زيكو: نحاول استنهاض الهمم للعمل ولا مصاعب تُذكر بعد اجتياح بيروت

زهرة مرعي
حجم الخط
0

لا تحتاج الثقافة إلى تمويل كي تُنتج يكفي لقاء الناس حول مشروع

بيروت ـ «القدس العربي»: «زيكو هاوس» بناء يعود لثلاثينيات القرن الماضي، ولا يزال يحتفظ برونق العمارة في ذاك الزمن. مكان دخل سجلات الثقافة والفن والانتخابات والطعام في لبنان. وهو يضج بالحياة بدءاً من طبقته الأرضية، ومن ثم الثانية والثالثة وصولاً إلى السطح. كما لحديقته الخاصة دورها في استقبال من يرغب بجلسة هادئة في حضن بيروت. ربما يكون هذا الصيف هو الأسوأ في بيروت منذ سنة 1982. ندُرت الكهرباء، وشحّت المياه، وملأ ضجيج المولدات الكهربائية ودخانها كل مكان، مما أدى لتراجع النشاطات الثقافية. وحده مبنى «زيكو هاوس» حافظ على القدر الكبير من البرامج المقررة سلفاً، وبقي يستقبل الجمهور. وهو لن يتخلى عن دوره في استيلاد الأفكار واحتضانها. فمنه انطلقت «زقاق وكهربا وأشكال ألوان».
هنا حوار مع مصطفى يموت صاحب زيكو هاوس:
○ تعاني المساحات الثقافية المقفلة من ندرة الكهرباء. لزيكو هاوس نشاط متواصل فوق السطوح. كيف خطرت لكم الفكرة؟
• نحن مكان ثقافي عام، والقاعة التي تشغلها «وصل» مخصصة للتمارين لمن يرغب من الفرق الفنية. وأحياناً تنظّم «وصل» مهرجاناً وتقيم بعض العروض. إلى السطح، يتميز المبنى بحديقة خاصة به يمكنها أن تستوعب نشاطاً فنياً. كما أن الداخل لا يحتاج للتبريد فالسقف يمتاز بإرتفاع كبير كما أبنية الثلاثينيات من القرن الماضي. وفيه يمكننا الحفاظ على التباعد. قطعت الموجة الأولى من كورونا ولم يصب أحد بالمرض، لأننا التزمنا جيداً بإجراءات الوقاية.
○ من دون شك للأزمة الاقتصادية وإنقطاع الكهرباء انعكاس على نشاطكم. كيف تجلى؟
• بدأنا النشاط الثقافي في التسعينيات مع فرقة الدُمى التي يتولاها الآن كريم دكروب. تواصلت بالتوافق مع طارق شومان عضو لجنة الصداقة اللبنانية الروسية مع معنيين روس لتأسيس فرقة للدمى. جاء فريق إلى لبنان ووقع الخيار على كريم دكروب الذي كان يدرس الإخراج حينها. كما أختير موسيقيون ومصنّعون للدمى من أجل مزيد من التخصص. ذكرت هذا الحدث لأن ظروفاً صعبة للغاية كانت تحيط بنا حينها ولم توقفنا. في رأيي لا تحتاج الثقافة لتمويل كي تُنتج، تكتفي بلقاء الناس حول عمل جماعي ينقلهم من مكان إلى آخر. إن تعرّق أحدنا خلال عمله الثقافي لندرة الكهرباء، فلا بأس، لقد اختبرنا ظروفاً أكثر صعوبة مما نحن فيه. منها سيارات الإسعاف، والمتاريس والحصارات المتعددة لبيروت بدءاً من سنة 1982. في تلك الحصارات الصعبة غادرنا حاملوا «الباسبورات» الأجنبية كما يفعلون الآن. إنها حياتنا في بيروت ولبنان.

○ تشتهر بإسم زيكو في حين تحمل بالهوية اسم مصطفى يموت. أيهما تفضّل؟
• الإثنان معاً. مصطفى اسم رافقني منذ الولادة وإلى لحظة الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت. ومنذ اجتياح العاصمة بتّ «زيكو». كنّا مجموعة شباب قررنا استقبال الإسرائيليين في بيروت بما يليق بهم. لم يكن أحدنا قد بلغ سنّ الرشد، طُلب منا تغيير اسمائنا ففعلنا، ورحنا إلى مهامنا. مراسم استقبال كبيرة قمنا بها للغزاة. فالقنابل التي خبأناها خلال الحصار تكفلت بهم. لم يجدوا عندنا نهاراً ولا ليلاً هادئاً، وخلال 15 يوماً انسحبوا مهزومين.
○ ومن أين اسم زيكو الذي تلبسك منذ عقود ولا يزال؟
• اسم للاعب كرة قدم برازيلي مشهور. لم نملك ترف الوقت للاختيار كما نفعل حين ننتظر مواليدنا الجدد. أما رفاقي في المجموعة وأكثرهم بات مشهوراً في الموسيقى والفن والأدب، ولم يحتفظ أحدهم بإسمه الحركي.
○ ماذا يقول لك استرجاع تلك المرحلة؟
• شكلّت إنجازاً كبيراً. لم يكن حدثاً بسيطاً في مخيلة من ضرب القنبلة الأولى على الجيش الصهيوني، الذي راح يرجونا أن لا نطلق النار عليه لأنه سيغادر.
○ زيكو الآن أمين لمبادئه الأولى؟
• مبدئياً نعم. ثمة تبدل، حيث أني لم أعد مثابراً على أبيض أو أسود. مفهوم عرْبش عليه وصوليون كثُر في لبنان وفلسطين. إسرائيل هي العدو، وتوصيفها بنظام الفصل العنصري، حقيقة تتنامى عالمياً خاصة بعد معركة «سيف القدس». الفخر كبير بهذا الشعب الفلسطيني الذي احتفظ بشعلة قضيته رغم كل ما تعرض له من أهل بيته، ومن أشقائه ومن المحتل. وكذلك من الأمم المتحدة التي يعيش موظفوها وبخاصة في الأونروا برفاه هم وعائلاتهم على حساب الشعب الفلسطيني الذي يرزح في المخيمات فقيراً. هذا الشعب اللاجئ في وطنه وخارجه يفتقر لأدنى مقومات الحياة والتعليم والطبابة. لماذا؟
○ متى نال زيكو هاوس شرعيته كمساحة ثقافية اجتماعية أي العلم والخبر؟
• يعود المبنى للعائلة منذ سنة 1935 وفيه نشأت وكبرت. بعد رحيل الأهل وجدت المكان كبيراً جداً فهو يتشكل من طبقات عدّة، وجميعه مخصص للحالة الثقافية والمدنية. بداية كنت استضيف من يرغب بالتمارين لعمل مسرحي أو غيره. ورويداً رويداً بدأت الأفكار تتدفق من خلال النقاش الجماعي. تعرّفت إلى جمعية «غرين لاين» التي قررت مغادرة حرم الجامعة الأمريكية واستقرّت عندنا. ومن هنا جاءت فكرة «بلدي بلدتي بلديتي» التي أطلقناها سنة 1995 مع بول أشقر للمطالبة بالانتخابات البلدية بعد تجديد للبلديات منذ سنة 1963. ومن ثم نشأت الجمعية اللبنانية لمراقبة الانتخابات. وبالتعاون مع كريستين طعمة نشأت في هذا المكان «أشكال ألوان» التي استقلّت وكبُرت. كنا مقراً لولادة الأفكار، ثمّ ندفعها لتصبح جمعية أو تجمُعاً ومن ثمّ تكبُر. كافة الجمعيات التي نشأت في زيكو هاوس بدأت بغرفة وتوسعت، وبعد الغرفة الثالثة يرحلون إلى مكان مستقل وأكبر.
○ هل تفرحك هذه الولادات الثقافية؟
• بالتأكيد. لا نملك المال. نملك الأفكار التي كانت تتبلور عبر التعاون. كان العمل الثقافي جذّاباً، وليس اللحاق بالجمعيات لتقاضي راتب بالعملة الأجنبية. الفرق بين الماضي والآن أن المجتمع المدني بات هدفاً للإسترزاق. بات الطريق واضحاً، يُكتب التقرير، ويُسعى لتحصيل الدعم. يُصرف القليل على المشروع ويبقى الكثير لمن كتبه. علمت من جمعية ألمانية أن ثالث أكبر دخل في لبنان هو الذي يأتي لحساب المجتمع المدني. لقد تحول من مجتمع مناضل إلى مجتمع استرزاق.
○ وماذا عن مشروعكم الجديد مع مجلس التعاون الألماني؟
• إنه مشروع «أرضي أرضك» بالتعاون مع كلية الزراعة في الجامعة الأمريكية ولد قبل 20 عاماً. أنضمّت إلى المشروع مؤخراً جمعية هدفها تمكين النساء لبنانيات وسوريات، وكذلك جمعية التراث الغذائي وزيكو هاوس. إذاً أربع جمعيات تشغل الطابق الأول في زيكو هاوس. الدعم الوحيد الذي تلقيناه مخصص لترميم المبنى قبل أن تزداد حاله سوءاً. تقاسمنا ترميمه مع مشروع «أرضي أرضك» واستوديو لبن وأنا شخصياً. وهكذا رممنا الجزء الأكبر منه.
○ وماذا عن نشاط «فوود هيريتدج» ومطابخها؟
• لديها حوالي عشرة مطابخ منتشرة في المناطق اللبنانية، ومنتجات قابلة للتصدير. هذا المشروع يسعى للعودة إلى نظام الزراعة القديم. ومشروعنا الراهن عودة الحمير إلى القرى والمناطق الزراعية نظراً لأهميته. من إيجابياته المساعدة في تنظيف الغابات من القش منعاً للحرائق. والمساعدة في الرحلات البيئية لحمل الحاجيات الضرورية، أو نقل أحدهم إن تعرّض لحادث. ونعرف أن حليب الحمار شديد الفائدة وهو الأقرب لحليب الأم.
○ ما هو الممنوع في مؤسسة زيكو هاوس؟
• التحشيش فقط ممنوع. وكل ما هو ممنوع من قبل الدولة اللبنانية.
○ لكنّ «حُلُم» تشغل جزءاً من المبنى ومحظورة رسمياً؟
• دائماً أردد بأني ارضى بأن يُقفل زيكو هاوس من أجل «حُلُم» وأن لا يقفل بسبب التحشيش. ضيوفي في هذا المبنى لهم مني الحماية، تماماً كما القبائل العربية التي كانت تحمي كل من يستجير بها.
○ وكيف تواصلت مع «حُلُم»؟
• تعارفنا خلال التظاهرة الكبرى التي شهدتها بيروت سنة 2003 رفضاً للاحتلال الأمريكي للعراق. كان القرار السير دون أعلام ورايات. وحين أصرّ حزب الله على أعلامه، رفعت «حُلُم» أعلامها، فنزلت كافة الأعلام وبقي العراق هدف الجميع. بعد هذه الواقعة طلبوا مني مكاناً ليتمكنوا من تقديم طلب علم وخبر، فوافقت. إنها قناعاتي بحرية الأفراد بالتعبير والهوية الجنسية.
○ هل تتقاضون أجراً مِن مَن يشغلون أمكنة في المبنى؟
• ليس الجميع سواسية. نحن شركاء في مشروع «أرضي أرضك» ولا نتقاضى أجراً. ونأمل أن يصبح المشروع مستداماً ومنتجاً قريباً. سياستنا أن نعيش من ضمن ما ينتجه زيكو هاوس دون اعتماد على التمويل. مؤخراً حصلت على منحة 20 ألف دولار من مؤسستي آفاق والمورد الثقافي للعمل على تبويب أرشيف زيكو هاوس، وهو يشغل جزءاً من الطابق الأول. أما المقهى والحديقة فمن ضمن مشروع «أرضي أرضك» تستقبل الناس وهي منتجة. ويشغل النادي العلماني «مدى» بعضاً من الطابق الثالث، فيما المساحة المتبقية تستقبل حالياً معرضاً لناشئين. و«الغذاء التراثي» يشغل قسماً من الطابق الثاني، كما تستأجر المطبخ. شارك «استوديو لبن» في ترميم المبنى، وهكذا صار بيننا نوع من شراكة. ونمتلك أربعة استوديوهات يمكنها استقبال نزلاء، وقد ندخلها لاحقاً ضمن خدمة «أر أن بي». ويمكن للمكان استقبال استضافة فنية وفي كافة الأوقات. كما أن إلتزامنا الدقيق بمقتضيات الوقاية من وباء كورونا تؤكد نجاحنا الباهر، فلا إصابت دخلت ولا أخرى انتقلت من عندنا.
○ هذه المساحة الثقافية الكبيرة تتميز بالمرونة؟
• والدليل أنها في عدوان 2006 تحولت إلى خلية إدارية لتوزيع الوجبات والمساعدت على الآلاف. حين قال السيد حسن نصرالله بأنه وحده لا يستطيع الصمود وطلب التعاون، في اليوم التالي بات المكان خلية نحل. ونأسف لأنه تحدث في خطاب النصر عن «أشرف الناس» تعبير شكل واحداً من صدمات الحياة.
○ وبماذا تختم هذه المراجعة الذاتية والعامة مع جريدة «القدس العربي»؟
• أولاً أن القدس عربية عربية عربية. وثانياً أؤكد أن الأمنية الأقوى عندي ومنذ كنت يافعاً أن أركب السيارة وأصل إلى القدس ثم القاهرة. أريد لهذا الحلم أن يتحقق «بدّي أخلص». كافة الطفيليات الملتصقة بالقضية الفلسطينية يجب أن تُزال وأن نسمي الأشياء بأسمائها.
○ هذا في السياسة فماذا في الثقافة؟
• بعد حالة الإحباط التي سادت منذ عام عدنا لإستنهاض الهمم والعمل بنشاط وننتظر النتائج. نحن حيال مشروع زراعي فمن الضروري أن نأكل. وفي «أستوديو لبن» مشروع تفاعلي واسع. والمشروع العلماني يتابع مساره.
○ هل من ضيف أو نشاط استقبله زيكو هاوس وحمل معنى كبيرا لك؟
• لا أنسى استقبالنا للقيادي الفلسطيني مصطفى البرغوتي. واستقبالنا لقيادي من التيار العوني حين كانوا منبوذين من الجميع في تسعينيات القرن الماضي. دائماً «كنا نعمل اللي ما بينعمل». وكانت الدولة تضطر لحمايتنا لأننا لا نخالف القانون. فالجمعية اللبنانية لديمقراطية الانتخابات ولدت هنا وصار رئيسها زياد بارود وزيراً للداخلية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية