ريجيس‭ ‬دوبراي‭ ‬يُروضُ‭ ‬فكرةَ‭ ‬الموتِ‭ ‬في‭ ‬‮«‬البُقْعة‭ ‬العَمْياء‮»‬

تونس‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬:‬ يبدو‭ ‬الجهد‭ ‬الفلسفي‭ ‬لريجيس‭ ‬دوبراي‭ ‬كبيرا،‭ ‬وهو‭ ‬يتتبع‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الجديد‭ ‬‮«‬البقعة‭ ‬العمياء‮»‬‭ (‬دار‭ ‬سيرف‭ ‬ـ‭ ‬أغسطس‭/‬آب‭ ‬2018‭) ‬طرائقَ‭ ‬الوعي‭ ‬بمسألة‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬زمننا‭ ‬الراهن،‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يشرح‭ ‬الموتَ‭ ‬ويفسره‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬جرت‭ ‬عليه‭ ‬عادة‭ ‬الدراسات‭ ‬الأنثروبولوجية‭ ‬والعلمية،‭ ‬وإنما‭ ‬كل‭ ‬وَكْدِه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يفهمه‭ ‬بوصفه‭ ‬ظاهرة‭ ‬حياتية‭ ‬حتمية‭. ‬ومبعَثُ‭ ‬تأليف‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قوله،‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭: ‬‮«‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬إنسانا‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يُفجرَ‭ ‬نفسه‭ ‬وسط‭ ‬المدنيين،‭ ‬ويقتُلَ‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬ممكن‭ ‬منهم،‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬قد‭ ‬اقترفوا‭ ‬أي‭ ‬ذنبٍ‭ ‬في‭ ‬حَقه؟‮»‬‭ ‬أي‭: ‬كيف‭ ‬يصيرُ‭ ‬الموتُ‭ ‬سبيلا‭ ‬إلى‭ ‬الحياة،‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‭ ‬مأمولة؟‭ ‬وهو‭ ‬سؤال‭ ‬حفز‭ ‬دوبراي‭ ‬إلى‭ ‬تأكيد‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬عملية‭ ‬إرهابية‭ ‬تعيشها‭ ‬بلدان‭ ‬أوروبا‭ ‬اليوم‭ ‬‮«‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تجعلنا‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬التفكير‭ ‬فيه،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬التفكير‭ ‬فيه،‭ ‬وهو‭ ‬مكانة‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬حياتنا‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬هؤلاء‭ ‬الانتحاريون‭ ‬إلا‭ ‬أناسٌ‭ ‬‮«‬حيثما‭ ‬نصنعُ‭ ‬الفراغَ‭ ‬يملؤونه،‭ ‬فيكون‭ ‬لهم‭ ‬الوجودُ،‭ ‬ويكون‭ ‬لنا‭ ‬العدمُ‮»‬‭.‬

ترويضُ‭ ‬الموتِ‭ ‬

أثار‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬البقعة‭ ‬العمياء‮»‬‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬منذ‭ ‬ظهوره،‭ ‬حيث‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬القراء‭ ‬انحرافا‭ ‬من‭ ‬ريجيس‭ ‬دوبراي‭ ‬عن‭ ‬مساره‭ ‬الفلسفي‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬فيه‭ ‬نصيرا‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬له‭ ‬صلة‭ ‬بالحياة‭ ‬وبالحرية‭ ‬وبالعقلانية،‭ ‬فقد‭ ‬حمل‭ ‬السلاح‭ ‬مع‭ ‬تشي‭ ‬غيفارا‭ ‬وفيديل‭ ‬كاسترو،‭ ‬وناضل‭ ‬ضد‭ ‬هيمنة‭ ‬الخرافة،‭ ‬وضد‭ ‬هيمنة‭ ‬الرأسمالية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النقد‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬التضليل،‭ ‬فدوبراي‭ ‬لم‭ ‬ينحرف‭ ‬عن‭ ‬خطه‭ ‬العقلاني،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قوله‭ ‬‮«‬شخص‭ ‬غريب‭ ‬حيثما‭ ‬حللتُ‭: ‬يميني‭ ‬جدا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬اليسار،‭ ‬ويساري‭ ‬جدا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬اليمين،‭ ‬كلاسيكي‭ ‬جدا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬البعض،‭ ‬وحداثي‭ ‬جدا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬آخرين‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته‭ ‬يُضيف‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬ما‭ ‬لستُ‭ ‬عليه،‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬ما‭ ‬أنا‭ ‬عليه‮»‬،‭ ‬وربما‭ ‬ساهم‭ ‬بلوغُه‭ ‬مرحلة‭ ‬الشيخوخة،‭ ‬وهي‭ ‬مرحلة‭ ‬الحكمة،‭ ‬في‭ ‬جعله‭ ‬يُعيد‭ ‬قراءة‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬عاشه،‭ ‬بل‭ ‬ويُعيد‭ ‬حسابَ‭ ‬نواتج‭ ‬مسيرته،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬جلي‭ ‬في‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬صرتُ‭ ‬الآن‭ ‬أكثر‭ ‬ميلا‭ ‬للصداقة‭ ‬وأقل‭ ‬ميلا‭ ‬للأفكار‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الشأن،‭ ‬نشر‭ ‬قبل‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬البقعة‭ ‬العمياء‮»‬‭ ‬بثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬كتابا‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬حصيلة‭ ‬الخسارات‮»‬‭ (‬غاليمار،‭ ‬مايو‭/‬أيار‭ ‬2018‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬خطاب‭ ‬موجه‭ ‬لابنه‭ ‬أنطوان،‭ ‬وفيه‭ ‬يُعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تجاربه‭ ‬الحياتية،‭ ‬متأملا‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬منها‭ ‬ومتوقفا‭ ‬عند‭ ‬حجم‭ ‬خسارته‭ ‬فيها،‭ ‬وعلى‭ ‬حجم‭ ‬الأوهام‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقود‭ ‬خطاه‭ ‬أثناء‭ ‬خوضها‭ (‬وخاصة‭ ‬أوهام‭ ‬النضال،‭ ‬وأوهام‭ ‬شرف‭ ‬الكتابة‭). ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬البقعة‭ ‬العمياء‮»‬‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬تلك‭ ‬المحاسبة‭ ‬التي‭ ‬يُجريها‭ ‬لذاته‭ ‬وللحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬نفسِها،‭ ‬فقد‭ ‬سعى‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬الآراء‭ ‬التي‭ ‬تُنكر‭ ‬الموت‭ ‬وتُوهم‭ ‬الأحياء‭ ‬بتمديد‭ ‬أعمارهم،‭ ‬بل‭ ‬وبإبقاء‭ ‬شيءٍ‭ ‬من‭ ‬أجسادهم‭ ‬قابلا‭ ‬للحياة‭ ‬باستمرار،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬تبشرُ‭ ‬به‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الطبية‭ ‬الراهنة‭ ‬للحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬صار‭ ‬ممكنا‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحيلُ‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العِلْم‭ ‬الحديث،‭ ‬وبعد‭ ‬يقينه‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تمديد‭ ‬زمن‭ ‬الروح،‭ ‬يحاول‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬يخلق‭ ‬للإنسان‭ ‬حلولا‭ ‬لخُلود‭ ‬جسده،‭ ‬ويسعى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يقنعه‭ ‬بها‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السعيِ‭ ‬إلى‭ ‬تمديد‭ ‬الحياة‭ ‬مفارقة‭ ‬كبرى‭ ‬وأليمة،‭ ‬صورتُها‭ ‬أننا‭ ‬كنا‭ ‬نموت‭ ‬صغار‭ ‬السن،‭ ‬ولكننا‭ ‬كنا‭ ‬سعداء‭ ‬بحقيقة‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‭ ‬سنعيشها‭ ‬بامتلاء،‭ ‬بينما‭ ‬نعيش‭ ‬اليوم‭ ‬عمرا‭ ‬طويلا‭ ‬ولكننا‭ ‬نموتُ،‭ ‬إذْ‭ ‬نموتُ،‭ ‬فارغين‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬الخلود،‭ ‬وهذا‭ ‬الفراغ‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬حياتنا،‭ ‬مهما‭ ‬طالت،‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬ومليئة‭ ‬بالخوف‭ ‬من‭ ‬الانمحاء‭ ‬والوقوع‭ ‬في‭ ‬العدم‭. ‬ويذهب‭ ‬ريجيس‭ ‬دوبراي‭ ‬في‭ ‬حواره‭ ‬مع‭ ‬‮«‬فرانس‭ ‬كولتير‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬يتوجب‭ ‬علينا‭ ‬ترويضُ‭ ‬الموت،‭ ‬وتشخيصُه‭. ‬وشخصيا‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬قِصة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬هذا‭ ‬الموت‭. ‬وفي‭ ‬تقديري‭ ‬فإنه‭ ‬يتوجب‭ ‬علينا،‭ ‬لكي‭ ‬نفهم‭ ‬الموت،‭ ‬أن‭ ‬نُضمنه‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬كبيرة،‭ ‬بَقِيَ‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أشير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬لنا‭ ‬اليوم‭ ‬قصصٌ‭ ‬كبيرة‭ ‬تُجيب‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬الموت‭… ‬عندما‭ ‬يموت‭ ‬الإنسان‭ ‬نقول‭ ‬إنه‭ ‬فارقنا،‭ ‬ولكننا‭ ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬فارقنا‭ ‬سوى‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬الـ»هناك‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬المنطقة‭ ‬العمياء‮»‬‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬عنها‭ ‬شيئا‭. ‬وربما‭ ‬بسبب‭ ‬هذا،‭ ‬نُلفي‭ ‬أنفسَنا‭ ‬اليوم‭ ‬مُجْبَرين‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬عناصر‭ ‬إجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الهناك‮»‬‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الدينية،‭ ‬لأن‭ ‬المشترك‭ ‬العام‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الأديان‭ ‬هو‭ ‬تأكيدها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الموت‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬النهاية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عتبة‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬خوفنا‭ ‬الآدمي‭ ‬من‭ ‬العدم‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية،‭ ‬يقول‭ ‬دوبراي،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تؤمن‭ ‬اليوم‭ ‬بـالـ»هناك‮»‬‭. ‬

الاعتراف‭ ‬بالموت‭ ‬

يرى‭ ‬ريجيس‭ ‬دوبراي‭ ‬أن‭ ‬خطابَ‭ ‬التفوق‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬وهو‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬يـقول‭ ‬بتَسَيد‭ ‬الآلة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان،‭ ‬والذي‭ ‬يستهلك‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬ويستنزفها،‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬بعدها،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الإسعاف‭ ‬العقلي،‭ ‬هو‭ ‬إسعاف‭ ‬يؤجل‭ ‬قليلا‭ ‬شعورَنا‭ ‬بثقل‭ ‬فكرة‭ ‬الموت‭ ‬علينا،‭ ‬وفقداننا‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬مواصلة‭ ‬الوجود‭ ‬في‭ ‬عالَم‭ ‬آخر‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬لستُ‭ ‬ضد‭ ‬أن‭ ‬تُعطيني‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحيوية‭ ‬أملا‭ ‬في‭ ‬استزادة‭ ‬الحياة،‭ ‬ولكنني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الموت‭ ‬يستحق‭ ‬شيئا‭ ‬آخر‭: ‬هو‭ ‬الاعتراف‭ ‬به‭. ‬لأن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالموت‭ ‬يخلق‭ ‬مجتمع‭ ‬الذاكرة،‭ ‬إنه‭ ‬يجمع‭ ‬الناس‭ ‬معا،‭ ‬ويُطيل‭ ‬حضورَ‭ ‬الأمواتِ‭ ‬في‭ ‬الزمن،‭ ‬إن‭ ‬المستقبل‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬معنى‭ ‬للحاضر‮»‬‭. ‬
في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬البقعة‭ ‬العمياء‮»‬‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬قدرة‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬محاربة‭ ‬الإرهاب‭ ‬المحكوم‭ ‬بفكرة‭ ‬الجنة،‭ ‬حيث‭ ‬يذهب‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬فهمه‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬‮«‬سيكون‭ ‬من‭ ‬الخطأ‭ ‬الفادح‭ ‬التركيزُ‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬عوامل‭ ‬الاستِبْعاد،‭ ‬والميز‭ ‬العنصري،‭ ‬وسِحْرِ‭ ‬ظهور‭ ‬الانتحاريين‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬وعدم‭ ‬الاهتمام‭ ‬بما‭ ‬يُسمى‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربي‭ ‬‮«‬الأمواج‭ ‬الاستعمارية‭ ‬الجديدة‮»‬‭ ‬من‭ ‬المهاجرين،‭ ‬لتفسير‭ ‬تنامي‭ ‬ظاهرة‭ ‬الإرهاب،‭ ‬ولاسيما‭ ‬جعل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬روحي‭ ‬‮«‬بقعة‭ ‬عمياء‮»‬‭ ‬لا‭ ‬مُفكر‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬الأوروبي،‭ ‬إن‭ ‬الروحي‭ ‬هو‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يحكم‭ ‬قرار‭ ‬الإرهابي‭ ‬بالإقدام‭ ‬على‭ ‬الانتحار،‭ ‬إن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الإرهابيين‭ ‬الذين‭ ‬فجروا‭ ‬أنفسهم‭ ‬وقتلوا‭ ‬أعدادا‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬ليسوا‭ ‬عَدَميين،‭ ‬وإنما‭ ‬هم‭ ‬يؤمنون‭ ‬بأن‭ ‬الموت‭ ‬سبيلٌ‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬الأبدية‭ ‬والانضمام‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬السعادة‭ ‬الدائمة،‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬المنتَحِرُ‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬مُحاطا‭ ‬بحَدَائِقَ‭ ‬وَأَعْنَابٍ،‭ ‬وَكَوَاعِبَ‭ ‬أَتْرَابٍ‭ ‬هُن‭ ‬حور‭ ‬العين‭. ‬ويصبح‭ ‬الموت‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬سببا‭ ‬للحياة‮»‬‭. ‬
وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬تحليلات‭ ‬فرويد‭ ‬وماركس،‭ ‬يرى‭ ‬دوبراي‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬يتخلى‭ ‬الغرب‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الدين‭ ‬بوصفه‭ ‬مجردَ‭ ‬وهم‭. ‬لأن‭ ‬الأسطورة‭ ‬أقوى‭ ‬أحيانا‭ ‬من‭ ‬العقل،‭ ‬ويستشهد‭ ‬هنا‭ ‬بقولة‭ ‬بول‭ ‬فاليري‭: ‬‮«‬ماذا‭ ‬سنكون‭ ‬بدون‭ ‬مساعدةٍ‭ ‬من‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬له؟‮»‬‭ ‬ولأن‭ ‬الغرب،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬يرى‭ ‬دوبراي،‭ ‬بلغ‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬التعقل‭ ‬والحكمة‭ ‬جعلته‭ ‬لا‭ ‬يعتقد‭ ‬البتة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‭ ‬بعد‭ ‬الموت،‭ ‬فإنه‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭ ‬على‭ ‬المسيحيين‭: ‬‮«‬مِنْ‭ ‬أين‭ ‬جاءت‭ ‬فكرةُ‭ ‬أن‭ ‬المسيحية‭ ‬قد‭ ‬حولت‭ ‬نفسها‭ ‬اجتماعيا‭ ‬إلى‭ ‬إنسانوية،‭ ‬وإلى‭ ‬إتيقا‭ ‬لحســـن‭ ‬السلوك‭ ‬وتحسين‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا‭ ‬المشتركة،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬ديانة‭ ‬لإعداد‭ ‬الفرد‭ ‬للحياة‭ ‬الأبدية؟‮»‬‭. ‬وهو‭ ‬سؤال‭ ‬وجد‭ ‬فيه‭ ‬الكاتب‭ ‬برنار‭ ‬غينِيسْتي،‭ ‬خلال‭ ‬قراءته‭ ‬الناقدة‭ ‬لكتاب‭ ‬دوبراي،‭ ‬ما‭ ‬‮«‬يُوجب‭ ‬علينا‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬الوعود‭ ‬بالجنة‭ ‬المستقبلية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المتدينين،‭ ‬والوعود‭ ‬بالغد‭ ‬الأفضل‭ ‬الذي‭ ‬تغنى‭ ‬به‭ ‬الرفاق‭ ‬الشيوعيون،‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬استعمالها‭ ‬جميعها‭ ‬لتبرير‭ ‬أفظع‭ ‬سلوكات‭ ‬السلطات‭ ‬القائمة‭ ‬أو‭ ‬الذين‭ ‬يرومون‭ ‬تعويضها‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬ناضلوا‭ ‬طوال‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التضامن‭ ‬والإعداد‭ ‬لمستقبل‭ ‬إنساني‭ ‬أفضل‭ ‬لم‭ ‬يجنوا‭ ‬من‭ ‬نضالهم‭ ‬سوى‭ ‬المرارة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬قاد‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬الانغلاق‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬والتقوقع‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬أو‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬القومية‮»‬‭.‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية