دمشق – «القدس العربي» : قتلت المقاتلات الحربية الروسية ثمانية مدنيين وجرحت العشرات، وأجبرت عشرات العائلات على النزوح نحو الحدود السورية – التركية، جراء استهدافها بعشرات الغارات الجوية مدن وبلدات في أرياف محافظة حلب شمال سوريا والتي كانت تعتبر من الهادئة نسبياً خلال الأسابيع الماضية، كما كثفت موسكو من غاراتها الجوية ووسعت نطاقها ليشمل مناطق في ريف إدلب، وسط أزمات داخلية، أبرزها على المنحى الاقتصادي، تضرب الجغرافيا الخاضعة لسيطرة حليفها النظام السوري، الأمر الذي رأى فيه مراقبون للشأن السوري، محاولة روسية للتغطية على انهيار الحياة المعيشية في مناطق سيطرتها والأسد عبر عودة لاستخدام الحل العسكري غير المحدود ضد مناطق المعارضة السورية في آخر مناطق خفض التصعيد.
من جانبه، علق الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على الهجمات الروسية وتلك التي تشنها قوات النظام السوري على محافظة إدلب بالقول: «هؤلاء الناس يفرون من الموت، ولقد جفت الدماء في عروقنا عند مشاهدة تلك الأم مع أطفالها الستة كيف لنا أن نصف هؤلاء الأطفال بالإرهابيين». على الصعيد المحلي، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، والذي يتخذ من لندن مقراً له، ما لا يقل عن 40 غارة جوية نفذتها المقاتلات الروسية في أرياف محافظتي حلب وإدلب خلال الساعات الماضية، متحدثاً عن مقتل وإصابة قرابة 40 مدنياً سورياً، غالبيتهم من الأطفال.
الخبير في العلاقات الدولية محمد العطار، قال لـ «القدس العربي»: روسيا تصعد عسكرياً في الشمال السوري، لإرسال رسائل محلية ودولية عدة، ونستطيع تلخيصها ببعض العناوين الهامة، أبرزها، «أن الأزمة الاقتصادية التي تضرب المجتمع السوري الذي يقوده حليفها الأسد وانهيار الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، لن تؤثر على خيار الحسم العسكري، وباستطاعتها تنفيذ ضربات وفتح معارك في الوقت الذي تريد».
اردوغان عن إدلب: جفت الدماء في عروقنا بعد مشاهد النزوح
أما الرسالة الثانية من هذا التصعيد بحق المدنيين السوريين وخاصة في حلب، لعلها – وفق العطار – رسالة بالدماء السورية وجهتها روسيا لأنقرة وواشنطن معاً، مع سطوع بذور تفاهم وتقارب تركي – أمريكي مؤخراً حول إدلب، ومنعها من تحقيق المزيد من التقدم البري على حساب المعارضة، وذلك بهدف إنجاح العقوبات الاقتصادية الممهدة لجملة عقوبات تالية تحت سقف قانون سيزر».
روسيا أيضاً، تحاول، بحسب ما قاله العطار لـ»القدس العربي»، اللعب على عامل الوقت، والاستفادة منه بقدر المستطاع، لتحقيق مكاسب عسكرية على الأرض تخولها فرض شروط سياسية أخرى، خاصة أن المعركة السياسية وعلى رأسها «اللجنة الدستورية» متوقفة اليوم بشكل كامل، لذلك روسيا، تعمل على قتل المزيد الأرواح والقضم من الجغرافيا السورية قبيل معاودة المعارضة السورية استجماع كيانها مجدداً بعد التغييرات التي أحدثتها المملكة العربية السعودية قبل أسابيع، وهنا أيضاً، لا ننسى أن موسكو ودمشق تعمدتا عرقلة عمل مفاوضات اللجنة الدستورية، حيث كان «الوقت» هو الرهان الأكبر لهما لتحقيق المكاسب في الميدان.
إلا أن المستشار الإعلامي التركي فراس رضوان أوغلو، اعتبر خلال حديث مع «القدس العربي»، أن روسيا تسعى للتصعيد بشكل أو بآخر في الشمال السوري، على اعتبار أن حكومة دمشق تريد توسعة رقعتها الجغرافية في ظل تواجد القوات الكردية اليسارية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، وفي ظل التواجد التركي ايضاً.
كما توافقت قراءة رضوان أوغلو مع رؤية الخبير العطار، إذ قال المستشار التركي: اعتقد أن الحالة الاقتصادية المتدهورة للنظام السوري، تجعله يفكر في توسيع خطوط التنقل، ولا ننسى الاجتماع الأخير بين رئيسي الاستخبارات التركي و حكومة دمشق في موسكو، وأن الخلاف الأمني ما زال موجوداً بين الطرفين ،مستبعداً في ذات الوقت، أن يكون الملف الليبي مرتبطاً بالأحداث الجارية، معللاً ذلك بأن المسألة مختلفة ولا ننسى تواجد نقاط المراقبة التركية في إدلب، بينما لا يوجد مثل ذلك في حلب وريفها لكن يوجد درع الفرات للجيش التركي.
واستطرد قائلاً: من مصلحة النظام السوري طرد كل من هو معارض له من الناحية المنطقية، ولا ننسى الضغط الإيراني السلبي للأسف في هذا المضمار، وأن تركيا غاضبة لأن عملية التهجير ستضرها وستكون أمام خيارين إما فتح أبوابها وإما منع اللاجئين من الدخول وفي كلا الحالتين تركيا متضررة وحتى سمعتها كضامن سوف يتأثر من قبل المعارضة السورية التي تدعمها.
فريق منسقو الاستجابة في سوريا، أصدر يوم الاثنين، بياناً يوثق ضحايا الحملة الروسية والنازحين في الشمال السوري، منذ دخول الهدنة التي أعلنت عنها روسيا وتركيا في 12 كانون الثاني/ يناير، حتى 20 كانون الثاني/ يناير الحالي. ووفق التوثيق، فقد قضى 43 مدنياً من بينهم 13 طفلاً وثلاث سيدات ومتطوع في الدفاع المدني السوري جراء الحملة آنفة الذكر على ريف محافظة إدلب، وأوضح فريق الاستجابة أن عدد الطلعات الجوية بلغ 322 طلعة لمختلف أنواع الطائرات بينها 232 طلعة جوية للطائرات الحربية الروسية، استهدفت بها مناطق متفرقة من محافظة إدلب شمال غرب سوريا. وذكر الفريق في بيانه نزوح أكثر من 6,348 عائلة ما يعادل 31,419 نسمة، نسبة 73 في المئة منهم نساء وأطفال من منطقة خفض التصعيد الرابعة باتجاه المناطق الآمنة نسبياً.