قسد، وتدفعهم لتقديم تنازلات سياسية للنظام، ومن جهة أخرى تستثمر الإدارة الذاتية كورقة ضغط في مفاوضاتها مع أنقرة، وسط تماهٍ في الموقف الأمريكي.
نشاط روسي
وعلى ضوء ما تقدم، تنشط موسكو باتجاه الإدارة الذاتية، سياسيا وعسكريا، حيث ذكرت صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” أن موسكو كثّفت اتصالاتها مع مختلف القوى الكردية في شمال وشرق سوريا، لمساعدة النظام السوري على استعادة السيطرة على هذه المناطق. وذكر المصدر أن ممثلي “القيادة السورية والإدارة الذاتية للمناطق الشمالية الشرقية شرعوا في الجولة التالية من المحادثات حول التفاعل الاقتصادي والسياسي”.
ونقلت الصحيفة عن خبير المجلس الروسي للشؤون الدولية، أنطون مارداسوف، ذكره أن سبب تكثيف المفاوضات بين النظام و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) يكمن في السياسة الأمريكية، مشيراً إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تتخذ “موقفاً وسطاً إلى حد ما” بشأن القضية السورية، ولا تُظهر بأي شكل من الأشكال أن هذا الملف يمثل أولوية بالنسبة لها.
ورأى مارداسوف أن السياسة الأمريكية في سوريا “متعمدة من أجل عدم إثارة نقاش غير ضروري حول هذه القضية والحفاظ على الوجود العسكري”. وأضاف أن “الأكراد قلقون أيضاً”، رغم أنهم حصلوا على ضمانات من واشنطن عبر خطوط عسكرية وسياسية، والوفود الأمريكية تزورهم بانتظام، لكنهم “قلقون ويتذكرون قرار ترامب (سحب القوات من سوريا) ويرون ما حدث في أفغانستان”.
روسيا لمصالحات
وتعقيباً على الدور الروسي، قال ممثل المجلس الوطني الكردي السوري في الائتلاف الوطني السوري المعارض شلال كدو، الأحد، إن روسيا تسعى إلى إجراء مصالحة بين النظام وقوات سوريا الديمقراطية على غرار المصالحات التي جرت في الأجزاء الأخرى من سوريا، مشيراً إلى أن واشنطن لن تسمح للنظام بالسيطرة على آبار النفط ومنابعه بالاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مضيفاً أن واشنطن غير جادة في استئناف الحوار الكردي – الكردي في سوريا.
ويصر النظام السوري على دمج الميليشيات الكردية، التي تشكل أساس البنية الأمنية في الشرق، بشكل كامل في قواته، وعلى عودة حقول النفط، بينما الأكراد يرون الأهمية بشكل مبدئي في إقرار وضعهم القانوني.
لكن كدو استبعد في تصريح لوسائل إعلام كردية أن تسمح واشنطن للنظام السوري بالسيطرة على آبار النفط في سوريا بالاتفاق مع (قسد)، معتبراً أن السبب وراء ذلك يعود إلى أن وجود الجيش الأمريكي في تلك المنطقة مرتبط بالدرجة الأساسية بردع إيران والنظام من الاستفادة من النفط وأرباحه، مضيفاً أن “مفاوضات النظام وحزب الاتحاد الديمقراطي PYD ليست بجديدة، فعند كل أزمة أو تهديد تركي لمناطق PYD يلجأ الأخير إلى النظام ويحاول الارتماء في أحضانه”. وقال كدو “أعتقد أن ما يجري الآن أو ما يسمى بمفاوضات بين PYD والنظام هي ليست بمفاوضات بقدر ما هي محاولات فاشلة من قبل PYD ليأتي بجيش النظام للوقوف حائلاً أو سداً بينه وبين الهجمات التركية المتوقعة التي ربما تحدث في الأشهر القليلة المقبلة”.
وبرأي ممثل المجلس الوطني الكردي السوري في الائتلاف الوطني السوري المعارض فإن النظام السوري أذكى من PYD وهو الذي أتى بهذا الحزب أصلاً ليقف حائلاً بين النظام وبين الكرد السوريين بالدرجة الأساسية كي يحيد الناس في المناطق الكردية حتى لا يشاركوا في الثورة، في حين كانت المظاهرات في أوجها في السنوات السابقة في بداية الثورة السورية.
واستعبد كدو أن يعترف النظام الحاكم في دمشق “بحقوق الكرد، لأن هذا النظام هو أسير أيديولوجية عنصرية عروبية إذا جاز التعبير، وكذلك أيديولوجية استبدادية، وهو لا يعترف بالآخر المختلف سواء أكان هذا الآخر المختلف إثنياً أو ثقافياً أو دينياً أو حتى طائفياً”، وقال “النظام لم ولن يعترف بالكرد منذ وصوله إلى سدة الحكم قبل نصف قرن من الزمن، وهو الذي طبق على كاهل الكرد السوريين مختلف المشاريع والقوانين العنصرية خلال 50 سنة خلت”.
«استراتيجية غامضة»
ولفت إلى أن “النظام السوري رغم الضغوطات التي تعرض لها ورغم الضربات التي تلقاها حين كان في أوج ضعفه، لم يتنازل ولم يعترف بحقوق الكرد ولا حتى بوجود الشعب الكردي في سوريا كثاني أكبر مكون في البلاد، ولذا أستبعد أن يعترف النظام بحقوق الكرد السوريين إلا في إطار الشرعية الدولية أو في إطار المفاوضات أو العملية السياسية الجارية في جنيف تحت إشراف الأمم المتحدة حينما يضغط أصدقاء النظام والمجتمع الدولي على هذا النظام ربما يحدث”.
وتتجلى المبادرات الروسية في إقناع قيادات المكون الكردي بسحب مقاتليهم من المواقع محل الخلاف مثل تل تمر وعين عيسى وربما منبج وعين العرب، مقابل تمركز الشرطة العسكرية الروسية فيها لتثبيت تهدئة لحين نضج ظروف الحل المستدام.
ويرى المتحدث أن النظام السوري ليس بوارد تقديم التنازلات لـ PYD لأن النظام هو الذي أتى بهذا الحزب وأمده كما نعلم جميعًا منذ بداية الثورة بالسلاح والأموال وكل الإمكانات وهو الذي أفسح له المجال بالتحكم في مناطق شاسعة من البلاد”، لافتاً إلى أن “الروس أيضا ليسوا بوارد ممارسة ضغط حقيقي على النظام لتقديم تنازلات معينة لـ PYD من قبيل الاعتراف بالإدارة الذاتية أو ما شابه”.
واعتبر شلال كدو في حديثه أن واشنطن غير جادة في استئناف الحوار الكردي، عازياً السبب إلى أن استراتيجية واشنطن تجاه سوريا وكذلك تجاه المناطق الكردية في سوريا وتجاه كافة قضايا البلاد غامضة وضبابية وأضاف “لا أعتقد أن واشنطن سوف تلجأ مرة أخرى إلى استئناف هذه الحوارات في ظل غياب استراتيجية واضحة لها تجاه سوريا والمنطقة برمتها”.