‘زابروجيا’… مدينة تنام بعين مفتوحة

حجم الخط
3

كييف ـ من صادق أبو حامد: قبل أن يكون للأوكرانيين الانتشاء بانتصار ثورة الميدان والإطاحة بفيكتور يانوكوفيتش، هبت عواصف تهدد وحدة الأراضي الأوكرانية محولة فرحة الإنجاز إلى لحظة تحدّ، وكأن خبطات ‘الميدانيين’ على أرض ساحة الاستقلال كانت تحدث شرخاً في الجغرافية الأوكرانية، الشرخ الذي لم يندمل يوماً، ومازال التاريخ يغلي في عمقه منذراً بالانفصال.
لم تستقر أوكرانيا الدولة على حدودها الحالية سوى قبل بضعة عقود، بعد قرون طوال من عراك الجغرافيا مع التاريخ، تقاسمت أراضيها خلالها الاتحاد السوفييتي وروسيا القيصرية وبولندا والنمسا والدولة العثمانية، وتبدلت تركيبتها السكانية نتيجة الحروب وعمليات التهجير الجماعية، وإن كانت غالبية الشعوب التي عاشت فيها تنتمي أساساً إلى القبائل السلافية. مشهد نجده في الكثير من الدول التي تقاسمتها القوى الاستعمارية لفترة طويلة، والتي بدأت المشاعر القومية فيها قبل زمن من تكوين الدولة الأمة، لتأتي الدولة فيما بعد قليلة التجانس، تتصارعها الانتماءات الداخلية والخارجية، ولا تتناسب حدودها الجغرافية مع حدود المنتمين إلى قوميتها، ما يجعل من الحدود أشبه بخطوط هلامية قابلة للتبدل عند أي اهتزاز عنيف. الدول التي واجهت تحدي ما بعد الاستقلال، والتي نراها بالعشرات في آسيا وإفريقيا، غالباً ما فشلت في إعادة تكوين الدولة الأمة، وغالباً ما كان الفساد والمحسوبيات وانعدام المشاركة الديمقراطية وغياب حكم القانون عوامل تزيد في شروخها الأصلية، وتحول دون بناء المواطنة التي لربما كانت الطريق الوحيدة لصناعة انتماء وطني متفق مع حدود الوطن.
الوطن واحد.. والانتماءات عديدة
في معمعة الجغرافيا الرجراجة تلك، ظلت المناطق الشرقية والجنوبية في أوكرانيا مناطق نفوذ روسية، فهنا يشعر الكثيرون بالانتماء إلى الأصل الروسي، ويتحدثون الروسية، ناهيك عن ارتباطهم الاقتصادي بروسيا، ووقوعهم فعلياً تحت السلطة الروسية، ثم السوفييتية الروسية، لعدة قرون، بينما لم تخضع مناطق غرب أوكرانيا لهذا الحكم طوال تاريخها إلا اعتباراً من عام 1939. من هنا لم يكن غريباً أن تنتخب المناطق الشرقية باستمرار السياسيين الأقرب لموسكو، وأن تشكل الخزان الانتخابي لحزب الأقاليم والرئيس المخلوع يانوكوفيتش. ولم يكن غريباً كذلك أن تكون المرجعية الشعبية لأنصار الميدان، وغالبية الفاعلين فيه، والأحزاب السياسة الداعمة له، مركزة في غرب أوكرانيا، وأعداؤهم هم بشكل ما يعيشون في الشرق.
صحيح أن فساد يانوكوفيتش وبطانته كان موضع انتقاد من قبل جميع الأوكرانيين، وأن حركة الميدان في بدايتها نالت تعاطفاً من قبل غالبية الأوكرانيين، لكن التاريخ الفاسد للمعارضة، التي كانت تحكم قبل سنوات فقط، لم يجعلها تحظى بقبول الأوكرانيين كبديل واعد لسلطة نظيفة، وسرعان ما استطاع أعداء الميدان استخدام حضور ونفوذ القوى اليمينية المتطرفة في الميدان إعلامياً ليشوهوا ما يمكن اعتباره في الخارج ثورة شعبية نظيفة، ناهيك عن الخطاب السياسي المنحاز لقادة المعارضة، والذي حاول استثمار مشاعر غرب ووسط أوكرانيا في وقت همش كلياً سكان الشرق، ولعل الخطأ الأكبر الذي ارتكبته المعارضة كان التسرع في إلغاء قانون لغات الأقليات فور استلامها الحكم. القانون الذي كان يمنح الحق باعتماد لغة محلية إذا تجاوز الناطقون بهذه اللغة نسبة العشرة في المئة من السكان، ومن ثم كان قرار البرلمان بإلغائه يمثل بالنسبة إلى الشرق ذي الأغلبية الناطقة بالروسية إعلان حرب عليهم.
هذا التوتر السياسي، وتلك الأخطاء القاتلة للمعارضة التي أصبحت سلطة، ستبقى في خلفية المشهد إلى حين، وستعمل روسيا التي تملك ألف ورقة وألف ممر على استثمارها بالحد الأقصى، بينما سيحاول الحكام الجدد ومن خلفهم الغرب استيعاب التدهور قدر المستطاع. غير أن الأكيد الآن هو أن غالبية الشعب مازالت بعيدة عن الفعل السياسي، وهو ما يضع توصيف الحدث الأوكراني بالثورة موضع تشكيك. فالناس هنا لا تجد سبباً للتحرك أمام تاريخ طويل من الخيبات، ولا تجد قادة تثق بهم بعد سنوات من الكذب السياسي، لكنها ستبقى متحفزة للانفجار إذا ما تجاوز أحدهم ومس بالانتماءات العتيقة، قومية كانت أم دينية، أو على الأقل إذا نجح أحد ما في ترويج دعاية بأن الانتماء اللاعقلاني المقدس بات مهدداً.
زابروجيا.. لينين الذي كان.. بوتين الذي سيكون
في جنوب شرق أوكرانيا تعيش مدينة زابروجيا، الساكنة على ضفتي نهر الدنيبر، تلك الحالة السابقة لانقطاع الوتر الحساس، تغمض عين الحمل بطمأنينة، وتفتح عين الذئب المتربصة. المدينة التي تحكي شوارعها قصة الحنين إلى السوفييت الذي جعل منها مدينة صناعية وعامرة، تنام على رتابة خيباتها المتراكمة. لا شيء يبدو واضحاً بالنسبة إلى الناس هنا خارج دائرة عيشهم المعتادة. الضجيج الذي ملأ ساحة الاستقلال في كييف منذ أشهر، وصل القليل من أصدائه إليهم من خلال حراك بضع مئات في المدينة مع هذا الطرف السياسي أو ذاك. باستثناء ذلك لم يكن هناك ما يوحي بالعاصفة، ولا ما يدعو إلى القلق. لكن سقوط يانوكوفيتش وطبول الحرب التي بدأت تقرع على الحدود القريبة مع روسيا، وأصوات المتشددين التي تحفر خندقاً بين شرق وغرب البلاد، لم تترك للمدينة أن تكمل حلمها بسلام، ونثرت حفنة من علامات الاستفهام في أفق المستقبل.
ليس هناء العيش ولا رغد الرفاهية ما يجعل سكان المدينة قليلي الاكتراث بالسياسة، فالمدينة الصناعية التي تعد نحو ثمانمئة ألف نسمة تشارك الأوكرانيين جميعاً هموم الفساد والبطالة والفقر، لكنها تشارك بقية المواطنين أيضاً عدم ثقتها بالطبقة السياسية، فبين من يحكم الآن ومن كان يحكم البارحة الكثير من الخطابات الرنانة، أما حبل الفساد واستثمار أوجاع الناس فهو دائماً واحد. لذلك تبدو المدينة هادئة الأجواء، رغم سحُب الإشاعات الذي بدأت تشوب سماءها: القوات الروسية ستحتل المناطق الشرقية، القوات الروسية ستحمي ذوي الأصول الروسية، جماعات موالية لموسكو ستقتحم المجلس البلدي، رئيس البلدية سيُجبر على الاستقالة، مجموعات من غرب أوكرانيا ستحاول تحطيم تمثال لينين…
إشاعات تملأ جميع الأفواه، حتى تلك المتثائبة باللامبالة، لكنها لا تثير طاقة للتحرك إلا لدى القلة: عشرات يتجمعون أمام غرفة تجنيد المدينة ويستعدون لحماية معسكر الجيش القريب منها، عشرات يحتجون أمام البلدية صباحاً للمطالبة بحماية تراث البلاد وعدم التعرض لتمثال لينين أو لأي رمز بات جزءاً من تاريخ المكان، وفي المساء يحتج عشرات آخرون ضد الحكم الجديد ويطالبون بحماية روسيا وبالوحدة بين دول الشعوب السلافية، ولا بأس هنا من إقحام كازاخستان طالما أنها أحد أعمدة الاتحاد الجمركي الذي صنعه فلاديمير بوتين. وعشرات في الجانب الآخر يتحصنون أمام مجلس الإدارة المحلية تحسباً لهجوم أنصار موسكو، بينما يخيم أقل من عشرة أشخاص قرب تمثال لينين الذي يطل على جسر لينين الممتد من شارع لينين والمحاذي لسد لينين الذي يحجز بحيرة لينين، وعندما تسألهم لماذا يتركون عملهم وبيوتهم ويقيمون في خيم باردة، يجيبونك بصوت واحد: إننا ندافع عن تاريخنا. التاريخ الذي كان له أن يختصر سابقاً في اسم لينين، ولا يصعب أن يختصر حاضراً في اسم فلاديمير بوتين.
إشاعات عابرة.. وأخطار حاضرة
لم يتحقق أي من الشائعات في هذه المدينة، فالسياسة أقل قيمة هنا من أن تحرك الآلاف. حتى رئيس البلدية الذي أخبرنا أن هناك احتمالاً واقعياً بأن يصوت مجلس البلدية ضده، بدا هادئاً ومتقبلاً لأي تغيير. رئيس البلدية الذي تحميه أصوله الكورية من جدل الهوية بين الأصول الروسية والأوكرانية، يقال عنه إنه يبدل حزبه كما يبدل قميصه، لكنه يعلم أن شيئاً لم يتغير في أوكرانيا، وأن سقوط يانوكوفيتش في كييف وتحول حزبه ‘حزب الأقاليم’ إلى المعارضة، لم ينعكس على بلديته، فالغالبية في المجلس البلدي هنا، كما في كل مدن الشرق، مازالت من ‘حزب الأقاليم’، الحزب الذي أصابته لعنة يانوكوفيتش، لكنه مازال حاضراً على الأرض.
لم يتحقق أي من الإشاعات لكن القليل الذي يتراكم بحراك القلة بدأ يرسم على أرصفة المدينة السؤال الحذر: ‘شيء ما يحدث في المدينة!’. شيء ما يحدث في جميع الأقاليم الشرقية، ليس فقط المظاهرات المتعارضة للعشرات في هذه المدينة، والمئات أو الآلاف في مدن أكبر، بل أن الانقسام الذي ذكّرت به السياسة، ووسع هوته الاقتصاد، بات يستحضر مبرراته من عمق التاريخ، بين شرق وغرب، روسيا وأوروبا، أرثوذكس كنيسة موسكو في وجه أرثوذكس كنيسة كييف والكنيسة الكاثوليكية الشرقية. انقسام يستحضر مكامن الخلاف وينفخ طاقة من الفتنة في الحكايات المنسية، بينما تقف الدول الكبرى على الجانبين مهللة للاحتراب، وراشة الملح فوق الجراح القديمة، تاركة لنفسها متسعاً للتفكير ملياً: ‘من أين تؤكل الكتف؟’.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية