إن أي حقل علمي ـ مهما كان ميدان الحقيقة الذي يعالجه ـ يملك لا نهائية من الفرضيات والقوانين والأنظمة والمقولات، التي بها تتطور العلوم وتتغير في ما تؤلفه وتستند إليه. وفي النقد مثلاً تغدو أي نظرية عبارة عن بناء أو استكمال لمنجز أو منجزات قبلها، ضمن الميدان الذي تهتم به وتتخصص فيه، مطورة في الوقت نفسه نظاما خاصا بها من المفاهيم والفرضيات، يسمح لنظريات غيرها أن تشاركها أو تعارضها أو تستمد منها سمات وروابط ووجهات هي بدورها تسمح لغيرها أن تبني منظورات ورؤى على ما بنت، أو تفند ما أثبتت كماً ونوعاً. وبهذا البناء والاستكمال تتراكم النظريات والمدارس والمناهج والمصطلحات، والاتجاهات والمفاهيم، مؤلفة بمجموعها ذخيرة مستمرة تمدُّ النقاد بالمستحدث والمستجد.
وتعد نظريات الصوت بكل أسسها الفكرية ومجالاتها التطبيقية، إحدى المجالات المعرفية لعلم الصوت أو الصوتيات أو السمعيات، القابلة للتطور فلا تستقر عند فرضية ميكانيكية معينة ولا تركن إلى رؤية فيزياوية مما يتعلق بهندسية الصوت طولا وقصرا، أو خفة وغلظة، أو سرعة وبطئا، أو اهتزازا وتموجا وصدى، وما ينجم عن ترددات الصوت الفيزياوية في الفضاء من نظام أو أنظمة. وبوجود قانون أو قوانين لنظام الصوت أصبح من الممكن إيضاح البنية الصوتية في إنشاد الشعر وإلقائه، وجمالية التموسق الناجم عن انتظام الكلمات حركة وسكونا.
وما وضعه القدماء من نظريات إنما هو خلاصة التجارب العلمية والعملية في تحليل الكلام، وبيان ظواهره الصوتية، لاسيما الكلام الشعري، سواء على مستوى المحتوى الداخلي للقصيدة كنبر وجرس وإيقاع، أو على مستوى الإطار الخارجي كموسيقى جملة نابعة من توافق التفعيلات وانسجامها.
وتتسم دراسة قوانين الصوت في تحليل الشعر، بتنوع النظريات، فللبنيوية مثلا نظرية في نظم الشعر تقوم على الإيقاع من ناحية وحدة الشعر العضوية ومن ناحية هيمنة صياغة ما عليه. فلم يعد الشعر وزنا وقافية إنما هو مجموعة من القوانين الصوتية التي تشتمله بالعموم شكلا ومحتوى. ومن ثم تكون إيقاعيته وليدة تناوب يتعدى الحساب الزماني للحركات والسكنات، إلى الانتظام المكاني في العناصر المكونة للغة الشعرية عامة وبنائية تكوين السطر الشعري خاصة، تقدما وتأخرا؛ توافقا وتضادا، نفيا وإثباتا، أفرادا وجمعا، اختلافا وتكرارا.
والبحر في الشعر هو أكثر تخصيصا بتحديداته الزمنية وحركة الأصوات داخله، بينما الإيقاع أعم وأوسع من ناحية روابط كل صوت مع ما قبله وما بعده ودينامية حركة الأصوات بمجموعها وتنوع مرونتها التي تجعل بإمكان المقاطع الخالية من النبر أن تتمازج مع المقاطع النبرية مؤلفة إيقاعات تُفضي إلى الشعرية. وهذا الذي تذهب إليه النظرية البنيوية هو خلاصة تراكم نظري سابق، لكنه أيضا فاتحة نظر علمي لاحق، ربما هو مخالف، وربما هو مطور لمتعلقات النسيج اللغوي للشعر وطبيعة تحديد ماهية هذا النسيج.
والبحر في الشعر هو أكثر تخصيصا بتحديداته الزمنية وحركة الأصوات داخله، بينما الإيقاع أعم وأوسع من ناحية روابط كل صوت مع ما قبله وما بعده ودينامية حركة الأصوات بمجموعها وتنوع مرونتها التي تجعل بإمكان المقاطع الخالية من النبر أن تتمازج مع المقاطع النبرية مؤلفة إيقاعات تُفضي إلى الشعرية.
وبالتركيز على النسيج اللغوي للقصيدة تغدو النظرية الصوتية بالنسبة لها تقدمية أو تطورية، من ناحية ابتنائها الإيقاعي على الصرف والنحو، وما يتشكل من خلالهما من دلالات هي ليست خالية، من الصوت وليست مشوشة بسبب انتظامية البناء النحوي الذي يفترض لحركة الأصوات وسكناتها أن تكون مضبوطة وفق قاعدة ما. ومن ثم يغدو توظيف الكلام في القصيدة موقعَّا بشعرية ما يتولد عن الانزياحات الأسلوبية من دلالة أولا، وما تؤديه هذه الدلالة ثانيا من دور وظيفي في التأثير الجمالي تماسكا ووحدة.
إن الانتظام الدلالي في ما يقوله الشاعر، وما يريد توصيله للقارئ هو المهم في أي قصيدة؛ ولعل أهم مؤشرات هذا الانتظام القدرة على تصوير ما هو فكري، وما في هذا الفكري من تماسك إشاري في الترميز تخييليا إلى ما هو واقعي، وبالشكل الذي يجعل للكلمات التي يختارها الشاعر أثرا مهما في إكساب القصيدة قدرة توصيلية للمحمول الفكري الذي تطرحه، دون أن يكون العامل الزمني محوريا في صياغة النسيج الشعري الذي له في وعي الشاعر حضور يتجلى في الدلالات التي تحملها الجمل الشعرية، التي تعدت منطقة الصوت إلى منطقة الدلالة، وفيها صارت الصورة غالبة على الموسيقى المتنحية عن مكانها للإيقاع بكل ما يعنيه من توقيع وتدوير وتجانس وتكرار وتوازٍ.
وهذا التجاوز هو في عرف نظرية العبور الأجناسي تخطٍ تلقائي من السماع بالإذن إلى القراءة بالذهن عبر العين، وما دام لا وجود في الشعر لكلمات شعرية وأخرى غير شعرية بالعموم فبالإمكان شعرنة أي كلمة مقروءة بمجرد إلباسها حلة دلالية معينة تعبر بها عن أمر ما. وليست الحالة الشعرية سوى إحساس حالم بمعاني الكلمات التي فيها، ومن خلالها يتحقق التعبير الموضوعي بكل ما فيه من إبداء للمشاعر وكشف عن المواقف.
ومن ثم لا نتحدث في تحليل الشعر عن فكرة إيقاعية، لكننا نتحدث عن إيقاع فكري، إذ ليس المراد من جوهر الشعر أن تُحدد موسيقى بحر عروضي معين تفعيلات الأسطر وأصوات حروف كل تفعيلة، وإنما المراد تحديده هو تعاقبية الصور وانزياحات الألفاظ وما ينجم عنها من دلالات ومعان.
إن الشعر هو فن التعبير عن العواطف والرؤى بالصور التي هي وسيلته كما هي غايته، ويمكن للدلالة أن تعطي للصور شاعرية، أيا كان الصوت متشكلا بالاستماع ام منتظما بالنظر. والانتظام بالنظر يعني ألا نحسب للإلقاء السماعي والحفظ الشفاهي حسابا في الإبداع الشعري، ولهذا دوّنت الملاحم التي تألفت من مئات المقاطع، ولكل مقطع تشكله النظامي ومن مجموع المقاطع تنتظم الأسطر متنوعة داخل النسيج الشعري. أما العرب فحسبوا للانتظام كالقاء سماعي وحفظ عن ظهر القلب حسابا، وبذلك حُفظت القصائد في الصدور، وتنوقلت مروية بالمشافهة اعتمادا على تناسق الأصوات، ومن ثم لم يحتاجوا إلى تدوين قصائدهم التي تراكمت مخزونة داخل ذاكرة جمعية لا واعية، إلى أن ظهر اللحن في الكلام. ومن أجل تقعيد قواعد اللغة بالعموم، صار ضروريا جمع قصائد العرب التي قيلت في الجاهلية وما بعدها، وتم بالفعل تدوينها ما بين القرنين الأول والثالث للهجرة. وفي أثناء عملية الجمع والتدوين تنبه بعض علماء الشعر إلى بنائية القصائد الطويلة منها والمقطعات القصيرة فتوصلوا إلى محصلات نقدية تتعلق بالعملية الشعرية من ناحيتي بنية القصيدة الموضوعية وبنيتها الصوتية، فكشف الفراهيدي عن نظام خاص سُمي بالعروض كعلم فيه القصيدة خيمة أساسها العمود ومقوماته البيت الشعري المؤلف من صدر وعجز وأوتاد وأسباب، وقد تعتريه زحافات وعلل والحركة داخل البيت هي موسيقاه المؤلفة من بحور سميت حسب نسقية حركة الأشياء في الصحراء من طول وبسط واكتمال وخبب وحداء ورجز ورمل وهزج، الخ. وقد تضاءل الاهتمام بمنبرية القصيدة العمودية وأفل نجم إلقائها الجهوري كما قلت فرص تلقيها الشفاهي بعد أن صعد نجم التلقي القرائي الذهني. وغدت قصيدة النثر الأكثر تلاؤما واستقبالا لهذا الصعود. بسبب عابرية إمكانياتها للشكل والمعنى دالا ومدلولا ومتاحات قالبها في الضم والاحتواء والتجسير زمانا ومكانا.
وبهذا الأفول تراجعت مقولة إن الشعر فن زماني، بعد أن فُندت بعض فرضياتها، وصارت مقولة إن الشعر فن زمكاني مقبولة قبولا يفرضه بطلان الفصل في النسيج اللغوي للشعر بين ما هو زماني وما هو مكاني.
كاتبة عراقية