بيروت – “القدس العربي”:احتاجت قناعة المسرحي زياد عيتاني إلى التعبير عن الافتراء والظلم الذي تعرّض له بعض الوقت، لكنه وقت ليس طويلا. كان الأصدقاء خلاله يضعون الأمور في نصابها الصحيح بانتظار جهوزية صديقهم. هكذا ولدت مسرحية “وما طلت كوليت” كأول عرض مسرحي يستند إلى حقيقة لا تزال حية.
وعبّر بكثير من السخرية المرّة، وكان الخيال حاضراً لزوم الحالة المسرحية. نجح العرض، والإقبال متواصل منذ الافتتاح في تشرين الثاني/اكتوبر الماضي في مترو المدينة. “القدس العربي” التقت عيتاني في الحوار التالي:
* لنبدأ من الأساس ونقول المسرح علاج، هل عالجتك عروض “وما طلت كوليت” من ندوب سببها افتراء سوزان الحاج؟
– لم أنتظر من العرض المسرحي علاجاً بقدر رغبتي بتقديم ما تعرضت له للجمهور، للناس حق بمعرفة الحقيقة كاملة. وكوني لست سياسياً ولا إعلامياً بل فناناً مسرحياً كانت الخشبة سبيلي. قضية شغلت اللبنانيين لأشهر طويلة، وكان العمل المسرحي كفيل بقول الحقيقة، بما يمكن تقديمه على المسرح، فمهمة المسرح الأساس أن يواجه السلطة، القمع والنفوذ.
* كم كنت متحمساً للعرض المسرحي خلال التوقيف؟
ـ مطلقاً لم يخطر في بالي. عشت في خضم مشكلات صحية ونفسية قوية للغاية، خلال التوقيف وقبيل إطلاق سراحي، فيما بعد كنت أتلقى دفعات من التشجيع، والدفع نحو المسرح من خالد صبيح وأحمد الخطيب.
* هل أتسع العرض لكل الحقيقة التي رغبت بإيصالها للناس؟
ـ وصل القسم الأهم منها. كمسرحي يمكنني القول بأن الحقيقة وصلت بالطريقة المناسبة واللائقة للناس.
* القضية نفسها بما تتضمنه من افتراء هل تحتاج لعرض مسرحي آخر؟
ـ لا، بل ثمة أفكار أخرى تجول في خاطري وأرغب في تنفيذها، “وما طلت كوليت” كانت فرصة لي كممثل لمغادرة المونودراما والتحول إلى عمل جماعي. ثمة أنواع أخرى من المسرح أرغب بخوضها. أريد التفرغ للعمل المسرحي خاصة وأن عروض المسرحية تحظى بإقبال جماهيري كبير، وألقى الدعم الدائم من الحضور.
* إنها المرة الأولى التي تُمسرح فيها قصة واقعية لا تزال طازجة في الضمير. كم كان هذا لصالح العمل المسرحي تجارياً؟
ـ هذا صحيح، تحظى العروض بإقبال كبير. كمسرحي هذا مجالي، ولن أكون في مؤتمر صحافي، ولا حوارات صراخ على الشاشات. كان يجب أن أعبر فلجأت إلى المسرح.
* الإعلام المرئي بصيغته الحالية يسعى لموضوعات مشوقة كما قضيتك، كم تلقيت من دعوات؟
ـ الكثير. لكن كما شاهدت في العرض المسرحي أنه يرى الإعلام جزءاً من منظومة الفساد، وهذه القضية تشكل عاراً على الإعلام اللبناني، فلن يكون “البونس” له بقدر ما سنتركه للمسرح بحد ذاته.
هل كنت بصدد تقديم درس للإعلام؟
ـ لم يكن العرض بصدد الإعلام المهني، بل الإعلام الذي يشكل مصالح مشتركة مع السياسيين وتجاراتهم. وهذا الإعلام الذي هو جزء من الفساد في هذا البلد لا يهتم بأن يتعلم أولا أن يكون ظالماً أو منصفاً، بل همه الصفقات والتمريرات لهذا السياسي وذاك. الإعلام المقصود هو شريك يومي بأفعال الطبقة السياسية في لبنان. هذا الإعلام له مكانه الدائم على موائد السياسيين، وأدنى بكثير. في قضيتي أدار الإعلام مخبرا وليس ضابطا أو وزيرا أو نائبا. والمخبر معروف من قبلي ومن قبل الكثيرين. هم مخبرون صغار، والإعلام لم يُكلف نفسه الوصول إلى الخبر من مصادر أهم.
*بين حقيقة التعذيب الذي عشته طويلاً والتمثيل الذي يستدعي من الممثل أن يعيش الشخصية درامياً، كم كنت في حاجة للفصل أو الدمج؟
ـ ولهذا كانت شخصية ديليفري المناقيش “فوزي” هي الشخصية التي تمّ ابتكارها لأسقط عليها شخصية الواقع. لو كنت مع شخصيتي الحقيقية لا شك سيكون منسوب التراجيديا أعلى بكثير. أفضل سلاح السخرية الذي كان موجوداً ومنظوراً في العرض المسرحي.
*هل كان حضورك على المسرح بحاجة لضبط في بداية التمارين؟
ـ دائماً أحتاج لدوزنة حضوري المسرحي وهذا رأي كل من عملت معهم. لست ممثلاً أكاديمياً، بل انتقلت من الصحافة إلى المسرح. أمثل بعفوية وتلقائية، وبالتأكيد أحتاج لمن يضبط خطواتي، فكيف مع مسرحية “وما طلت كوليت”؟
* هذا يعني أنك أرهقت المخرج هاشم عدنان؟
ـ بل هشام جابر من تعذّب معي، فهو من تولى الإخراج العام، فيما قام هاشم بالتنفيذ. أما العرض المسرحي كنص فكان لخالد صبيح وأحمد الخطيب، وكذلك الموسيقى، والفيديوهات والكاريكتيرات.
* كيف قرأت في عيون من حضروا العروض؟
ـ أنهم يستشعرون الخديعة الكبرى التي مارسها عليهم جهاز أمني وجهاز إعلامي. شعر المتفرجون في لحظات أنهم ضحايا الفساد المستشري في وطننا وأننا لم نعد قادرين على الوثوق بهم. يعرف الناس أن أي مواطن يمكن أن تنزل عليه تلك الفبركة. والتعليق الذي أسمعه على الدوام “منيح اللي عملت هيدي المسرحية”. برأي إن لم يلق جميع المتورطين في هذه القضية محاكمة عادلة، أمثال زياد عيتاني سيأتي دورهم لاحقاً.
*هل نظرت دائماً إلى الحضور كمتفرجين أم رأيتهم في لحظة متضامنين؟
ـ بطبيعة الحال هناك متضامنون ومنهم من جاء بدافع سماع ومشاهدة القصة على المسرح.
* كم صار الافتراء الذي وقع عليك بعيداً أم لا يزال يسكنك على الصعيد النفسي؟
ـ تتغير حياة من يتعرض لحادث سير، فكيف بمن خضع لأشهر من الافتراء والتعذيب. من المؤكد تغيرت أمور كثيرة في حياتي. لم أتوقع أننا كمواطنين نقتطع الضريبة من فم أبنائنا وندفعها لقوى أمن أحدهم يلفق التهمة والآخر يتولى التعذيب. هذا الظلم يقع على المجتمع برمته. يجب محاسبة هؤلاء الناس وتسميتهم بالاسم. ومن واجب منظمات حقوق الإنسان أن تدعو لعقاب هؤلاء، فنحن كمواطنين يتعاملون معنا وكأننا سلعة بخسة الثمن. ما شهدته منذ لحظة التلفيق هو جور الفساد في وطننا.
*هل رفعت دعوى رد اعتبار؟
ـ طبيعي. الشكوى طالت كامل فريق التحقيق، المقدم سوزان الحاج، والهاغر أيلي غبش.
*هل من جديد في هذا الصدد؟
ـ طبعاً لا. رفعت الشكوى وأنا متأكد من أنها ستمر في هذا الفولكلور اللبناني المختص بتنويم الملفات، وبالتالي بلغتني جهود لإخراج الحاج من القضية بأقل الأضرار. هذا لن يثبط عزيمتي بل على العكس. وما أخبئه سيشكل مفاجأة لكل متورط في هذا الملف. عليهم التنبه بأن الظلم لن يمر مرور الكرام. أنا مستعد جيداً ومن خلال القانون لمواجهة الفاسدين والمتواطئين.
* نعرف ما تحتاجه الدعاوى من أموال، فهل ستعمل في المسرح لتضع الحصيلة في شكوى رد الإعتبار؟
ـ رفعت قضايا عدة كلها تطالب بتعويض مالي وجميع المحامين الذين يرأسهم المحامي جان حشّاش يتبنون الدعاوى ولدى النجاح في تحصيل التعويض يتقاضون أتعابهم بنسبة مئوية متفق عليها. فأنا لم أدفع بدل أتعاب حتى الآن.
*ماذا عن شعورك لدى طرد سوزان الحاج من وظيفتها؟
ـ كنت في المجلس التأديبي في قوى الأمن الداخلي، دعيت بصفة شاهد، وكنت بمواجهة مع الحاج والهاغر. على الصعيد الشخصي لا تعني لي تلك المرأة أي شيء. لقد ارتكبت جريمة غبية. جاء قرار المجلس التأديبي في مكانه، وعلينا أن لا ننسى حجم القضايا بحقها كبير، وليس فقط الافتراء على زياد عيتاني.
*هل نظرت في عينيها؟
ـ بل أدرت لها ظهري فهي لا تعني لي شيئا. المواجهة الحقيقية التي أنتظرها في القضاء هي مع الضابط الذي تولى تعذيبي.
* بين طرد الحاج وحملها على أكتاف الرجال بعد إخلاء سبيلها‘ ما هي الصورة التي ارتسمت في خاطرك؟
ـ في النهاية عائلتها حملتها ولم يستأجروا لها حامل. لكل عائلة تنصره.
* هل أثلج صدرك موقف عائلتك البيروتية المعروفة بوطنيتها؟
ـ طبعاً. كان صوت عائلتي عاليا جداً خاصة عندما تمكنت وأنا في سجني من أبلاغهم بالحقيقة.
*هل تسامح الحاج؟
ـ صدقاً لا تعني لي شيئا على الصعيد الشخصي. يجب محاكمة سوزان الحاج ليعتبر الآخرون. وكي لا يفتري صاحب نفوذ مرّة أخرى على أي مواطن.
*دعا الوزير نهاد المشنوق للاعتذار منك، هل تنتظر الاعتذار أم فات أوانه؟
ـ من سيعتذر مني؟ من عليه الاعتذار أولاً جهاز أمن الدولة اللبناني، وفريق التحقيق داخله. كما على سوزان الحاج وآل حبيش الاعتذار من كل اللبنانيين، وكذلك كل من كانت له يد بكل تلك الفضيحة.
* لو كان الافتراء غير العمالة للعدو هل كان أخف وقعاً على نفسك وعائلتك؟
ـ طبعاً، وبخاصة في بيئتي. بيتنا لم يغادر صفوف مقاومة العدو، بدءاً من منظمة التحرير الفلسطينية، المرابطون، الاجتياح الصهيوني للبنان وحصار بيروت، حركة القوميين العرب ومقاومة الاحتلال. هذا هو بيتنا الذي يتزين بفخر بصور عبد الناصر. هي تهمة ليست بشعة بل مدمرة. منذ طفولتنا كنا نسمع “عميل يلاّ اقتلوه ليتربّوا” في منطقة طريق الجديدة. لا ألوم الناس وردة فعلهم لدى سماع الخبر، فهي عفوية. وقد تكون لي ردة الفعل عينها لدى سماعي بخبر مماثل.
* إلى متى عروض “ما طلت كوليت”؟
ـ طالما نلقى هذا الإقبال الكبير مستمرون. الحمد لله العروض مطلوبة بكثافة، والجمهور يتفاعل معنا.
*هل ستعرضون في باقي المحافظات؟
ـ الأمر وارد وقيد البحث.
* إلى جانب المسرح كيف ترسم حياتك كفنان؟
ـ أنا مسرحي إلى جانب العروض استثمر الوقت في الكتابة. المسرح وحده يشغلني وأرى نفسي فيه ولست راغباً في التلفزيون لأن الدراما التي تُعرض على الشاشات تشبه ألعاب “بيت بيوت”.