رَسِيسُ الهوى والدلالة المائعة

العبارة في هذا العنوان مستمدّة من بيت للشاعر الجاهلي النابغة الذبياني يقول فيه: (إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ/ رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبرَحُ). يقول عن ميّة حبيبة خياله إنّ آثار حبّه في نفسه لا تزول، حتى إن ذهل كلّ عاشق عمّن عشق. هذا البيت من شواهد النحاة يذكرونه في نفي المقاربة أهي إثبات للفعل، الذي يدخل عليه التقريب؟ أم هي نفي للتقريب نفسه. نريد في هذا المقال أن ننظر إلى البيت من جهة أخرى غير الجهة التي نظر منها النحاة، وإن كانت لا تبتعد عن دائرة النحو: كيف يبتدع الشعراء اشتقاقات جديدة ليست مألوفة؟ في كلمة (رسيس) ابتداع جديد في وقته (منذ أكثر من قرنين من الزمان)، يخالف الاشتقاقات السائدة التي كان يمثلها المصدر (رسّ). ونريد أن نبيّن أيضا من خلال نصوص مزامنة تقريبا لبيت النابغة، أنّ للشعراء طاقة إبداعية لغوية تمشي بالتوازي مع الإبداعية المضمونية.
في كلمة (رسيس الهوى) خبايا دلالية عملت فيها الآلة الاشتقاقية لدى الشاعر، وجعلتها تنبت جملة من المعاني اليتيمة، وتخرج من معنى المصدر المألوف استعماله إلى معنى الصفة المشبهة باسم المفعول. الرسيس في اللغة مصدر مشتق من (ر. س. س) وأكثر المعاني التي في هذا الجذر تحيل على الدفن والطمر وإخفاء شيء تحت الأرض فيقال رسّ الميّت دفنه ورسّ البئر حفرها وتسمّى البئر التي لم تطو رسّا، ورسّ السمّ لفلان دسّه له. ويبدو أنّ أشهر الاستعمالات وأقدمها لهذا الفعل هو الحفر والبحث عن الماء وقريبا من هذا المعنى جاء في التنزيل الحكيم قوله تعالى: «سورة ق آية 12» ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾ واختلف المفسرون في (أصحاب الرسّ) فقال بعضهم إنّهم قوم رسّوا نبيهم في البئر أي دفنوه حيّا فأهلكهم الله بفعلهم؛ وقال آخرون إنّ أًصحاب الرسّ هم أصحاب الأخدود حفروه ليطمروا فيه المؤمنين. المهمّ في هذا المعنى أنّ الرسّ هو بئر يمكن أن يدفن فيه. صورة البئر في بيت النابغة مضمرة أو قل هي من المعاني اللازمة لذلك استعمل الشاعر بدلا من المصدر اسما، هو على وزن الصفة المشبهة باسم المفعول فالرسيس هو المدفون في البئر وليست البئر في ذاتها وهذه الاستعارة تفهمنا مقصد الشاعر بأنّه دفن حبّها في قلبه كما دفن أصحاب الرسّ قتيلهم؛ غير أنّ معنى الدفن في الشعر ليس معناه في الموت والإجرام إنّه دفن الغرض منه أن الحياة والتذكر وليس الموت والنسيان.

ثمّ إنّ (رسيس) التي على وزن (فعيل) ترد في هذا المعنى منها ألفاظ دالة على الموت وما جاوره من المعاني الدالة على الجرح والأذيّة مثل (قتيل) أو (جريح) أو (كليم)، لكنّ (رسيس الهوى) هو داء المحب به يحيا الشاعر ويلبس للألم والفراق تجافيف تقيه لوعة البعد والفرقة بعد الرحلة. في معلقة زهير بن أبي سلمى أيضا حديث عن الرسّ باعتباره اسما لواد وليس اسما لبئر، ويبدو أنّه سمّي وادي الرسّ لانّ الماء حفر فيه عميقا، أو لأنّ فيه بئرا يقول الشاعر: (بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسُحْــــرَةٍ … فَهُنَّ وَوادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَــم) أغلب الشراح في هذا البيت ركزوا في صورة اليد على الفم على معرفة الاتجاه كمعرفة اليد مقصدها للفم. والحقّ أنّ ذكر الفم هو ذكر للعضو الذي به غور، فكأننا إزاء تصوير سينمائي يراقب حركة المتنقلين المرتفعين لا المنحدرين، الفم هو وادي الرسّ وبئره واليد وحركتها هي المسافرون بأنفارهم والمسافة ما تزال بعيدة بعد اليد المبسوطة إلى أسفل والمتحركة إلى أعلى. مرّة أخرى تكون صورة الغور والماء مهمّة في معنى الرسيس.
لكنّ النابغة الذبياني كان على وعي بهذا الاسم الذي استعمل مصدرا مضافا في هذين الاستعمالين، بأن أضيف إليه الأشخاص والأمكنة، ومال هو إلى صيغة أخرى ينسبها إلى الهوى في معنى طريف. صحيح أنّ الاشتقاق ممكن لأنّه توليد على سمت صيغي وهذا ممكن ووارد لكن ليس كلّ اشتقاق ممكن قد يكون مقبولا. التفكير خارج النسق قد يبدأ من الاشتقاق إذ ينتقل من خلاله الاسم إلى اسم عبر قنوات الدلالة التي يريدها المقبل على الاشتقاق أن تصبح مائعة لا جامدة. تعني الدلالة المائعة، أو السائلة أنّ المعاني ليست صلدة جامدة، كما يظن الناس؛ فللأسماء وللكلم دلالات سائلة سكيبة يمكن أن تفيض على هذه الصيغة أو تلك. فعلى سبيل المثال، فإنّ معنى بئر الماء وهو الذي يقتضي صيغة الاسم الذي هو في الأصل مصدر، هو معنى مجرّد أسند إليه معنى الدفن بناء على عادة في قبر الميت المقتول على الأقرب غيلة.

القتل بالطمر في البئر عادة قديمة في الانتقام من العدوّ، وهذا ما يمكن أن نلحظ شبها له في تفكير إخوة يوسف من القصاص منه. وهناك فرق بين القبر والرسّ في الموت: القبر يحفر للأحياء إن ماتوا دفنوهم، ولكنّ الرسّ مكان لإلقاء الموتى هو مكان الجريمة وإخفائها. الرسّ دوره أنّه يخفي لعمقه حاويه ولا يمكن أن يرى المخفيّ فيه مهما حاول: ليس الآبار التي تحفر إلاّ آبارا عميقة ولذلك فإنّ الآبار التي ليس فيها ماء يمكن أن يوارى فيها من يراد التستر على جسده.
الإبداعية الاشتقاقية في الانتقال من اسم البئر: الرّسّ ، إلى اسم ما حواه وهو القتيل في الرسّ يمكن أن يسمّى رسيسا، أي مرسوسا في البئر؛ هو من دفن حيّا أو ميتا في البئر وأخفي فلا يراه أحد. الرسيس هو كلّ ما أخفي على كلّ مطلع فلا يعلم أمره إلاّ ثلاثة: من دفنه ومن سيجده وإلهه وهذان من رجم الغيب. رسيس الماء أي القتيل هو نفسه رسيس الهوى، وهو يخفي ما به، يمكن أن يتهمه الناس بما يخفيه في قلبه وفي روحه التي هي بئر منقولة تحمل دائما عناصر القتل والموت والحبّ. رسيس الهوى هو كرسيس الماء غير أنّ ماءه تبخّر وظلّ آثارا تتخفى.
(فعيل) في الاشتقاق صفة مشبهة ولكنّها أيضا وزن لصيغة المبالغة، وعليك أن تكون منغمسا في معنى الكلام حتى تعرف التمييز بينهما. وفعيل هذه صيغة تجمع بين معنيي الموت والحبّ كقتيل وشهيد، وهما عبارتان تستعملان في العشق والموت. ولكنّ عبارتي عشيق وحبيب هما صفتان مشبّهتان تستعملان في معاني، فإذا أضيفت إليهما عبارة (رسيس) باتت صفة مشبّهة جديدة لا تعيّن الذات العاشقة بل تعيّن شيئا من متعلقاته: طمر الهوى. إنّ الخروج من وادي الرسّ، أو من قتيل الرسّ إلى رسيس الهوى هو انتقال من طريقة في النسبة إلى آخر: من نسبة يكون فيها الوادي هو مَعْلَم النسبة، وإليه تضاف الأماكن أو الأشخاص إلى نسبة أخرى يكون فيها الهوى هو نقطة النسبة الأكبر ويبدأ بالمستكنّ المخبوء والمحفور من المشاعر وصولا إلى غيره من الظواهر. هذا السياق من الابتداع اللغوي ومن التمييع الدلالي بين المعاني هو الذي يجعلنا في قصيدة ذي الرمة في سياق من الإمطار ينزل فيها المطر لا ليغور ويخفى، بل تنظر حافزا عاطفيا كي تتلاطم مياه الرسّ الساكنة وتظهر ولذلك يقول ذو الرمة في البيت اللاحق: (إِذا خَطَرَت مِن ذِكرِ مَيَّةَ خَطرَةٌ //عَلى النَفسِ كادَت في فُؤَادِكَ تَجرَحُ). كلّ شيء يسكن باطن النفس وعمق الذاكرة وكلّ شيء يندفن كي لا يموت. يثأر الشعر من الحياة: في الحياة نحفر لنقتل وفي الشعر نحفر لنحيا.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية