ريتشارد شتراوس: نهوض الأوبرا الألمانيّة

بهاء بن نوار
حجم الخط
2

تُعدّ الأوبرا فنّا إيطاليّا خالصا، منذ بداياتها الأولى خلال عصر النهضة وما بعده، غير أنّ هذا لم يمنع انتقالَها إلى بلدانٍ أخرى مجاورة، فازدهرت في فرنسا، وروسيا، وإنكلترا، وكان لكلِّ بلدٍ روّادُه وأسماؤه اللامعة، التي تختصر عبقريّة هذا الفنّ وإدهاشَه؛ فكان كلٌّ من روسّيني (Rossini) وفيردي(Verdi) نجمَيْ إيطاليا دون منازعٍ، وفي فرنسا راج اسمُ بيزيه (Bizet) وماسينيه (Massenet) وفي إنكلترا بورسيل (Purcell) وفي روسيا كورساكوف (Korsakov) وتشايكوفسكي (Tchaikovsky) وإن كانا قد اشتهرا أكثر بفنونٍ أخرى غير أوبراليّة. أمّا في ألمانيا فاختُصِر هذا الفنُّ عقودا طويلةً في اسمٍ واحدٍ هو ريتشارد فاغنر (Wagner) (ت1883) الذي غطّى اسمُه على جميع الموسيقيّين الألمان، وغير الألمان، حيث أنّ فنّ الأوبرا عموما، والأوبرا الألمانيّة خصوصا كانا يمرّان بأضعف مراحلهما خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فكان من الصعب جدّا المراهنة على أعمالٍ جديدةٍ غير أعماله. غير أنّ هذا الوضع تغيّر خلال القرن العشرين ببزوغ اسمٍ جديدٍ هو ريتشارد شتراوس (R. Straus) الذي أتت أعمالُه لتعيد للفنِّ الألمانيِّ شيئا من وهجه الذي خفت، وليكون لها فضل بعث الأوبرا الألمانيّة من سباتها، وربطها بعصرها الذهبيّ، الذي أرسى دعائمَه الأسلوبُ الفاغنريّ، الذي يرتكز على عنصر الفخامة التعبيريّة، وعلى إعلاء الوظيفة السرديّة للّحن، حيث التماهي العميق بينه وبين الشخصيّة المقدَّمة، من خلال ما يُعرَف اصطلاحيّا بـ: «اللّحن الدّالّ»(Leitmotiv) الذي اعتمده كثيرا فاغنر، وتميّز به عن غيره، وجاراه فيه شتراوس، وفي نواحٍ كثيرةٍ من نواحي جرأته وتمرّده على المألوف والمكرَّس من تقاليد الموسيقى؛ فكانت جسارته على سبيل المثال عاليةً جدّا في تأليف عملٍ سيمفونيٍّ عنوانه: «السيمفونيّة العائليّة» (Sinfonia Domestica) يستمدّ تفاصيلَه من تفاصيل سيرته الذاتيّة، في سابقةٍ فنيّةٍ لم تُعهَد قبلا، ولقي بسببها هجوما شديدا من النقّاد والمختصّين، فردّ عليهم باستهانةٍ: «لماذا لا أعدّ سيمفونيّةً عن نفسي؟ لستُ أقلَّ قيمةً من نابليون أو الإسكندر المقدونيّ!».

ملامح حداثيّة

وفضلا عن هذا، فقد بدت جرأته الشديدة أيضا من خلال عمله الأوبراليّ المبتَكر: «إلكترا» التي تختصر ملامح حداثيّة «تمضي إلى أقصى حدود التطرّف، بجمعها بين مسرحيّةٍ إغريقيّةٍ محدَّثةٍ حسب منظورٍ فرويديٍّ معاصرٍ، وإخراجٍ مسرحيٍّ في غاية التعقيد والكثافة، وعزفٍ أوركستراليٍّ في منتهى العنف والقوة، وغناءٍ يستنفد كلَّ إمكانات الصوت البشريّ بغية التعبير عن النشوة الهستيريّة للانتقام». وهي الصفة نفسها الغالبة أيضا على عمله الأشهر: أوبرا «سالومي»(Salomé) التي قدّمها أوّل مرّة سنة 1905 واستوحاها من إحدى مسرحيّات الإيرلنديّ أوسكار وايلد (O. Wilde) بالعنوان نفسه، وحرص كثيرا على أن تكون العلائقُ بينهما متينةً وكثيفةً، فعمد إلى إعداد الليبريتّو (Libretto) أي نصِّ الكلمات بنفسه، عن طريق قراءة الترجمة الألمانيّة للأصل المسرحيّ الفرنسيّ، التي أعدتها الشاعرة والمترجمة هدويغ لاشمان (Hedwig Lachmann) فكان مستوى التماهي بينهما كما أراده شتراوس تماما، عاليا وعميقا، لم يفقد شيئا من عذوبة وايلد، وحرارة تعابيره، التي ميّزت الأصلَ وطبعته، وجاءت النسخة الأوبراليّة في مثل حرارتها، وعنفوانها، بل فاقتها وفاضت عليها بحرارة الألحان، وتوهّجها، ودفقها التعبيريّ العالي، ما جعل هذا العملَ بحقٍّ علامةً فارقةً في فنِّه، فلا يكاد يُذكَر اسمُه اليوم إلا وتذكر معه أوبرا «سالومي» التي فضلا عن موضوعها الجريء، الذي لم ينجُ من تبعاته وايلد، وأسفر عن منعها في شكلها المسرحيّ، فقد تميّزت بجرأةٍ عاليةٍ من الناحية الإيقاعيّة، والفنيّة، أسفرت أيضا «عن منعها في شكلها الأوبراليّ، فتأخّر تقديمُها سنواتٍ طويلةً تراوحت بين العشر والخمس عشرة سنةً، وفي حالاتٍ كثيرةٍ لم تُقدَّم إلا بعد تعديلاتٍ». وكانت جرعة الرفض عاليةً جدّا معها عملا أوبراليّا أكثر من كونها عملا أدبيّا، حيث أنّ أكثر الأفكار جرأةً واقتحاما واختراقا لدائرة المحرَّم والمسكوت عنه يمكن تمريرُها بمرونةٍ من خلال عملٍ مكتوبٍ، تلقِّيه فرديٌّ، يعتمد على فطنة القارئ ونضج وعيه، غير أنّ الأفكار نفسها لن تمرّ بسهولةٍ ومن دون محاسبةٍ في عملٍ مسرحيٍّ جمعيّ التلقّي، بصَريِّ البناء، جهوريّ المشاهد، كهذه الأوبرا، التي لم يستوقف الرقيبَ فيها جرأة موسيقاها، وضخامة أوركستراها، زهاء مئة وعشرين عازفا، بعض الآلات المستخدمَة فيها شرقيّةٌ، وغير مألوفةٍ في الأعمال الغربيّة، بل إنّ ما أثار تحفّظَه هو جرأة موضوعها، أو بالأحرى إباحيَّتُه، وخاصّةٍ خاتمتُه التي ترقص فيها سالومي رقصتَها الخليعة بناءً على طلب هيرودس، وتحصل بعدها على رأس يوحنّا، الذي تُقبِّله كثيرا، وتشمت بموته، لتلحق به، بأمرٍ من هيرودس نفسه!

النهل من أجواء
الشرق الساحرة

وإضافةً إلى هذا، يمكن تسجيل ملاحظةٍ مفصليّة حول شرقيّة موضوع هذه الأوبرا، التي يمكن اعتبارُها خاصيةً أخرى من خصائص فنّ شتراوس، حيث حرص على النهل من أجواء الشرق الساحرة، واختار موضوعاتٍ كثيرةً مترعةً بروحه، وعجائبه، فإلى جانب «سالومي» المستقاة من العهد الجديد، بمكن أن نضيف أيضا باليه «أسطورة يوسف»(La Légende de Joseph) الجريء جدّا، والمستقى من الكتاب المقدّس أيضا، العهد القديم، والمكرَّس موضوعُه لفتنة الغواية، ومباهج الجسد المقموعة، من دون أن ننسى أوبرا «هيلين المصريّة» (Hélène l’Egyptienne) (1928) التي يعيد من خلالها محاورة الأسطورة الإغريقيّة برؤيةٍ جديدةٍ معاصرة، وكان قد قضى قبل سنواتٍ وتحديدا سنة 1892 عطلة استشفاءٍ دامت عاما كاملا بين القاهرة وصقلّيّة، ألّف خلالها جزءا كبيرا من عمله الموسيقيّ الدراميّ «غونترام» (Guntram) الذي أنهاه بعدها بعامٍ لدى عودته إلى منزله في ألمانيا.
وإلى جانب هذا كلِّه، يُحسَب لشتراوس إقدامُه لأوّل مرّةٍ في تاريخ الموسيقى الكلاسيكيّة على تسجيل أسطوانة مدمجة، هي: «السيمفونية الآلبية» التي قادها المايسترو الأشهر هربرت فون كارايان (Karajan) عام 1980 لتصدر، وتُوَزَّع عن شركة «دتش غراموفون» عام 1983.
ويُحسَب له أيضا ذكاؤه الشديد في التأثّر بفاغنر، وعدم تفريطه في خصوصيّته الفرديّة، وبصمته الإبداعيّة، وهو ما عبّر عنه بقوله: «لقد تدبّرتُ أمري بأنْ ألتفّ حول أوبرات فاغنر، عوضا عن تسلُّقها».
وهكذا، يمكن القولُ إنّ الأوبرا الألمانيّة قامت من سباتها الطويل بفضل جهود هذا العلَم الفذّ.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية