رَسوليّةُ المُبْدِعين

لعلّ ما يُميّز الكاتب عن غيره من الناس هو أنه سيِّدُ نفسِه، فلا يدخل تحت سقفِ أيّ سُلطة ماديّة أو رمزيّة، لأنه أكبر من أيّ سلطة، وهو واعٍ بأنّ انتماءه إلى السلطة يُفرغُه من طاقته الاحتجاجية ويملؤه بقناعة القبول بالموجود، ويدرِّبه على التفاني في توفير أسباب ديمومة السائد، وهذا ما يُزيحه من صفة الكاتب إلى صفة المًسْتَكتَبِ. جهدُ الكاتب منذور للدفاع عن الناقِصِ والهامشيّ ترقِّيًا به إلى مراقي الكمال والحضورِ، إنه شبيه بذاك الذي يشاهد مباراة رياضية فلا يتعاطف فيها إلاّ مع الفريق المهزوم عكس الذين يصفّقون من حواليْه للمنتصِرِ ويرفعون رايتَه. ولو أردتُ استفادةً من فهم فالتر بنيامين لعلاقة المنتصرين بالمهزومين ووجوب إعادة كتابة التاريخ من خارج منظورِ الغالبين لقلتُ إنّ الكاتب مع المهزومين دائما حتى ينتصروا.
وإذن، فالكاتب هو ذاك الذي يتحرّك في فضاء «إنّي أتّهم» لأميل زولا، ويرى في جسده لغةٌ لكتابة الحياة، وهو الخارجُ عن الجماعة الرسمية مُطلَقًا، إنه المُغامرُ بجسده في حروب الواقع من أجل إعلاء قيمة الحرية بوصفها أرقى مراقي القِيَم الإنسانية، وهو المدعوُّ إلى التفطُّن إلى الظواهر التي طرأت أو التي ستطرأ على واقعه والتجهّز لها بصبرٍ وفطنةٍ؛ بصبرٍ يمكّنه «من إدامة البحث والتنقير، ومن حمل النفس على مكروهها من التفكير» على حدّ قول الجاحظ، وبفِطنة ذهنية يكون بها قادرا على انتهاك سكونية الواقع عبر سبيل الحفر بعمق في تكوّن ظواهره ورجِّ يقينها وزلزلتها وكشف ألاعيبها، وذلك بغيةَ إخراج ما في باطنها من شتات التفاصيل وصوغها صوغا فنيا تتحوّل بمقتضاه كلّ ظاهرة من حالتها الواقعية إلى نموذج تصوّري قد يكون نموذَجًا مُوجِبًا فنميل إليه ونشجّع استنباتَه في الواقع باعتباره يترحّل بنا صوب أفق إنساني سعيد (بعبارة بول ريكور) أو قد يكون نموذجًا سلبيًّا فنتلافى أسباب ظهوره بيننا لكونه يفتح حركتنا على أفق التعاسة. ويكون ذاك النموذج مبثوثًا في جهاز لغويّ له من الإمتاع الجمالي واللطف الفني والإقناع المضموني ما يجعلنا نُقبل عليه إقبال الرغبة.

نصّ الكاتب أكثر غِنًى دَلاليًّا من نصّ الواقع، أو هكذا يجب أن يكون عليه، ثَمَّ دائما معنى في دوالِّه يَفيض خارج حَيِّزِ مدلولاته، لأنه معنى مُضافٌ إلى الواقع

ومن ثَمَّ فالكاتب لا يكتب نصّه لذاته، أو لتمضية الوقت الفارغ، أو لتنفيذ أمرٍ سُلطانيٍّ كما كان سائدا في ثقافتنا العربية، وإنما هو يكتبه بجهد عقليٍّ عالٍ وفي ذهنه قارئ يُردّد حيرتَه بحثًا عن نافذة يُجدِّدُ من خلالها رؤيتَه الواقعَ رغبةً في تطويره. وعلى غرار «زوربا اليوناني» الذي أنفق كلّ أموال سيِّده «باسيل» لكي «يدافع عن كل الرجولة في العالم»، يُنفق الكاتب كلّ أيّام عمره ليدافع عن الحقّ والجمال في الكون. وما تجديدُ رؤيةِ الواقع إلا تجديدُ وعيِ الكتابة له، لأنّ الوعيَ يترهَّلُ دائما، والواقع يتجدّد دائما. ولا بدّ من أن أشير إلى أنّ من مظاهر جِدّةِ وعيِ الكاتبِ واقعَه أن يعي أنّ ما يكتبه إنما هو نصٌّ فنيٌّ حامل لقيمة تُساعد بشكل مّا على العيش المشترك، وليس نصا تعليميا يحتكر معرفة الواقع أو نصًّا وَعْظِيًّا أخلاقيا يحتكر إدارةَ مؤسّسة الخير البشريّ، لأنّ باحتكاره معرفة الواقع ينزاح من صفة الأديب إلى صفة المُؤدِّبِ (تذكَّروا صورةَ المُؤدِّبِ الذي يحمل عصا)، وباحتكاره الخيرَ يصير نصُّه أدبًا للآخرة، بينما هو معنيٌّ بكتابة نصوصٍ تصلح بها أحوالُ الدنيا. ولعلّ في هذا ما يصنع الفارق الجوهريّ بين الواعظ والكاتب؛ فالواعظُ يُرحِّلُ بالترهيب الأخلاقي طموحات الناس من الواقع إلى المُتخيَّل، والكاتبُ يُرحِّل بالترغيب والتهذيب الإتيقيّ تلك الطموحات من المتخيَّلِ إلى الواقع. لم يوجدْ في الدّنيا واعظٌ إلا واستعرتْ بوَعْظِياته نارُ الجحيمِ واستشرى بها الخِلافُ بين الناس.
نصّ الكاتب أكثر غِنًى دَلاليًّا من نصّ الواقع، أو هكذا يجب أن يكون عليه، ثَمَّ دائما معنى في دوالِّه يَفيض خارج حَيِّزِ مدلولاته، لأنه معنى مُضافٌ إلى الواقع، ونتاجُ عجينةِ الواقع ومخلوقاتِ الكاتب من تلك العجينة في الآن ذاته (أي هو حاصل التفاعل الذي بينهما). ولأنّ النَّصّ كيان فنّي مُتحرّر من سجن الزمن الفيزيائي فإنه يسبق واقعَه دائما، ليكون رائيه وحاميه من نفسه حتى إن اتخذ كاتبُه تاريخَ الناس فضاءً لمَحْكيّاته. قد يكون صحيحًا قولُنا إننا نسمع في النَّصّ أصوات الماضي وجلبةَ أحداثه ولكن حقيقة الأمر هي أننا لا نرى فيه إلا أحوالَ الراهن وما يمكن أن تصير إليه في الآتي من أيّام الناس. وهذا شيءٍ قليلٌ من رسولية المبدعين.

٭ كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية