ما زالت ملفات اختيار الوزراء والمسئولين والعلماء والخبراء في مصر مفتوحة، ومنها ملف أحمد زويل؛ عالم الفزياء الأمريكي من أصل مصري، وقد اختير ضمن تشكيل «المجلس الاستشاري لعلماء وخبراء مصر»، وزويل يزور مصر بين الفينة والأخرى، وزارها مؤخرا بعد أن من الله عليه بالشفاء من مرض عضال، وكالعادة أقيمت له الأفراح والليالي الملاح!.
لكن قبل الاسترسال من المهم الإشارة إلى مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في اجتماعات الدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلى خطابه أمام قادة وزعماء وممثلي دول العالم؛ غطى فيه قضايا تشغل الرأي العام؛ في الداخل وفي المحيط العربي والإقليمي، وتلك التي تشغل العالم.
وأستطيع أن أقول أن الإعداد لـ»موقعة نيويورك» تجاوز مستوى المشاركة التقليدية، وبدت موقعة للمبارزة والمواجهة، ومن الواضح أن السيسي هو الذي تولى تحريك جيش الوزراء والمسؤولين الرسميين والدبلوماسيين والإعلاميين والصحافيين ورجال المال والأعمال؛ بجانب من التحق بهم من أمريكيين ذوي أصول مصرية؛ ومن المتوقع أن يكون لهذه الموقع أثر يشجع على ظهور «قوة ضغط» مصرية وعربية على الساحة الأمريكية؛ تواجه «قوى الضغط» المعادية.
وتميز الحضور الإعلامي بوجود نجوم الصف الأول في المؤسسات والقنوات والصحف الخاصة، وهذه ميزة؛ لكن قد يكون العيب فيمن حضر في معيتهم من أباطرة الاستثمار الإعلامي الخاص؛ لتجد في المقدمة محمد الأمين، الذي أطلقت عليه مجلة «الأهرام العربي» لقب «ميردوخ» مصر في كانون الاول /ديسمبر 2012، وكان وقتها يمتلك 14 قناة فضائية وثلاث صحف. ولم تكن للأمين علاقة بمجال، الإعلام، فخبرته السابقة حصل عليها من العمل في شركة كويتية؛ تخصصت في تركيب دورات المياه والحمامات، ثم دخل مجال استصلاح الأراضي؛ بمعونة يوسف والي؛ نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة الأسبق، وشارك رجل الأعمال منصور عامر في مجموعة «عامر غروب».
وتجد علاء الكحكي؛ مالك شركة «ميديا لاين»، وصاحب شبكة «قنوات النهار». والكحكي محسوب على «الإخوان المسلمين»، بجانب أنه من أكبر المساهمين في جريدة «اليوم السابع»؛ بطبعتيها الورقية والألكترونية.
وثالثهم أحمد أبوهشيمة؛ أحد اباطرة صناعة الحديد الجدد، بعد انسحاب أحمد عز «ملك الحديد» من السوق. ويمتلك أبو هشيمة شركات استيراد وتصدير وتجارة.. وألغى القضاء ترخيصا حصل عليه من عصام شرف رئيس وزراء مصر الأسبق؛ لإقامة مصنع حديد!.
شبكات متداخلة ومتشابكة عصية على الفهم؛ المهم أن «موقعة نيويورك» تكاملت فيها أدوار الإعلام والعلاقات العامة والترويج لمشروعات جاذبة لرجال أعمال أمريكيين. وكان الرئيس السيسي، قد حث وزراءه ومرافقيه على عقد لقاءات مكثفة برجال أعمال وسياسيين وإعلاميين ومفكرين وخبراء أمريكيين، من بينهم هنري كيسنجر والرئيس الأسبق بيل كلينتون، وزوجته هيلاري وزيرة الخارجية السابقة.
وننتهي من هذه العجالة لنعود إلى ملف أحمد زويل، الذي يبدو أنه أمن شر ملاحقة واستهداف «قتلة العلماء». وكان حصوله على «جائزة نوبل» في العلوم عام 1999 بصفته مواطنا أمريكيا، ولا ينكر أحد ما للولايات المتحدة من تأثير على هذه الجائزة وغيرها من الجوائز الغربية، ولها نفوذها على لجان منحها، وكان من المعروف أنها لجان لا تجامل في الجوائز العلمية؛ تمنحها وفق معايير الاضافة الفعلية والحقيقية في تخصص أو مجال مفيد للبشرية، إلا أن هناك معايير أخرى غير منظورة؛ لها طبيعة أيديولوجية وسياسية؛ لصالح المصالح الأمريكية والصهيونية، وتطبق على مستحقيها من العرب؛ مما يضعف مصداقية الجهة المانحة، ويفقد الجائزة قيمتها.
وكثيرا ما يسقط عمدا من السيرة الذاتية لزويل حصوله على جائزة «وولف برايز» الصهيونية لعام 1993 من رئيس الدولة الصهيونية وقتها «عيزرا وايزمان»، وألقى كلمة بالمناسبة في «الكنيست»، وحصوله على الجائزة الصهيونية سبق «جائزة نوبل» بسنوات. وهذا موثق بلغات عدة لمن يريد التأكد، بالإضافة إلى معلومات أخرى موسعة ومعمقة متضمنة في موسوعة «التطبيع والمطبعون» التي تصدر قريبا عن «مركز يافا للدراسات والأبحاث» بالقاهرة.
من هنا يلزم التدقيق في الخيط الرابط بين «جائزة نوبل» في العلوم بمثيلتها في المجالات الأخرى. وهذا واضح في العلاقة التي ربطت مَن حصلوا عليها من المصريين، فأنور السادات أول مصري وعربي حصل عليها مناصفة مع مناحم بيغن، مؤسس منظمة «أرغون» الصهيونية، التي روعت الفلسطينيين وهجرتهم من ديارهم. وقامت بمذبحة «دير ياسين»، وراح ضحيتها 360 فلسطينيا، وفجرت فندق الملك داود مقر قيادة القوات البريطانية عام 1948 ، وشاركت تنظيم «الهاغاناة» الإرهابي اغتيال «الكونت برنادوت» ممثل الأمم المتحدة في فلسطين، والسبب اقتراحات قدمها لحل القضية الفلسطينية لم ترضها، وقد وصفه بن غوريون، في كتاب «مناحم بيغن.. الرجل والاسطورة»؛ الصادر في 1979 بأن «بيغن ينتمي إلى نمط هتلري، وهو عنصري مستعد لإبادة كل العرب لتحقيق حلمه الصهيوني»!، وكان بيغن مطلوبا للعدالة في أكثر من بلد أوروبي في «جرائم ضد الإنسانية»، ورغم ذلك حصل على «جائزة نوبل»، مكافأة له على جرائمه، ونالها السادات مقابل تنازلاته!.
والخلاصة إن الجائزة ليست لوجه العلم والسلام والتميز فقط بل أيضا لوجه المصالح الأمريكية والصهيونية!.
وما زالت الملفات مفتوحة.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب