رياض حمد… غزّي عالق في الضفة منذ 18 شهراً

يافا ذيب
حجم الخط
0

الضفة – «القدس العربي»: منذ السابع من تشرين الأول / أكتوبر الماضي، يواجه مئات الفلسطينيين من قطاع غزة العالقين في الضفة الغربية أوضاعا مأساوية، بعد أن قدموا للعلاج أو لزيارة أقاربهم قبل أن تعصف الحرب بحياتهم وتقطع طريق عودتهم.
هؤلاء، الذين كانوا يأملون في أيام قليلة خارج غزة لتلقي العلاج أو متابعة أمور حياتية، وجدوا أنفسهم محاصرين بواقع صعب وظروف معيشية قاسية، بلا مأوى أو مصدر دخل مستقر.
أحدهم، رياض خميس حمد، رجل فلسطيني يبلغ من العمر 64 عامًا. في غزة كان تاجرا ميسور الحال، صاحب عائلة كبيرة، 9 أبناء و60 حفيدا. اندلعت الحرب، فتشتت العائلة، جزء غادر إلى مصر، وجزء نازح في الخيام في غزة، وآخرون لا يعرف عنهم شيئًا، وهو وحده في الضفة.
قصدها قبل 18 شهرًا لتلقي العلاج، لكنه أصبح جزءاً من أزمة إنسانية متفاقمة بعد أن فقد إمكانية العودة إلى منزله وأسرته في غزة.
ومن أجل البقاء على قيد الحياة، بدأ العمل على بسطة صغيرة لبيع مواد التنظيف، في محاولة يائسة لجمع القليل من المال وإرساله إلى عائلته التي تنتظره هناك.
ويعبر رياض حمد لـ«القدس العربي»، عن حجم المعاناة التي يعيشها منذ أكثر من عام ونصف، ويقول بحسرة:
«جئت إلى الضفة الغربية للعلاج، لكن بعد الحرب لم أتمكن من العودة إلى غزة. صار لي 18 شهرًا لم أرَ أولادي، أبيع مواد التنظيف لأجمع القليل وأرسله لهم حتى يستطيعوا توفير ما يحتاجون إليه، الناس هنا يتعاطفون معي أحيانًا ويوفرون لي الطعام، لكن الحياة صعبة جداً».
يعيش رياض وسط وحدة قاتلة وشوقٍ ينهش قلبه، حيث يمر عليه شهر رمضان الثاني وهو بعيد عن أهله وعائلته وأبنائه وأحفاده في قطاع غزة، وأثناء حديثه، لم يتمالك نفسه وانهمرت دموعه شوقًا لرؤية أحبائه.
«رمضان الثاني يمر وأنا بعيد عن أولادي، أشتاق لهم كثيراً أريد فقط أن أراهم وأجلس معهم. لا يوجد أصعب من أن يُحرم الإنسان من عائلته».
ورغم ظروفه الصحية المتدهورة وتقدمه في العمر، يصرّ رياض على مواصلة العمل من أجل تأمين احتياجات عائلته. يقول «أنا أعيش وحدي، بلا مأوى أو دخل ثابت، أمنيتي الوحيدة هي العودة إلى غزة والجلوس مع أطفالي، ما أجنيه من عملي البسيط أرسله لهم، حتى لو كان عشرة أو عشرين شيكلًا يومياً».
لا يتوقف الأمر عند الحنين إلى العائلة فقط، بل يواجه رياض تحديات يومية في تأمين الطعام والمأوى، يعيش على ما يجود به الناس من مساعدات، ويصف تفاصيل يومه قائلًا: «أحيانًا يُحضر لي الجيران وجبة فطور، لا أستطيع الطهي ولا أملك ما يكفي لتأمين الطعام، وضعي صعب جدًا، لكنني مضطر للصمود من أجل عائلتي».
يواجه الفلسطينيون العالقون في الضفة الغربية غياب أي حلول رسمية واضحة لمشكلتهم، ورغم المناشدات المتكررة، لا توجد حتى الآن خطوات فعلية لضمان عودتهم إلى قطاع غزة، العالقون، ومن بينهم كبار السن والمرضى، يعيشون في ظروف مأساوية تجعلهم معتمدين على مساعدات فردية أو مبادرات أهلية محدودة.
ويوجه رياض، الذي أصبح رمزًا لمعاناة العالقين، نداءً عاجلًا إلى المسؤولين والمؤسسات الإنسانية: «أطالب المسؤولين أن ينظروا إلينا، نحن عالقون هنا بلا مأوى ولا مصدر رزق، نريد فقط العودة إلى بيوتنا وأسرنا، الوضع أصبح لا يُحتمل».
ويضيف: «18 شهراً بعيداً عن أطفالي هو وقت طويل جداً، لا أريد شيئاً سوى العودة والعيش بينهم.» وفي ظل هذه الأوضاع الصعبة، أعلنت وزارة العمل أنها ستصرف الدفعة الـ13 من المخصصات المالية لأكثر من 4300 من العمال والعائلات من قطاع غزة العالقين في الضفة الغربية، يأتي ذلك بالتعاون مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) وبدعم من الصندوق القطري للتنمية.
ورغم أهمية هذه المساعدات، إلا أن العالقين يعتبرونها غير كافية لتلبية احتياجاتهم اليومية، إذ يعتمدون في معيشتهم على مبالغ بسيطة لا تغطي تكاليف الحياة الأساسية، يشير رياض إلى أن هذه المساعدة رغم أهميتها، لا تعوضه عن فقدان مصدر دخله واستقراره: «المساعدات تساعدني قليلًا، لكنها لا تكفي، ما زلت مضطراً للعمل يوميًا لجمع بعض المال لأرسله لعائلتي. أتمنى أن يكون هناك حل دائم يعيدني إلى منزلي». ويتمسك رياض بالأمل في أن يتمكن يوماً ما من العودة إلى غزة والاجتماع بأطفاله مجدداً، يتحدث بنبرة مليئة بالشوق:
«كل ما أتمناه هو أن أجلس بين أطفالي، أريد أن أعود وأعيش حياة كريمة معهم، لا أطلب الكثير، فقط أن أكون بجانبهم».
ورياض ليست حالته هي الحالة الوحيدة، بل هو صوت من بين مئات الأصوات التي تعاني بصمت، قصته تعكس صورة أوسع لمأساة العالقين الفلسطينيين الذين يعيشون في ظروف قاسية دون أي أفق واضح لإنهاء معاناتهم.
يؤكد العالقون أن عودتهم إلى غزة ليست مجرد مطلب شخصي، بل حق إنساني يجب العمل على تحقيقه بشكل عاجل، وبينما ينتظر رياض بفارغ الصبر اللحظة التي يجتمع فيها بأسرته، تظل قصته شاهداً حياً على مأساة مئات الفلسطينيين العالقين، الذين يكافحون يومياً من أجل البقاء في ظروف إنسانية قاسية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية