تونس ـ «القدس العربي»: يبدو الجهد الفلسفي لريجيس دوبراي كبيرا، وهو يتتبع في كتابه الجديد «البقعة العمياء» (دار سيرف ـ أغسطس/آب 2018) طرائقَ الوعي بمسألة الموت في زمننا الراهن، ذلك أنه لا يرغب في أن يشرح الموتَ ويفسره على ما جرت عليه عادة الدراسات الأنثروبولوجية والعلمية، وإنما كل وَكْدِه هو أن يفهمه بوصفه ظاهرة حياتية حتمية. ومبعَثُ تأليف هذا الكتاب، على حد قوله، هو السؤال: «ما الذي يدفع إنسانا من القرن الواحد والعشرين إلى أن يُفجرَ نفسه وسط المدنيين، ويقتُلَ أكبر عدد ممكن منهم، بدون أن يكونوا قد اقترفوا أي ذنبٍ في حَقه؟» أي: كيف يصيرُ الموتُ سبيلا إلى الحياة، إلى حياة أخرى مأمولة؟ وهو سؤال حفز دوبراي إلى تأكيد حقيقة أن كل عملية إرهابية تعيشها بلدان أوروبا اليوم «غالبا ما تجعلنا نفكر في ما لا نريد التفكير فيه، بل حتى في ما لا نستطيع التفكير فيه، وهو مكانة الموت في حياتنا»، وما هؤلاء الانتحاريون إلا أناسٌ «حيثما نصنعُ الفراغَ يملؤونه، فيكون لهم الوجودُ، ويكون لنا العدمُ».
ترويضُ الموتِ
أثار كتاب «البقعة العمياء» كثيرا من النقد منذ ظهوره، حيث رأى فيه بعض القراء انحرافا من ريجيس دوبراي عن مساره الفلسفي الذي ظل فيه نصيرا لكل ما له صلة بالحياة وبالحرية وبالعقلانية، فقد حمل السلاح مع تشي غيفارا وفيديل كاسترو، وناضل ضد هيمنة الخرافة، وضد هيمنة الرأسمالية. غير أن في هذا النقد بعضا من التضليل، فدوبراي لم ينحرف عن خطه العقلاني، وإنما هو على حد قوله «شخص غريب حيثما حللتُ: يميني جدا بالنسبة إلى اليسار، ويساري جدا بالنسبة إلى اليمين، كلاسيكي جدا بالنسبة إلى البعض، وحداثي جدا بالنسبة إلى آخرين». وفي السياق ذاته يُضيف قوله: «أريد أن أكون ما لستُ عليه، أو لا أريد أن أكون ما أنا عليه»، وربما ساهم بلوغُه مرحلة الشيخوخة، وهي مرحلة الحكمة، في جعله يُعيد قراءة كل شيء عاشه، بل ويُعيد حسابَ نواتج مسيرته، وهو أمرٌ جلي في قوله: «لقد صرتُ الآن أكثر ميلا للصداقة وأقل ميلا للأفكار». وفي هذا الشأن، نشر قبل كتاب «البقعة العمياء» بثلاثة أشهر كتابا بعنوان «حصيلة الخسارات» (غاليمار، مايو/أيار 2018)، وهو عبارة عن خطاب موجه لابنه أنطوان، وفيه يُعيد النظر في كل تجاربه الحياتية، متأملا كل واحدة منها ومتوقفا عند حجم خسارته فيها، وعلى حجم الأوهام التي كانت تقود خطاه أثناء خوضها (وخاصة أوهام النضال، وأوهام شرف الكتابة). وربما يكون كتاب «البقعة العمياء» شكلا من أشكال تلك المحاسبة التي يُجريها لذاته وللحضارة الغربية نفسِها، فقد سعى فيه إلى التقليل من أهمية الآراء التي تُنكر الموت وتُوهم الأحياء بتمديد أعمارهم، بل وبإبقاء شيءٍ من أجسادهم قابلا للحياة باستمرار، على حد ما تبشرُ به التكنولوجيا الطبية الراهنة للحضارة الغربية التي تعتبر أن المزيد من الحياة صار ممكنا. وهو ما يحيلُ إلى أن العِلْم الحديث، وبعد يقينه من عدم قدرته على تمديد زمن الروح، يحاول الآن أن يخلق للإنسان حلولا لخُلود جسده، ويسعى إلى أن يقنعه بها. غير أن في هذا السعيِ إلى تمديد الحياة مفارقة كبرى وأليمة، صورتُها أننا كنا نموت صغار السن، ولكننا كنا سعداء بحقيقة أن هناك حياة أخرى سنعيشها بامتلاء، بينما نعيش اليوم عمرا طويلا ولكننا نموتُ، إذْ نموتُ، فارغين من فكرة الخلود، وهذا الفراغ هو ما يجعل حياتنا، مهما طالت، فترة قصيرة ومليئة بالخوف من الانمحاء والوقوع في العدم. ويذهب ريجيس دوبراي في حواره مع «فرانس كولتير» إلى القول إنه «يتوجب علينا ترويضُ الموت، وتشخيصُه. وشخصيا لا أدري في أي قِصة يمكن أن أكتب هذا الموت. وفي تقديري فإنه يتوجب علينا، لكي نفهم الموت، أن نُضمنه في قصة كبيرة، بَقِيَ عليّ أن أشير إلى أنه ليس لنا اليوم قصصٌ كبيرة تُجيب عن سؤال الموت… عندما يموت الإنسان نقول إنه فارقنا، ولكننا لا نعلم إلى أين فارقنا سوى أنه قد ذهب إلى الـ»هناك»، إلى «المنطقة العمياء» التي لا نعلم عنها شيئا. وربما بسبب هذا، نُلفي أنفسَنا اليوم مُجْبَرين على البحث عن عناصر إجابة عن هذا «الهناك» في النصوص الدينية، لأن المشترك العام بين جميع الأديان هو تأكيدها على أن الموت ليس هو النهاية، بل هو عتبة إلى حياة أخرى. وهذا ما يقلل من خوفنا الآدمي من العدم. غير أن الحضارة الغربية، يقول دوبراي، لم تعد تؤمن اليوم بـالـ»هناك».
الاعتراف بالموت
يرى ريجيس دوبراي أن خطابَ التفوق التكنولوجي، وهو الخطاب الذي يـقول بتَسَيد الآلة في حياة الإنسان، والذي يستهلك كل شيء في الحياة، ويستنزفها، بدون أن يفكر في ما يحدث بعدها، إنما هو نوع من الإسعاف العقلي، هو إسعاف يؤجل قليلا شعورَنا بثقل فكرة الموت علينا، وفقداننا الأمل في مواصلة الوجود في عالَم آخر. وفي هذا الشأن يقول: «لستُ ضد أن تُعطيني التكنولوجيا الحيوية أملا في استزادة الحياة، ولكنني أعتقد أن الموت يستحق شيئا آخر: هو الاعتراف به. لأن الاعتراف بالموت يخلق مجتمع الذاكرة، إنه يجمع الناس معا، ويُطيل حضورَ الأمواتِ في الزمن، إن المستقبل هو الذي يمنح معنى للحاضر».
في كتاب «البقعة العمياء» كشف عن عدم قدرة الثقافة الغربية على محاربة الإرهاب المحكوم بفكرة الجنة، حيث يذهب الكاتب في فهمه لهذه الظاهرة إلى القول «سيكون من الخطأ الفادح التركيزُ فقط على عوامل الاستِبْعاد، والميز العنصري، وسِحْرِ ظهور الانتحاريين في وسائل الإعلام، وعدم الاهتمام بما يُسمى في الإعلام الغربي «الأمواج الاستعمارية الجديدة» من المهاجرين، لتفسير تنامي ظاهرة الإرهاب، ولاسيما جعل كل ما هو روحي «بقعة عمياء» لا مُفكر فيها من قبل أصحاب القرار السياسي الأوروبي، إن الروحي هو غالبا ما يحكم قرار الإرهابي بالإقدام على الانتحار، إن هؤلاء الإرهابيين الذين فجروا أنفسهم وقتلوا أعدادا من المواطنين ليسوا عَدَميين، وإنما هم يؤمنون بأن الموت سبيلٌ إلى حياة الأبدية والانضمام إلى حالة من السعادة الدائمة، يكون فيها المنتَحِرُ من هؤلاء مُحاطا بحَدَائِقَ وَأَعْنَابٍ، وَكَوَاعِبَ أَتْرَابٍ هُن حور العين. ويصبح الموت بالنسبة إليه سببا للحياة».
وبعيدا عن تحليلات فرويد وماركس، يرى دوبراي ضرورة أن يتخلى الغرب عن فكرة النظر إلى الدين بوصفه مجردَ وهم. لأن الأسطورة أقوى أحيانا من العقل، ويستشهد هنا بقولة بول فاليري: «ماذا سنكون بدون مساعدةٍ من ذاك الذي لا وجود له؟» ولأن الغرب، على حد ما يرى دوبراي، بلغ مرحلة من التعقل والحكمة جعلته لا يعتقد البتة في حياة أخرى بعد الموت، فإنه يطرح السؤال التالي على المسيحيين: «مِنْ أين جاءت فكرةُ أن المسيحية قد حولت نفسها اجتماعيا إلى إنسانوية، وإلى إتيقا لحســـن السلوك وتحسين الحياة الدنيا المشتركة، ولم تعد ديانة لإعداد الفرد للحياة الأبدية؟». وهو سؤال وجد فيه الكاتب برنار غينِيسْتي، خلال قراءته الناقدة لكتاب دوبراي، ما «يُوجب علينا الاعتراف بأن الوعود بالجنة المستقبلية من قبل المتدينين، والوعود بالغد الأفضل الذي تغنى به الرفاق الشيوعيون، قد تم استعمالها جميعها لتبرير أفظع سلوكات السلطات القائمة أو الذين يرومون تعويضها. ذلك أن كثيرا من الذين ناضلوا طوال قرون من أجل التضامن والإعداد لمستقبل إنساني أفضل لم يجنوا من نضالهم سوى المرارة، وهذا ما قاد الناس إلى الانغلاق على الذات والتقوقع على الهوية أو الدين أو القومية».