بيروت-“القدس العربي”: يعتبر نفسه محظوظاً لأن الموسيقى شغفه وهواه ومصدر عيشه معاً. زياد سحّاب الذي ولد وهو يسمع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، أو يصغي لحوار نقدي بين والده وعميه وجد نفسه لا يتقن سوى عزف العود. أما ذائقته من الشعر العربي الذي لحنه وجعل منه أغنية تحمل في نصها موقفاً وبعداً إنسانياً، فذهبت إلى الشعراء المصريين من صلاح جاهين، فؤاد حداد، أحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي. ومن المحدثين له تعاون وثيق مع صديقه محمد خير.
زياد سحّاب في تجارب متواصلة مع الموسيقى، ولا يخشى أي منها. تعاون مع أحمد حويلي في سي دي صوفي، ووزع ألحاناً أرجنتينية مشاركة منه في مهرجان للتانغو، وهو بصدد تلحين سي دي لمغنية من فنزويلا.
معه كان هذا الحوار:
*ارتفع صوتك بعد الحملة على “مشروع ليلى”. عن ماذا تدافع؟
**في المبدأ أدافع عن نفسي. الحرية المطلقة في الفن ليس فيها مكان لرجل دين. بالطبع إبداء الرأي من حقه كما جميع الناس إنما ليس من حقه أن يُحرّم ويحلّل. ليست فرقة “مشروع ليلى” من ضمن خطة السمع الدائم بالنسبة لي، ومن المعروف أن موسيقاهم ليست النمط الذي أحبذه، فهواي يذهب نحو عبد الوهاب وأم كلثوم. إذا أن يرتفع الصوت فهذا ليس لأن شغل “مشروع ليلى” يهمني، بل هو المبدأ الذي أدافع عنه.
*كموسيقي تكتب وتلحن وتؤدي كيف اكتسبت المهارات جميعها وما هي العوامل المساعدة؟
**لا أتذكر حياتي السابقة للعود. بدأت الدراسة والعزف في عمر السبع سنوات. البيت هو الأساس، رغم أنه ليس حكماً قاطعاً، وليس بالضرورة أن يكون أبناء كافة الموسيقيين على دين ذويهم. فأختاي لم يحترفن الموسيقى على سبيل المثال، بل يتذوقنها. أعرف فيما خصني مدى أثر عائلتي باحترافي للموسيقى من والدي فكتور إلى عمّيَ سليم والياس. فقد فتحت عيني على الحياة، وفرقة بيروت للموسيقى تقوم بالبروفات، بحضور كبار الموسيقيين كما الأستاذ سعيد سلام رحمه الله، وهو المُصنّف من أخطر عازفي العود. هي الأجواء التي أخذتني إليها، فوجدت نفسي لا أعرف ولا أحب سوى عزف العود. في رأيي محظوظ من يتمكن تحصيل عيشه من عمل يشكل هوساً في حياته. للأسف الشباب في بلدنا يفتقدون للتوجيه في مراحل دراستهم الثانوية. عندما كنت في المدرسة كان مندوبو الجامعات يتحدثون للصفوف النهائية عن الهندسة والطب والمحاماة.
*كيف يتكامل هذا الثلاثي أو يتقاطع عندك؟
**أنا مُقل على صعيد الكتابة، هوسي الحقيقي يتجه نحو التلحين. فالكلام يراودني أحياناً وبشكل متباعد، هي أفكار خاصة تحتل خيالي بشكل مفاجئ وبدون إنذار. حبي للشعر لا حدود له، فقد نشأت في عائلتي والكتب تحتل مساحة واسعة من المنزل، وللشعر بينها مساحة مميزة، من الشعر الفصيح إلى شعر العامية المصرية. تذوقي العميق للشعر ترك أثراً في مساري الفني، فكانت أكثر أعمالي غنائية وليست موسيقية.
*مع من تتعاون بخصوص الكلام؟
**المنشور من الأغنيات التي لحنتها يعود لكبار الشعراء المصريين من صلاح جاهين، إلى أحمد فؤاد نجم، فؤاد حداد وعبد الرحمن الأبنودي. هؤلاء الأربعة إلى جانب كونهم شعراء فهم فلاسفة في مكان ما. وفي نتاجهم مواضيع يمكن أن نسقطها على أي زمن. الشعر الذي كتبه صلاح جاهين في الستينيات لا يزال مطابقاً وملائماً لزمننا هذا. ومن المحدثين عملي يتواصل مع الصديق الصحافي والشاعر محمد خير.
*هل تسأل رأي العائلة في ما تقدمه من موسيقى وغناء؟
**بالطبع، وليس بهدف التغيير. تحديداً استنير برأي عمي الياس، ووالدي فكتور واُسمعهما الكثير مما أكتبه من ألحان. بخلاف عمي سليم المقيم حالياً في القاهرة حيث أصبحت لقاءاتنا به عاطفية وليست متابعة يومية. وبالمناسبة أبوح لك بأن عمي الياس ووالدي كانا أقسى الناس فيما خصّ تجربتي الموسيقية. ولا أنسى حين كنت في السابعة عشرة من العمر حيث كنت أحيي حفلا في مسرح بيروت بحضور والدي. بعد الاستراحة ومع البدء بالأغنية الأولى قرر والدي ترك الصالة لينتبه إلى موقفه كافة الحضور.
*وهل وجدت في فعلته قصاصاً؟
**ليس كذلك، بل هو بعض من شد الحبال الطبيعي في رأيي. استغرق الأمر وقتاً حتى استوعبت عائلتي أنني لا أريد ولا يمكنني أن أكون سليم سحّاب الثاني أو الياس أو فكتور. أخذت كامل تجاربهم، وكان من واجبي أن أصوغها بأسلوبي الخاص. استغرق النزاع وقتاً، وبعده وجدت والدي يعرّف عن نفسه “أنا والد زياد”. وهذا ما اعتبرته شهادة عظيمة.
*زياد الذي كبر ونما سمعه مع المدرسة المصرية المعشوقة من العائلة كيف سعى للتحديث أو بمعنى آخر ليكون معاصراً؟
**النهضة الموسيقية في القرن العشرين في مصر ليست مصرية وحسب بل عربية ولدت على أرض مصر. كلغة موسيقية لم تكن تلك النهضة مصرية صافية، لو فككناها وقمنا بإسقاط لأدواتها على عصرنا الحالي لوجدنا أن كل تجديد موسيقي كان مرتبطاً بالإرث الذي سبقه. تماما كما هو واضح أن كل موسيقى عربية عظيمة لها صلة وثيقة بتجويد القرآن. حينها كان كافة كبار الموسيقيين شيوخاً منكفئين عن متابعة العلوم الدينية، أو طلاباً لشيوخ أو أبناءً لهم. فتجويد القرآن كان مدرسة مهمة في التلحين. فطرياً وعلى الصعيد الشخصي أحب بعضاً من الموسيقى الغربية كما التانغو، الفلامنغو والجاز. بتقديري أن المتجذر في موسيقاه، عندما يسعى لمزجها مع موسيقى أخرى، ستكون متينة وليست هجيناً بدون روح. وبدون ادعاء أسعى لإتباع تلك القواعد.
*وماذا عن أثر مدارس حلب حيث درس سيد درويش على ذائقتك الفنية؟
**هو مسار ليس له أن ينفصل. تكلمنا عن النهضة الموسيقية العربية الأخيرة التي شهدتها أرض مصر، أما النهضة ما قبل الأخيرة فشهدتها أرض حلب، وهي أم الموشح، وأعظمها ولد من تلك الأرض. النهضة الموسيقية التي شهدتها مصر كانت إمتداداً لما حدث في حلب. السميعة في مدينة حلب يوصفون حتى اليوم بالخطرين. ومن لا يعرف من أهلها الموسيقى فهو يعزف بعض القانون، وهذا ما يتردد في وصف أهل تلك المدينة. وفي سيرة محمد عبد الوهاب مع أهل حلب أنه كان بصدد مجموعة حفلات في المدينة. وعندما قصد الحفل الأول وقف مندهشاً يسأل عن الجمهور؟ كان في الحفل بضعة أشخاص قيل له أنهم السّميعة، فإن أجدت سيقولون للجمهور بالحضور.
*ما هي أعمالك المسجلة؟
**لي عدد من السي ديز أولها “عيون البقر” وهو عنوان قصيدة لصلاح جاهين صدر سنة 2003. “راح نبقى نغني” سنة 2007. “شي مش شخصي” من ألحاني غناه أيلي رزق الله. “عرفت الهوى” سنة 2016 وهو سي دي نصوص صوفية أدّاه الشيخ أحمد حويلي. و “يا ليالي” لرولا عازر صدر قبل سنتين.
*هل تحرص على أن تكون بعض الأغنيات بصوتك؟
**صراحة هناك من يلح بهذا الطلب، لكن صوتي لم يكن موجوداً في السي ديز الثلاثة الأخيرة. فأنا لست مغنياً، هوسي هو التلحين. فقط يمكنني إظهار إحساس الملحن. متعتي الأساسية خياطة ألحان لأصوات أخرى. وأنا حالياً بصدد اختيار أغنيات للسي دي الجديد وقد يظهر صوتي في أغنية أو اثنتين.
*هل تسعى للتجريب في الموسيقى؟ وما هو مفهوم التجريب؟
**بغض النظر عن التجريب الذي بات تعريفاً لنوع موسيقي معين، لكنه في الأساس بنزين الموسيقي ومحركها. من يجد نفسه مرتاحاً ضمن مساحته الموسيقية الخاصة ينتهي برأي. لهذا السبب أجد نفسي مندفعاً نحو مشاريع متعددة. منها عمل موسيقي مع الفنان مازن كيوان قبل ثلاث سنوات ضمن مهرجان التانغو جمعني إلى موسيقيين من الأرجنتين. في هذا العمل وزّعت الموسيقى الأرجنتينية الصافية، وكنت في خوف من رد فعلهم. حبي لموسيقى التانغو هو الذي دفعني إلى هذه التجربة. وحالياً أنا بصدد متابعة تلحين سي دي فلامنكو للمغنية باولا رويز من فنزويلا وهي التي كتبت كلام أغنياتها.
*لماذا اخترت رولا عازار لتلحن لها سي دي “يا ليالي”؟
**صدفة سمعت صوت رولا وأحببته. كنت بصدد متابعة هذا العمل ووجدت صوتها مناسباً له. صراحة دائما أبحث عن أصوات جديدة. وفي العمل الجديد الذي أعده صوتان جديدان غير مسموعين كفاية من الناس. لكن من يتابعون حفلاتي يعرفون هذين الصوتين وهما إليانور جوني ورامي بطرس. الأصوات الجديدة تكون خالية من الإيغو المدمر للموهبة وللفنان، والعلاقة معهم أكثر راحة، وهم يتقبلون الملاحظة.
*هذا النوع من التعاون هل يقع ضمن مشروعك الفني أو الموسيقي تحديداً؟
**جزء منه يعود لكوني لا أحب الغناء، وتالياً ليكون عندي نتاج يفترض أن تغني ألحاني أصوات أخرى، ومن واجبي البحث عنها. كل صوت جديد يشبه تغير العود. فكل عود له صوته ويفتح على أفكار جديدة في التلحين. ومن شأن الصوت البشري الجديد بعد تحديد حجمه وقوته أن يفتح أفق التلحين على أفكار جديدة أيضاً.
*تعاونت مع الصوفي أحمد حويلي في البوم “عرفت الهوى”. كيف اجتمعت فكريا وفنيا معه؟
**السؤال مطروح عليَ باستمرار. التقارب الفكري بيني وبين أحمد كبير. ومن جهة أخرى هوسي باللغة العربية وهذا ما استسيغه في الشعر الصوفي الذي يختاره أحمد حويلي. مع العلم أنني لست على صلة لا قريبة ولا بعيدة مع التصوف، ولم يسبق أن تعمقت فيه ليكون لي موقف منه. أتعامل مع النص كلغة عربية، وليس في مكانه اعتقاد البعض بأني اتجهت نحو التصوف. مع العلم أنها ليست تهمة لأنفيها، كما أنها شرف لا أدعيه، وليس هذا هدفي من التعاون مع أحمد المتعمّق في التصوف. وكما تعاونت مع أحمد في تلحين نصوص صوفيه، فقد يكون لي في المقبل من الأيام صلة بالأدب الإباحي المنشور في عصر الجاهلية بهدف تلحينه.
*لك تجارب عمل إذاعي وتلفزيوني هل ستتكرر؟ بخاصة مع صوت الشعب؟
**كتبت بعض البرامج الكوميدية منها برنامج “شي أن أن”. في الإذاعة كان لي عبر أثير صوت الشعب برنامج أغنيات منسية. كان ممتعاً بالنسبة لي إعادة سماع تلك الأغنيات وقضاء بضع ساعات معها. بتصوري هذا البرنامج سيتكرر بظروف تقنية أفضل.
*حضورك في التلفزيون مرح جداً. هل هو أنت؟
**الضحك جزء من حياتي وأحبه. حضوري في التلفزيون يشبهني، أنما لا يشبه كافة جوانبي. توقفت عنه فالذي وصل لبعض المشاهدين أن هذا كل ما أستطيعه. وكان من شأن ذلك أن يترك أثره السلبي عندما أكون بصدد تقديم عمل جدي. ولهذا ابتعدت عن التلفزيون رغم أنه قدم لي الانتشار. إن عدت إلى الشاشة فسيكون بصورة تشبهني بشكل كامل.