السموأل بن عادياء شاعر جاهلي يهودي يضرب العرب به العرب المثل في الوفاء فيقولون: فلان «أوْفَى مِنَ السموأل». من المفيد ونحن نتحدث عن هذا الشاعر، أو أي شاعر قديم ،أن نشير إلى أننا نتعامل معه على أنه شخصٌ نصي، وليس على أنه شخص واقعي أو شخص حقيقي. نقصد بالشخص النصي أن الشاعر ومثالنا هنا السموأل، عرفناه وجمعنا عنه معلوماتنا الثقافية المتنوعة من النصوص، سواء أكانت الأخبار التي تروى عنه، أم كانت قصائده التي وصلتنا، ونحن نتعامل معها دائما على أنها له من غير شك.
في الشخصية النصية وجهان: أما الوجه النصي الأول فإخباري يسوق لنا المعلومات على أنها وقائع حقيقية لشخص تاريخي حقيقي، كثيرون يصدّقون الوهم وبعض الناس وهم قلة لا يعنيهم من أمر الرجل شيئا، وقلة قليلة تتعامل مع هذه المعلومات على أساس أنها عوالم ممكنة لشخص ممكن، وأنا من هذه القلة القليلة. أما الوجه النصي الثاني فإبداعي، وهو الذي نستقيه من نصوصه التي تنسب إليه. يمكن أن نقول عن شخصية إخبارية إنها وفية، أو رمز للوفاء مثلما فعلنا مع السموأل، لكن لا نسند هذه القيمة للشخصية الإبداعية. الشخصية الإبداعية هي شخصية توصف بسمات إبداعية، كأن يقال عنها إنها جزلة اللغة، سلسة العبارة مجردة الاستعارة رقراقة الأسلوب.
يعاني الشعراء القدامى من التداخل المزعج الذي حصل لهم بين شخصياتهم الإخبارية وشخصياتهم الإبداعية، ومن تداخل أكبر بين عوالمهم الممكنة التي صنعتها الأخبار، ومن اليقين الشديد بأن تلك العوالم الممكنة هي عوالمهم الحقيقية. فمن منا يستطيع اليوم أن يشكك في تهتك عمر بن أبي ربيعة، وفي مجون أبي نواس، وفي زهد أبي العتاهية، رغم أن الجميع يعلم أن هذه الصفات التي علقت على الشخصيات التاريخية، وكأنها وقائع حقيقية كانت مستمدة من النصوص، أي هي عوالم ممكنة وليست وقائع فعلية.
اللغة هي أكبر شاهد على هذا العدول والتداخل، نحن نتحدث عن شعر إباحي في مقابل شعر عفيف أو عذري: فقد انقلب اسم النسبة (عذري) وهو اسم نسبة إلى القبيلة (عذرة) ليصبح دالا على الاتجاه الغزلي: فانتقلت من تعيين الشخص التاريخي بنسبته إلى القبيلة، إلى تصنيف الشخص الإبداعي بنسبته إلى اتجاه في الغزل، وبات عمر بن أبي ربيعة مقابلا في التصنيف الإبداعي والتاريخي لجميل بثينة.
هذه المقدمة مفيدة كي نقول إن ما سنذكره عن «رداء السموأل» سيختلط فيه النصي الإخباري بالنصي الإبداعي، اختلاطا من اليسير فك خيوطه المتشابكة بفعل التداخل المأساوي، بين تمثل الشخصية المبدعة والشخصية الإخبارية. ما عنيناه في العنوان برداء السموأل ليس رداءه التاريخي، الذي لم تفرده الأخبار بحديث، لكننا نعني رداءه الإبداعي، الذي ورد في قوله في طالع لاميته الشهيرة إذ يقول: (إذَا المَرْءُ لَمْ يدْنَسْ من اللؤمِ عِرضُهُ٭٭٭ فَكُل رِداءٍ يَرْتَديه جَميلُ). رداء السموأل ههنا هو أي لباس يلبسه من لم يكن لئيما، مهما كان هذا اللباس بسيطا، أو رفيعا. ليس مطلوبا من هذا اللابس، كما يمكن أن يفهم أن يكون ذا مروءة، بل يمكن أن يشمل أيضا العادي، بحكم أنه لم يدنس بالخسة أو الرذيلة. التقابل ليس ثنائيا بين العفيف ذي المروءة، والنجس ذي الرذيلة، التقابل استرسالي، كما يقال اليوم يمر من طرف سالب هو الرذيلة، وصولا إلى طرف موجب هو الفضيلة، مرورا بدرجة وسطى يشملها اللباس هي درجة من لم تتسخ يده بالرذيلة ولم تبيض كل البياض بالفضيلة.
مع رداء السموأل نحن إزاء رمزية استعارية تدرك فيها الأخلاق على أنها لباسٌ، هي طريقة في إدراك القيمة التي نحملها بشكل خفي، على أنها لباس يمكن أن يظهر.
الحقيقة أن السموأل يقول بهذا البيت قولا نقيضا، لما يردده بعض الدارسين المعاصرين، من بينهم بعض علماء النفس الاجتماعي، الذين يدرسون الأثر النفسي والعرفاني للباس؛ ونحن نسوق مثالا لهؤلاء آدام دانيال غالنسكي الأستاذ في جامعة كولمبيا إذ يقول: «من المعروف منذ فترة طويلة أن الملابس تؤثر في كيفية إدراك الآخرين لنا، وكذلك في الكيفية التي نفكر بها في أنفسنا». ويعرف هذا الاتجاه من التفكير اليوم باسم Enclothed Cognition وسوف نترجمه بـ(العرفان المُلبَس).
العرفان المُلَبسُ هو مصطلح صاغه جالينسكي بعد أن أجرى تجارب ميدانية حول علاقة اللباس بالمعالجة الذهنية عام 2012. بينت هذه التجارب أن للملابس تأثيرا على المعالجة العقلية للأشخاص، وعلى الطريقة التي يفكرون فيها، ويشعرون بها ويعملون بها، في مجالات مثل الانتباه، أو بناء الثقة أو التفكير المجرد. وفي دراسة بعنوان «النتائج العرفانية للباس» أنجزتها مجموعة من الباحثين الأمريكيين في جامعة كولمبيا عام 2015، ما يفيد أن الملابس الرسمية يمكن أن تعزز المعالجة العرفانية المجردة للبشر، وأن الملابس التي يرتديها المرء، تؤثر في الإدراك على نطاق واسع، وعلى أسلوب المعالجة الذي يمكن أن يغير للمرء الكيفية التي بها يفسر الأشياء، ويفهم الأشخاص، ويتعامل مع الأحداث. بناء على هذا فإن العرفان الملبس يقودنا إلى أنْ نسلم بنتيجة عكسية للتي وردت في بيت السموأل: أن نوع اللباس هو الذي يصنع القيمة، أو الشعور، أو رد الفعل وليس العكس. بعبارة أخرى لنوع الرداء الذي يضعه السموأل، تأثير في العمليات النفسية التي يرتديها، وهذا يعني في رأي أصحاب عرفان الملبس، أن هناك عاملين مستقلين لكنهما متفاعلان يقوداننا إلى التسليم بهذه النتيجة: رمزية اللباس من ناحية والتجربة الجسدية التي للابس عند ارتدائها. رمزية اللباس لا يمكن أن نترجمها ههنا كما ترجمها رداء السموأل الأخلاقي، رمزية اللباس أن تكون لك أنت الفرد لباس طائفة ما تنتمي إليها، وهذا الرداء يؤثر في سلوكك. فمتى وضعت أنا المدرس الميدعة البيضاء، تصرفت وفق ما يقتضيه لباسي، وبالتأكيد سأكون معالجا الوضعيات والأشياء بضغط من ذلك اللباس. رمزية اللباس في هذا المعنى ليست هي رمزية اللباس في رداء السموأل: رمزية هذا الرداء أنه يتوارى، وتقل قيمته بالنسبة إلى رداء آخر مجرد هو رداء القيمة. في رداء السموأل طبقتان طبقة ظاهرة: الرداء الفعلي تصرفك، إلى طبقة أعمق هي طبقة الرداء المجرد أو القيمي.
مع رداء السموأل نحن إزاء رمزية استعارية تدرك فيها الأخلاق على أنها لباسٌ، هي طريقة في إدراك القيمة التي نحملها بشكل خفي، على أنها لباس يمكن أن يظهر. هي إدراك لتجربة مجردة بوسائط التجربة المادية الملموسة، وهذه طريقة في الإدراك تجعل المرء العاري من اللباس كالمرء العاري من القيمة.
لكن اللباس والقيمة يمكن أن يتواشجا لا عند اللباس، بل عند نزع اللباس أو تخفيفه. حين ينزع المرء لباسه يمكن أن يقرأ على أنه عودة إلى الطبيعة الأولى طبيعة اللارداء، لكن يمكن أن يقرأ على أنه تمرد على أخلاق الستر، التي هي أخلاق إخفاء العورات. طالما كان لنزع اللباس، أو التخفيف منه بعد قيمي يعطي للآخرين إمكانا لقراءة عمقك النفسي والأخلاقي. التخفيف من اللباس (النساء بالأساس) أو التثقيل منه ما يزال يقرأ قراءات تحوم حول العفة والتهتك؛ في رداء السموأل تحرر اللباس من رمزيته الأخلاقية، ليصبح استعاريا وبعبارة أخرى تحرر الرداء فصار طريقة لإدراك الأخلاق، بعد أن كان مدخلا إليها أو علامة عليها تهتكا أو تخلقا: نحن إزاء شكل آخر من تلبيس العرفان : هو أن اللباس لا يؤثر في الإدراك بل هو طريقة في إدراك ذواتنا. بعبارة أخرى ليست الأرواح أوعية للأخلاق هذا سائد؛ لكن الثياب وعاء للأخلاق.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية