مع توفيق الحكيم في كهفه: صحبة قطمير ويمليخا

كان توفيق الحكيم وطه حسين ونجيب محفوظ وغيرهم من كتاب مصر الأفذاذ، رفاقي طيلة المرحلة الثانوية والجامعية وما بعدها. وكانت للحكيم مكانة خاصة، فقد كانت مسرحيته «أهل الكهف» مقررة في برنامج البكلوريا أواخر الستينيات من القرن الماضي، وكان من حسن حظي، أنا الذي كنت أحفظ وأستظهر فقرات كثيرة منها، أن اقترحت علينا في دورة 1968؛ وبفضلها حصلت على عدد لم يكن أي منا يحلم به؛ وهو ما جعل أحد أساتذتي وهو الراحل صالح القرمادي يقترح توجيهي إلى شعبة العربية، بدل شعبة الحقوق. تذكرت الحكيم هذه الأيام، وأنا أقرأ خبر الفيلم السينمائي «أهل الكهف» المأخوذ من مسرحية الحكيم، بإخراج وليد منصور، وبطولة كوكبة من كبار الممثلين المصريين. وليست هذه المرة الأولى التي تقتبس فيها السينما المصرية الجادة نصا أدبيا للحكيم، فقد أخرجت من أعماله: «رصاصة في القلب»1944 و«الرباط المقدس» 1960 و«الأيدي الناعمة» 1963 و«طريد الفردوس» 1965« وحكاية وراء كل باب» عن مجموعة من قصص قصيرة له 1979 «وعصفور من الشرق» إخراج يوسف فرنسيس إنتاج عام 1986 وظهر فيها توفيق الحكيم بشخصه. على أن ما يعنيني في السياق الذي أنا فيه، هو مرجعية الحكيم في هذه المسرحية؛ فلا أحد في حدود علمي دققها أو فصل القول فيها، والكل يقتصر على السورة القرآنية؛ وهي لا شك مما استأنس به في نصه. وأقدر أن الحكيم اعتمد كتب السيرة والتفسير، وربما مدونة كمال الدين الدميري «حياة الحيوان الكبرى» وهي مدونة غنية إمتاعا ومؤانسة، سار فيها صاحبها على منهج رتب فيه أسماء الحيوان، حسب حروف الهجاء فجمع في أبحاثه بين العلم والأدب والحقائق والأوهام والقصص والتاريخ والفقه الإسلامي.

فينبغي عدم التقيد حصرا بالمصنفات التي تعلن صراحة كونها قصصا حيوانية؛ وإنما يتعين أن نطارد الحيوانات في بطون مؤلفات تتناول الحيوان لأغراض معرفية غير غرض السرد الأدبي، لكنها تتوسل به؛ إذ تتحرى عن أسرار حياة الحيوان. ويحسن أن تلتفت الأعمال الفنية، مثل هذا الفيلم الذي لم ير النور بعد، إلى النص الديني، وإلى النص العلمي ونصوص ابن الهبارية وابن عربشاه والمعري، وإلى النص الفلسفي «رسالة تداعي الحيوانات على الإنسان» و«حي بن يقظان» لابن طفيل و«منطق الطير» لفريد الدين العطار، فبين هؤلاء والنصوص الدينية صلات رحم وشوابك قرابة، على نحو ما بيننا نحن البشر والحيوان. وقد سبق أن وقفت عليها في أحد مقالاتي، وأشرت إلى القضايا التي تطرحها مثل قضية «تجنيس» هذا النمط من الكتابة «أدب الحيوان» الذي يُدرج الحيوان ضمن «ضمائر الكلام» حينا، ويكتفي بمجرد الإخبار عنه حينا. والقصة أو الحكاية الحيوانية موضوع أدبي أو شعري مثلما هو موضوع ديني مخصوص يتميز بالإعلان الصريح عن حلول «كائن لا عاقل» محل الإنسان على صعيد الفعل أو أدوار الشخصيات أو «الفواعل». وفي باب «الكلب» نقف على أسطورة أهل الكهف حيث يستطرد الدميري نقلا عن أكثر من سند مثل محمد بن إسحاق وابن عباس وكعب الأحبار وغيرهم، من الآية «وكلبهم باسطٌ ذراعيْه بالوصيد» إلى الأسطورة وشخصياتها أو فواعلها: الملك «دقيانوس» الذي «عبد الأصنام وذبح للطواغيت» وكيف نزل مدينة أصحاب الكهف، وخيرهم بين القتل وعبادة الأصنام؛ فمن قبل رغبة في الحياة، أُخلِي سبيله، ومن أبى قتل وعلق على سور المدينة.

وحزن فتية الكهف وكانوا ثمانية وقد سيقت أسماؤهم الأعجمية باختلاف بين راو وآخر؛ وفي رواية ابن عباس سبعة، من أشراف القوم: «مكسلمينا» وهو أكبرهم، ومرطوكش ونوالس وسانيوس ويطنيوس وكشفوطط والراعي « تمليخا» أو «أمليخا» والكلب «قطمير» أو «قطمور» وله أسماء أخرى؛ وفي رواية جعفر الصادق «وكالبهم» يعني صاحب الكلب. وهذا شبيه بقول الإمام مالك والطبري إنه لم يكن كلبا؛ إنما هو طباخ لهم، وكان قد قعد عند باب الغار طليعة لهم؛ فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس، كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا لأنه منها كالكلب من الانسان. ويرى الدميري أن هذا القول يضعفه «بسط الذراعين» فإنه في العرف من صفة الكلب. وقالوا في «سبعة وثامنهم كلبهم» إن الواو هي واو الثمانية، وذلك أن العرب تقول: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية؛ لأن العقد عندهم كان سبعة. وفي رواية ابن إسحاق ثمانية وتاسعهم كلبهم: مكسلمينا ومجلسمينا ويمليخا ومرطوس وكفشطيوس ويليوس وميموس وبطنيوس وطالوس. ولعل «الشخصية» المثيرة حقا هي الكلب.

ومن المفيد أن نميز هذا الجنس من خلال التنويه بما تنطوي عليه الحكايات المنسوبة إليه، من غايات أخلاقية ومقاصد تربوية ومضامين اجتماعية وسياسية؛ على نحو ما تفعل كثير من الدراسات والمقاربات التي تتناول هذا الأدب.

ومن المفيد أن نميز هذا الجنس من خلال التنويه بما تنطوي عليه الحكايات المنسوبة إليه، من غايات أخلاقية ومقاصد تربوية ومضامين اجتماعية وسياسية؛ على نحو ما تفعل كثير من الدراسات والمقاربات التي تتناول هذا الأدب. ولكني لا أدري ما إذا كان مخرج «أهل الكهف» أخذ هذا المنحى بالاعتبار. وهو على أي حال تمييز ينبغي الاستئناس به، في فهم هذا الأدب، وفهم خصائصه الأسلوبية، ومميزاته البلاغية. ومصطلح الأدب في أعراف القدماء كان يشمل كل هذا النمط من الكتابة، على نحو ما نجد في «أدب الكاتب» لابن قتيبة، بشرح الجواليقي، وتقديم مصطفى صادق الرافعي. وهو في تقديرنا أدب بمعنى أدب الفكر وفنه وجماله وفلسفته، ومعنى أدب النفس وتثقيفها وتربيتها في الآن نفسه. وكثير من أدبنا القديم يهدم الجسور بين الأجناس، وهو يأخذ من كل شيء بطرف أي على طريقة العرب في الاستطراد والمزاوجة بين الحسن والنافع: جمْع من اللغة والخبر وشعر الشواهد والقرآن والحديث والأمثال والحكم، والتبسط في الوجوه والعلل النحوية والصرفية. على أن حضور الحيوان في النص الأدبي أو الديني أو «السينمائي» لم يكن مقطوعا عن جذور أنثروبولوجية تشد وجود الإنسان إلى وجود الحيوان. فلقد تعلم الإنسانُ من الحيوانِ كيفية الادخار، وساعده ذلك على الاستقرار في المكان والانصراف إلى أعمال أخرى كجمع القوت؛ فالكلب الذي يدفن العظم، والسنجاب الذي يجمع الجوز كي يستمتع في مستقبل أيامه، والنحل الذي يملأ الأقراص بالشهد، والنمل الذي يخزن الطعام لليوم المطير، إنما هي حيوانات يعود إليها بعض الفضل في إبداع الحضارة نفسها. ومع ذلك تبقى لكلب أهل الكهف «قطمير»مكانته من حيث التخييل الذي من شأنه أن يفعل فعل السحر في المتلقي، على أساس «الاختلاق الامتناعي» أو ما هو غير ممكن الوجود. من ذلك هذه الرواية التي ساقها الدميري: (لما خرجوا أهل الكهف) مروا براع معه كلب، فقال الراعي: إني أتبعكم على أن أعبد الله معكم. قالوا: سرْ. فسار معهم وتبعهم الكلب، فقالوا: يا راعي، هذا الكلب ينبح علينا وينبه بنا؛ فما لنا به حاجة، فطردوه فأبى إلا أن يلحق بهم فرجموه فرفع يديه كالداعي، وأنطقه الله تعالى فقال: يا قوم لِمَ تطردونني، لم تضربونني، لمَ ترجمونني؛ فوالله لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه بأربعين سنة…» والغرض في هذا بعبارة ابن رشد إنما هو إفادة نتيجة التجربة، وليس فهم طبائع الحيوان، أو مجرد حيل بلاغية، أو الخيال بمعنى الكذب أو الاختلاق أو تزوير الواقع. وكانت نظرة ابن الخشاب أعمق، ورأى في «كليلة ودمنة» أنه موضوع موضع الأمثال في خروجه عن المألوف ومباينته لما هو معروف.

أما شخصية «يمليخا» أو «تمليخا» الذي كان يشتري لأصحابه الطعام والشراب، قبل «نومتهم» وبعد استيقاظهم بقرون؛ فهو واسطة العقد بين زمنين: ماضٍ عاشه، وحاضر لم يعشه، ومستقبل بدأ يعيشه أو «يستقبله» خارجا من الكهف أو «الرحم» في ما يشبه ولادة معكوسة في صور أساسها التنبؤ بالمستقبل. يدخل المدينة، وفي ظنه أنه نام ليلة أو بضع ليلة «قلما رأى باب المدينة، رفع رأسه، فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان. فلما رآها تعجب، وجعل ينظر إليها مستخفيا… فجعل يُخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرفها، ورأى ناسا كثيرين محدثين لم يكن يعرفهم قبل ذلك.. فيسمع ناسا كثيرين يحلفون بالله ثم بعيسى ابن مريم فزاده عجبا، ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست المدينة التي أعرفها…» وما إلى ذلك مثل حكايته مع الورقة النقدية التي تحمل صورة الملك دقيانوس الميت منذ ثلاثة قرون. وهذا النوع من التخيل الروائي العلمي الذي يفيض على مسرحية الحكيم بالمعنى الأدبي الذي استتب لها هو ملتقى العلم والحياة الذي يفترض أن تتنبه إليه السينما خاصة. ومن هنا يتخذ العمل الفني هيئته، فهو «تمثل» سابق يناسب القص الذي أساسه التنبؤ، أو الإخبار بالمستقبل. والمستقبل في هذا الضرب من الأعمال، إنما يروى وكأنه حدث وقع، أو أن أساسه كان ما سوف يكون.

كاتب وشاعر تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية