الفنانة الأمريكية هارييت هوسمر
بعد سلسلة من السلوكيات والمغامرات، التي لم تخضع لأي ناظم اجتماعي، وهو ما أدّى حينها إلى لَغَطٍ كبير في (ووترتاون) وبالتالي طَرْدها من المدرسة، نُقِلَتْ الطالبة هارييت هوسمر من مدرستها الأولى (في ووترتاون، ماساتشوستس) إلى مدرسة في لينوكس، ماساتشوستس/ الولايات المتحدة. كان الجميع يصفها بالمُسترجلة، لأنها لم تعتذر لأحد عن سلوكياتها التي دائماً ما فاجأت زميلاتها في الصف وإدارة المدرسة، بل حتى جيرانها في الحي.
استقبلتها السيدة إليزابيث سيدجويك مديرة مدرسة لينوكس بعبارات متلاحقة: «مرحباً بكِ في لينوكس، أنا مشهورة بتدريب المُهور البرية، وسأحاول ذلك مَعكِ!».
في الحقيقة نجحت السيدة إليزابيث في ذلك بعدما أدركت أن تلك الفتاة ليست طالبةً عادية بل مشروع فنانة واعدة، وهذا ما فسر صداقتهما الوطيدة التي دامت لسنوات. كانت السيدة سيدجويك معجبةً بتلك الشخصية المتمردة فعملت على محو الخط الأحمر تحت اسمها وإخراجها من «قائمة الشَغَب» لتكمل دراستها في مدرسة لينوكس، وتتخذ قرارها بدراسة النحت، وتتميز في تشكيل الفن ذي الأبعاد الثلاثة فَتُصَنَّف بعد ذلك كواحدة من أبرز نَحّاتي القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة.
روما، جون جيبسون، بياتريس سينسي ورسالة إليزابيث باركس

منحوتة بياتريس سينسي
بتشجيع ودعم من والدها، درست هوسمر مع نحّات في بوسطن، لكنها سرعان ما أدركت الحاجة إلى معرفة شاملة بالتشريح البشري، فتوصلت إلى اتفاق مع والدها على ضرورة السفر إلى أوروبا، وتحديداً إلى روما، لإغناء معارفها في اكتشاف أدق التفاصيل المتعلقة بتقنيات فن النحت، واكتشاف جماليات هذا الفن العريق.
كانت في الثانية والعشرين عندما وصلت إلى روما، هناك التقت بالفنان والنحّات الويلزي المهم جون جيبسون، وبدأت بصقل موهبتها من خلال إشراف وتشجيع ذلك الفنان الذي ساندها وزوَّدَها بأصول الفن الروماني المبني على التذوق النقي أولاً، قبل الشروع بأي عمل فني. ويبدو ذلك جليّاً في عملها المهم «بياتريس سينسي». يقول لها جون جيبسون في (رسائل وذكريات) التي أرسلها لها في أيلول/سبتمبر 1858): «سوف تتميزي، أنا متأكد من ذلك، موهبتُكِ واضحة، ولديكِ حماسٌ كبير وتلك الصنعة الضرورية للغاية، وأيضاً تلك الميزة العظيمة للقدرة على تَعَلُّم الفن الروماني… هناك في تلك المدرسة حيث نتعلم مبادئ الذوق النقي.. نعم، هناك العديد من العقبات في طريق الشهرة، ولكن للتغلب عليها وإنتاج أعمال رائعة يجب أن يكون لدينا هدوء البال.. الحاسدون لا يستطيعون أن يكونوا سعداء ولا الأشرار، يجب أن يكون لدينا سلامٌ داخلي لنتمكن من إبداع الأفكار الجميلة».
عُرض «بياتريس سينسي» كأول عمل رئيسي لهارييت هوسمر سنة 1857، بتكليف من المكتبة التجارية في سانت لويس/ معرض الأكاديمية الملكية. وتُصَوِّرُ المنحوتة التي أبدعت هوسمر في إنجازها شابةً إيطالية نائمةً في زنزانتها عاشت فقط اثنين وعشرين عاماً (1577- 1599) قبل إعدامها بتهمة قتل والدها الغريزي الذي اغتصبها وتعامل بوحشية معها ومع أسرتها. حصل العمل على شيء من المراجعة المُسبقة في مقال بعنوان «السيد جون جيبسون وملكة جمال هوسمر» الذي نُشِرَ في الصفحة الخامسة من صحيفة «ديلي نيوز» بتاريخ الخامس من شباط / فبراير 1857 في هذا الوقت تقريباً، التقتْ الكاتبة بيسي راينر باركس بهارييت في روما، وسجّلت انطباعاتها عن النحاتة البالغة من العمر 27 عاماً: «إنها أطرف مخلوق صغير. ليست خشنةً على الإطلاق، ولكنها مثل صبي صغير، لم أرَ أبداً شخصاً بريئاً ولا حتى غريب الأطوار مثل هارييت، إنها تدير حواراتها على مبدأ «لذا ذهبتُ إلى الحديقة لقطع ورقة ملفوف وإعداد فطيرة تفاح!». تعيش هارييت مع سيدة فرنسية عجوز، لكنها تتصرف دون أخذ التعليمات من أحد، ولا يتم التسامح معها حسب، بل يتم تَبَنّيها بالفعل من قِبَلِ السيدات المتزوجات في روما، وكذلك من قِبَلِ جميع الفنانين. شَعرُها مُجعَّدٌ قصير، جبينها عريض للغاية، وترتدي قبعةً سوداءَ وريشاً صغيراً في كل مكان وتدير حفلات موسيقية، تستدير بتنوراتها الداخلية بسهولة غير عادية ويوحي بنطالها بأناقة لا تخضع للقوالب الدارجة، ولكن النقطة النهائية والأكثر تسلية من كل شيء هو خصرٌ صغيرٌ للغاية، وهذا غريب بالنسبة لشابة تعمل في النحت، جميع سُتراتها ضيّقة وأنيقة تماماً، وعندما تضع قبعة نحاّت مخملية على شعرها المُجَعَّد، تضع يديها الصغيرتين في جيوب صغيرة، حضورها كُلُّه غريب الأطوار بشكل لا يُقاوَم (رسالة إليزابيث باركس ، 21 إبريل/نيسان 1857).
«زنوبيا الأسيرة» وقصيدة ماري إليزابيث ماكغراث بليك

منحوتة زنوبيا الأسيرة لهارييت هوسمر
(هاتي) كما تحب أن يناديها الجميع، والتي غالباً ما تُوَقِّعُ خطاباتها برسم قبعة، هي أول النحاتات شُهرةً بتمثالها الرخامي (زنوبيا الأسيرة) الموجود حالياً في متحف الفن في سانت لويس في الولايات المتحدة، التي تبدو فيه ملكة الأنباط وأشهر شخصيات القرن الثالث الميلادي بلباسها الرسمي كملكة، غير آبهة بالسلاسل الرومانية، رافعةً يدها اليسرى بقَيدها إلى أعلى كرمز للقوة، وبقدمين قويتين، أرادت هوسمر من خلالهما بث الروح الواثقة المؤمنةً بتاريخها، متسلحةً بوقار مَنْ قَلَّت أخطاؤهُ وصدَقَ مع نفسه وشعبه. قرأت هارييت هوسمر العديد من الروايات الأدبية والتاريخية التي رَوَتْ سيرة الملكة السورية، وذلك لبناء تمثيلها المرئي. وقد اعتمدت على تاريخ أوغسطان، ورواية ويليام وير «رسائل لوسيوس بيزو»، لتطوير تمثال زنوبيا، لدحض الروايات الذكورية عن الملكة، تلك الروايات التي تؤكد أنها كانت «مُزيَّنةً بالمجوهرات والسلاسل الذهبية والتي صُمِّمتْ أثناء أسرِها، إذ تقول الروايات الذكورية إن هذه المرأة، رغم شجاعتها، توقفت كثيراً تحت ضغط ثقل الحِليّ على حركتها، قائلةً إنها لا تستطيع تَحمُّلَ ثِقَل الأحجار الكريمة في سيرها أمام الحشود الرومانية التي كانت تتلهف لرؤية ملكة ملكات الشرق -على حد قول هوسمر نفسها- ومع ذلك، فإن تصوير هوسمر لا يُعير انتباهاً لهذه الأوصاف الخاصة بالملكة، فأثناء نحت تمثال زنوبيا قامت بالتقليل من السلاسل وحَصَرَتْها بالرُسغ فقط، وقامت كذلك بالتقليل من المجوهرات للوصول إلى ما هو ضروري للتعبير بشكلٍ كافٍ عمّا يدل على أنها ملكة، فأثناء نحتها للتمثال أظهرت (هاتي) أن الملكة لا تبدو ضعيفة ولا تتعثر وهي تتقدم بثقة إلى الأمام لتبدو في منحوتة زنوبيا حركة الملكة هادئة، رصينة وفي وضع نشِيط، تمسك بسلاسلها التي لم تكن أقوى منها، ما حدا بالشاعرة الأيرلندية الأمريكية ماري إليزابيث ماكغراث بليك بوصفها في قصيدة (زنوبيا) التي وثَّقت فيها هارييت هوسمر منحوتتها «زنوبيا الأسيرة»:
«مع سحابة على الوجه المثالي/ حزنٌ غامضٌ يحجب كلَّ ناره/ عالَم ٌمن العاطفة ينام على الشفاه/ وعيونٌ متدلية تخاطب داخل القلب/ سارت زنوبيا عبر روما/ هي لا ترى النظرات المتغيرة للشفقة أو الكراهية التي تنظر إليها بعيون غير مألوفة/ لا تسمع قعقعة عجلات العربة/ لأنها بعيدة ووراء التِبر الأصفر تتدفق من البحر الأزرق الذي يلف الشريط السوري».
لقد اختارت هارييت هوسمر إحياء زنوبيا بأبعادها الثلاثة وبإبعادِها عن مفهوم الضحية المهزومة، كما أراد أوريليان القائد الروماني الذي انتصر عليها وأَسَرَها، وأكثر من ذلك، أرادت هوسمر تجسيد قدرة الإنسان على تجاوز القيود التي فَرضَتْ الفيزيولوجية – كأمر واقع – لإيجاد صورة ظلية خارجة عن السلطوية من خلال أناركية الرخام اللامع، وبَلْوَرتْ علاقة الحب التي غالباً ما تنشأ بين الفنانة وموضوعها، لعرضها بشكلها الصريح وبهوامش مريحة وذاكرة جَمْعيَّة وَقِّعَ عليها حِبر الغرب والشرق.
كاتب سوري