سؤال الجسد وقلق الكتابة في شعر مراد الخطيبي

■ مرة أخرى تخرج القصيدة من بيت آل الخطيبي مثلما خرج فكر مختلف ذو توهج مع الراحل عبد الكبير الخطيبي.
هذه المرة يطلع منه هذا البيت (الذاكرة) شاعر ظل مأسورا بنبض الذاكرة، حاملا ضروبا من البوح والعشق والحنين والفرح المؤجل، قصائد الشاعر والمترجم مراد الخطيبي، التي تمتح تجربته من شعريات مختلفة، لا تستثني الاغتراب والقلق، وهي تعبر بالكائن في أحياز جمالية يتعامد فيها الماضي والحاضر والمستقبل.
في وسع قارئ يمضي مرهفا على نصوص هذا الشاعر أن يرتب قراءة أعماله الأربعة، بدون أن يبتعد قليلا عن حضور الذاكرة والجسد واللغة وقلق الإبداع في منجزاته، بل تتعمق هذه القراءة بأن تظــــل مشدودة إلى قوس هذه العناصر المشيدة للعوالم الممكنة في تجارب الشاعر «بهجةالصمت» باكورته الأولى التي قدم لها الشاعر نورالدين الزويتني، «لن تقبع عقارب الساعة في مكانها»، «عودة الكلمات إلى مرقدها الأبدي»، «هسيس الذاكرة».
كل شيء ننجزه في هذه القراءة يجد صداه في الأعمال المشار إليها سلفا. هذه الأعمال تراهن في ظاهرها على الفكرة وعلى قضايا إنسانية سارحة في التواءات اليومي، كما فتح العلبة السوداء لهذه يجعل القارئ يقف أمام كتابة تمجد الجسد في شتى صوره، وتعدد دلالاته، فتترك القصائد لدى القارئ إحساسا بالانشداد إلى الذاكرة، ذاكرة النص، ذاكرة الجسد وينعكس حتى على العناوين الفرعية لهذه القصائد، حيث الجسد يتحول إلى فضاء تتكوكب حوله حركة الفعل الشعري برمته، وتغدو الذاكرة موشومة بكل ألوان القلق والحيرة والتردد والوجع، والرغبة في تجاوز مهاوي السقوط التي تقود الكائن إلى هبوط لا نهاية له، رغبة تتدفق وتكبر وتصل الكائن بأحلامه، بعيدا عن الجهل والخنوع والجفاء، إذ يستحضر الشاعر صورة صاحبه عبر نداء يضمر إدانــــة للكــــائن المطمـــــئن إلى زيفه :»يا صاحبي/أتخيلك رباطا متلاشيا /موصولا بجدران متهاوية/أفق.. من هذا الجهل الرهيب»( عودة الكلمات). فالكائن قد يوقظه حلم، صفعــــة، جــــرح، ســــؤال الهوية والأصل، رفض، إنصات لنداء الوجود.. فيتحول الصـــوت/ القصيدة إلى هـــدية تعـــيد ترتيب جماليات هذا الكون. فتمتزج حركة الزمن والذاكـــرة بالقول وتغدو القصيدة المهداة لهذا العالم فرحا ولحنا جميلين يدينان هشاشة محفل الإنسان وهو ما ترسمه قصائد الديوان في تماسك الرؤية التي تقدمها.
اللافت للنظر في أعمال الخطيبي وما يعتمل في عالمه الشعري هو أن الجسد ينفتح على متخيل ثري بشكل يجعل سؤال الكتابة يتلبس بعناصر دالة على حضور هذا الجسد الواحد المتعدد، المحترق، الصارخ، المحروم، المغرب، العاشق، الراغب، العاجز، الصامت، الهزيل، المفرغ من كل مزية والفاقد لكل شهوة. الجسد في شتى تمظهراته، الطفل /الرجل/الأنثى.. يستعيد توازنه بصوت، ببوح بكلمات لا تقبل بما هو كائن، بل بما ينبغي أن يكون، وما ينبغي أن يكون، هو تجاوز وهدم لتلك الفجوة الجارحة بين الروح والجسد، إلا أن الجموح نحو الآتي والمستقبل تحد من حركته عودة الكلمات والرؤية، إلى الذاكرة من جديد عبر التشكيك في فعل الولادة والبعث (لن تقبع عقارب الساعة)، ورغم عتمة الليل وانحسار الرؤية وهيمنة أجواء الحزن التي يعضدها المعجم الحزين فالجسد في بعديه الفردي والجماعي، الثابت والمتحول، قد يحمل معاني الجمال في فضاء المدينة العام، فيغدو منذورا لإضاءة هذه العتمة، عاشقا للوطن، حتى في اللحظات التي لا يتلبس فيها الزمن أي معنى ما.

يحتشد العديد من الصور والمشاهد في قصائد الخطيبي كي يؤسس لتجربة شعرية يتعامد فيها الجسد والذات والذاكرة والحلم والموقف من الوجود، بشكل يجعل من الجسد موكبا من المعاني والدلالات، جسدا فينومينولوجيا يكشف عن قدرة الذات في الإدراك والمعرفة بأسئلة الوجود.

يصبح الجسد كل الأرض، في الواقع الذي يسع حياة الذات وبعدها في دواوين الشاعر مراد الخطيبي. في الحقيقة كما في المجاز تعرف الذات الشاعرة كيف تحوز الكلمات والزمن وعناصر الوجود والطبيعة، التي أسندت لها صفات إنسانية بهدف الإعلاء من شأن الذات وصون الكرامة التي ضاعت على امتداد وطن كبير في بغداد وبابل وفاس والأندلس، وحيث كل الأوطان التي تقود أو تعود بك إليها الكلمات وكأن هذه الذات بمثابة كائن أسطوري أو ثور خرافي.. لا ينام، وهو الذي يقول عبر لعبة النفي الدرويشية أو البياتية أو المجاطية، «وأنفض الغبار/ وأتأسف ولا أنام / وأتحسر.. ولا أنام «(هسيس الذاكرة).
إن ديدن الشاعر مراد في هذا المساق وهذا يشكل عصب تجربته الشعرية، عنايته باللغة والحرص على صدق المشاعر، وكتابة شفافة تخفي سرا لتضعه رهن إشارتك، لا لكي تتعثر به، بل ليشعرك بوجود الحياة في مكان ما ينبغي أن تعبره، مبتسما ولو أمام عري الجسد وشرنقة الزمن، والاغتراب فيه عشقا وموتا وحياة، وعجزا وهو الذي رأى ما أراد:
ما أحلى الابتسامة على جسد عار
إلا من رواسب الزمن
الذي أفل
أو وشم.. مضيء… لم يخدش
أو يزل.(هسيس الذاكرة)
يحتشد العديد من الصور والمشاهد في قصائد الخطيبي كي يؤسس لتجربة شعرية يتعامد فيها الجسد والذات والذاكرة والحلم والموقف من الوجود، بشكل يجعل من الجسد موكبا من المعاني والدلالات، جسدا فينومينولوجيا يكشف عن قدرة الذات في الإدراك والمعرفة بأسئلة الوجود، حيث تستعيد الذات القلقة في الزمان والمكان جوهرها وتماسكها من خلال الحفر عميقا في الذاكرة والحنين إلى تفاصيلها في القصيدتين اللتين تتصدران ديوان «هسيس الذاكرة»، إذ أن الذات الشاعرة المغتربة اليتيمة تستقطب كل المتناقضات فهي الرضيع، العاشق، الحائر، العبد، السيد، السجين الأمير الذي يصنع إمارته من كلمات. فالذات التي تصوغ قولها شعرا رغم إحساسها العنيف بالمرارة والتشظي والوجع والاغتراب.. فهي تحمل شهادة بازغة على أن من حقها التساؤل معتبرة الصمت احتجاجا، إذ يدعونا الشاعر إلى التأمل قائلا :»من قال إن الصمت أخرس» (هسيس الذاكرة) وهي الصورة نفسها التي تحملها رؤية الشاعر في قصيدة «يحترق اللسان».
من هذا المنظور يشهد الجسد انكسارات الذات واللغة، ويحضن ذكرياتها وتفاصيلها، بل يتحول إلى ملاذ الذات للتي تستعيد ولادتها عبر الكلمات، فالذات تحلم، تفترش الجسد، تنشد الدفء، يأخذها الحنين تارة وانتظار ولادة ثانية تارة أخرى. علاوة على ذلك تصبح اللغة سرا من أسرار فهم هذه التجربة الشعرية التي تحتفي بالفكرة والموقف، ويجعل الشاعر من الكتابة رسما بالكلمات، ذاكرة تستعيد وتشهد وتؤرخ كما يتكشف ذلك في قصيدة «هجرة الكلمات» التي تتناص بشكل كبير مع قصائد ديوان الشاعر «عودة الكلمات إلى مرقدها الأبدي»، يقول الشاعر:
عادت الكلمات
إلى مرقدها… الأبدي
رافضة للعتمة (هسيس الذاكرة).
ولئن كان الشاعر ينوع في معجمه الشعري، الدال على الجسد، حسيا وتجريديا، ويستقطب لدائرة عقله وقوله الشعريين – بما يحمله القول والعقل الشعريان من دلالات حسب يمنى العيد وخزعل الماجدي – زمنا اختلافيا يعيد من خلاله تشييد معنى للكائن البشري، فإنه يظل مأخوذا إلى الاندهاش بنعمة اللغة، وما تسوقه التراكيب من عوالم ولحظات يلتقي فيها حب الشعر والرغبة في الإعلاء من دوره في تجاوز العتمة من جهة، والوعي بأسئلة الكتابة كحافظة لمخزون الذاكرة والتاريخ وتفاصيل الإنسان الصغيرة وخفة الكائن فيها، هذه الأسئلة المقلقة التي تحول فعل الكتابة إلى وشم، نقش بالكلمات والرموز، وتوزيع بصري للجملة الشعرية على جسد النص بوصفه آلة كسولة، أو أثرا قادتنا إلى تذوقه شيفرات كثيرة.. وهذا ليس غريبا على شاعر نذر نفسه للكتابة كقدر إذ يقول: «سأقتسم الزمن المتبقي مع الكلمات /نتجدد.. ونحيا معا» (هسيس الذاكرة). ونحن نقتسم مع القارئ هذه اللمعات نلفته إلى أن هذه التجربة التي تدين الأزمنة المعاصرة المفترسة اغتنت ذاكرتها من سيول الشعر والفكر العربي وثقافات ما وراء البحر هكذا قد أكون فتحت نافذة أولى للإطلالة على تجربة تستعيد عالمها بالصمت تارة والاحتجاج تارة أخرى. صمت الذات واحتجاجها في حياتها الخاصة أو بين الناس.
٭ كاتب وناقد (المغرب)

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية