صنفت بعض الروايات في تاريخ الرواية العربية كنموذج لقراءة العلاقة مع الغرب، منها «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، ويعتبر كتابه «زهرة العمر» بمثابة خطاب سردي ملموس لهذه العلاقة، باعتباره يقع ضمن السياقات الاجتماعية التاريخية التي توثق ذاتيا لموقف الحكيم من الغرب في رسائل تبادلها مع صديقه أندريه في عشرينيات القرن الماضي، وذكر الغيطاني أن «زهرة العمر» من أروع ما قرأ في كيف يتكون الكاتب.
عاد الحكيم إلى باريس في 1936 والتقى عائلة أندريه التي كانت تربطه بها علاقات متينة، وفي البيت أخذوه إلى المكتبة ليرى أحد كتبه مترجما إلى الفرنسية، مع مقدمة كتبها عضو في الأكاديمية الفرنسية، ثم أحضرا صندوقا وفتحه أندريه قائلا: «وهذه رسائلك عندنا نلمح فيها طيفك ماثلا أمامنا»، فامتدت يده رغما عنه إلى الصندوق مختطفا إحدى الرسائل، وأخذه الحنين إلى تلك الأيام التي أمضاها في باريس، ولم يكن، أندريه وجيرمين زوجته ليفرطا في تلك الرسائل فاقترحا على الحكيم أن يأخذها معه ويردها لهما حالما ينتهى من قراءتها، ولم يعدها إليهم إلا في 1938.
في التخلف عن الهوية والانبهار بالآخر:
تمثل هذه الرسائل شاهدا على علاقة جيل الانبعاث الثقافي العربي في النصف الأول من القرن العشرين، بأوروبا، وتأتي حسب الموضوع في قسمين، الأول يمثل الانبهار التام بأوروبا، بعاداتها وثقافتها واجتماعها، والقسم الثاني يكشف عن شيء من العودة إلى الذات والانفتاح على التراث العربي وكنوزه الفلسفية والأدبية.
في بعثته إلى فرنسا لإكمال الدراسة في القانون والحصول على الدكتوراه، راح توفيق الحكيم يعب من الثقافة الفرنسية والأوروبية في الفلسفة والفكر والأدب والمسرح والموسيقى، فافتتن في مرحلة أولى بها، وجعلها معيارا يقيس به كل تطور وتقدم، حتى إنه عد تركه أوروبا وعودته إلى بلاده «كارثة عظمى»، ويخاطب أندريه في إحدى الرسائل قائلا: «رسائلك تحمل إليّ في صحرائي نسيم أوروبا العظيمة»، وصْف مصر بالتصحر يعني خلوها من العقل والوجدان، و»العظمة» تكمن في حضورهما في فرنسا.
هذه الرسائل في تلك المرحلة من اهتزاز الهوية، مثلت الجسر الذي يحمل إلى الحكيم الفن، «أحذرك يا أندريه من أن تحرمني وأنا في مصر هذا الاتصال بألوان الفن»، وقد أتساءل كما يتساءل آخرون في استغراب عن هذه الدرجة من الاستلاب، لأن مصر لم تكن بهذا المستوى من الفقر الثقافي، فالحراك العقلي في تلك المرحلة كان ظاهرا، لكن ما لم يستطع الحكيم أن يراه هو خصوصية الثقافة العربية، النابعة من تاريخ يختلف عن مسار التاريخ الفرنسي في جذوره الأوروبية، ففي الموسيقى مثلا يرى «أن موسيقانا الشرقية وهي قائمة على الطرب والتأثير المادي لا تسترعي مني أي التفات. الواقع أن الموسيقى الأوروبية بناء فني ذهني»، إلغاء شامل وجذري للذات باعتبارها كينونة وجودية مختلفة، وانبهارا غير منطقي وإلغائي للاختلاف.
الهندسة الأدبية والميثاق الجمالي:
كان الحكيم في مرحلة باريس يكتب بالفرنسية كثيرا ثم يعرض ذلك على بعض المهتمين بالأدب والكتابة على العموم، فيرون في أسلوبه تكلفا ناتجا عن الكتابة من وحي حفظ البلاغة والصيغ التعبيرية، لكن كانوا يجمعون على أن «الحوار» هو أهم ما يميز تلك الكتابات، وسوف يعود الحكيم إلى هذه الخاصية الفريدة التي يتميز بها لينطلق منها في تفجير عالمه الإبداعي. آمن الحكيم بما يختلف به عما يتداوله الناس، ورد في إحدى رسائله: «شيء آخر أخالك لم تلتفت إليه هو طبيعتي التي تميل إلى عدم الأخذ بما يأخذ به الناس جميعا من أوضاع»، ومن هنا تأتي أهمية تنبهه إلى «الحوار» في كتاباته الأدبية، وهو ما سوف يقوده إلى التخلي عن الكتابة بالفرنسية في مخطوطاته الأولى والانكباب على عالم اللغة العربية وتراثها الأدبي والفلسفي. أيضا من هذه الناحية لم يفكر في إهداء حبيبته لا «ورودا جميلة ولا عطورا لطيفة» بل «ببغاء في قفص».
تعتبر الكتابة عند الحكيم طقسا يقوم على الفرادة، ومن ثمة كان يكتب ويمزق لأنه يعتقد بـ»منطق خاص، يحوي فروضا خاصة لا تخضع للمألوف من الآراء والمشاعر»، أي إن التفكير المنتج للإبداع يتشكل ضمن خيال يتعلق فقط بالذات المتخيلة والعارفة، بمناطق الاختلاف عن الآخرين في إنتاجياتهم المتخيلة. وفق هذا المنطق في الإبداع كان لا «يحب في الفن غير قوة البناء، وما يتبعه من قوة التركيز. وهذا هو سر عنايتي بالحوار التمثيلي في الأدب. نعم ذلك ما أسميه عاطفة الـ architecture»، ثم يخلص إلى «إني مهندس أدبي»، هذا التفكير في الإبداع بهذا النحو الصارم، هو الذي جعله مثلا لا يرضى في قصة «أهل الكهف» سوى بجزء، يعترف في رسالة لأندريه عن ذلك العمل الأدبي، «قرأته أو على الأصح قرأت حوار البطل والبطلة.. يا للمفاجأة! أأنا الذي كتبت هذا المنظر».
الإحساس بالجمال والفرادة، فيما يكتب الأديب لا يجعله بالضرورة متعجرفا حد التطرف في الانتصار لما يكتب دوما، لأن ذلك يصم آذانه عن الرأي المختلف في ما يكتب، والانصراف عن مادة النقد التي تجعله يكتشف ما هو مهم وذو معنى واتجاه في الأدب على العموم، وفيما يكتب على الخصوص، ولحظة الشعور بما هو جمالي في الكتابة والاندهاش الأول أمام اللوحات الأدبية هي شعور يتقاسمه كل الأدباء، سواء الكبار منهم أو المبتدئين.
إن الحكيم وهو ذو القدم المتجذرة في الثقافة الأوروبية والعربية، إلا أنه كان يكتب ويمزق، ما يعني بحثه الدؤوب عن شيء ذي أهمية، وكان متريثا في النشر، يتساءل: «أنا في شك يا أندريه. من أدراني أن فني يستحق النشر الآن؟ لم لا تقول أني متسرع»، فالتسرع مذبحة الكتابة، حيث الجمالية تكمن في ذلك الشيء الذي يداهم الكاتب ولا يشعره إلا وهو يتدفق من أنامله وفكره ووعيه صورا بلاغية، نحتا، أو رسما، أو موسيقى، أو لغة في عالم الواقع، هذا الإحساس هو نقيض التسرع الذي ي،قذف بأي شيء إلى القارئ مخترقا بذلك الميثاق الجمالي الذي يربطه به.
«عودة الروح» وتفاعلية المنجز:
عاد الحكيم إلى مصر بعد أن أخبر بتعيينه في القضاء، وأنه إن لم يحضر فستنقطع إعانة العائلة المالية، فرجع، وبعد انخراطه في العمل اعترف لأندريه: «إني في الفن كنت الفوضى. ولكني في عمل القضاء أنا النظام بعينه»، لا نفهم من الفوضى اللاتناسق مع ذاته الأدبية ولكنه يعبر عن افتقاده للحرية بفعل ضوابط العمل القضائي. في مرحلة الحنين إلى الفن في موطنه انفتح على التراث العربي وآثر الكتابة بالعربية، دون أن يفقد روحه النقدية، يصرخ في وجه أندريه عبر رسالة كأنها انتصارية للذات: «فليس الروس هم أساتذة القصة، ولا الإنكليز ولا الفرنسيون.. بل نحن بما لدينا من قرآن عرف القصص. وما خلقنا في مجتمعنا من أشباه عنترة وألف ليلة وليلة، وما وضعنا في لغتنا من مقامات تعد أساسا لفن الأقصوصة، لأحق من يزعم أننا أساتذة هذا الفن الروائي». إن العودة المظفرة إلى الذات تكثف في مضامينها الافتخار بما تنفتح عليه لأول وهلة بعد الظن ألا علاقة لها بأسباب الإبداع والخلق والابتكار، ولا أظن الحكيم وقف هذا الموقف فقط ليقول لحظة فورة وجدانية لابن ضال وجد طريقة إلى تاريخه، ها أنذا أطل من على تلة التراث عليكم، أنتم الذين لا تملكون ما نملك، ولكن قراءاته وانتقاله بين ضفتين للإبداع العريق وروحه النقدية جميعها، تدخل ضمن ما يعتقده ويراه. يجعل الحكيم التجاءه إلى الفرنسية ليس احتقارا للغته، ولكن كما يعترف لأندريه: «إنما هو الإصرار العنيف على أن أنتزع من باريس ما يقنعني بأني حقا قد أصبت من الأدب والفن شيئا»، إن عمق تجربة الحكيم قبل سفره إلى أوروبا ضمن مناخه الثقافي جعله في تفاعل دون وعي منه مع اللغة الفرنسية كعنصر ثقافي يبحث فيه عن إضافات ممكنة تفاعلية، بين ما يملك وما هو مقبل عليه، لأنه في خضم اكتشافاته لذاته العربية في تراثه، رأى أن الأدب العربي على ضعف بنائه وفقر قوالبه الفنية، وفق رؤيته، «كان غنيا في مراميه واتجاهاته» لأنه لم يهمل الحواس المادية وما تبعثه من سعادة إلى جانب المتعة الذهنية. إن هذه الرؤية لتنم عن وعي مستقل ونقدي نابع من التواصل الحضاري بين ثقافتين تشبع من مصادرهما، وحتى وهو يُعمل منظاره الصارم في الأسلوب المسجوع، الذي كتب به المويلحي الذي انتقل إلى فرنسا، لا يفتأ يُذَكر أندريه بأن ما آلت إليه الثقافة العربية كان بسبب المغول هادمي الحضارة، ويحيل إلى الجبرتي وما رواه من فظائع تلك المرحلة، مدللا على الانهيار الثقافي باللغة المتدنية التي كتب بها الجبرتي نفسه، وإنها «قد سقطت في ما سقط تحت سنابك جياد أولئك البرابرة!».
تعود الأمم في أزماتها إلى إضاءات الفكر في عقول مبدعيها لتقبس منها ما يمكنها من تجاوز عقبات العثرة الحضارية، ولعل مسار توفيق الحكيم يقدم إمكانات تفكير نقدي ومسار كتابة منقدة.
كاتب جزائري