سؤال الذات والذاكرة في خطاب اليوميات

ضمن منشورات دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع في الأردن، صدر مؤخراً كتاب مهم معنون بـ«الذات والذاكرة في خطاب اليوميات، دراسة في خواطر الصباح لعبد الله العروي» للباحث المغربي إبراهيم العدراوي، وهو واحد من الباحثين الواعدين في حقل دراسات كتابات الذات، المجال الذي ما يزال في حاجة ماسة إلى مزيد من البحث؛ نظرا لما يكتنزه من أسئلة متعلقة بالذات والوجود والتاريخ. ويقع الكتاب في 226 صفحة من الحجم الكبير.
انطلق الكتاب من مفارقة تتمثل في الانتشار الكبير لخطابي الذات والذاكرة، ارتباطا بسياق موسوم بوجود هامش ديمقراطي خلَق فُسْحة لحرية التعبير وحرية النشر واتساع مساحات التعبير عن الذات، بفضل الدور الذي اضطلعت به وسائل الإعلام والتواصل بمختلف أشكالها (تلفزيون وجرائد وشبكات التواصل الاجتماعي) التي سمحت للكثيرين بتدوين مذكراتهم وسيرهم ويومياتهم، وتقاسمها مع غيرهم، وهو ما أكده مجموعة من الباحثين (إدوارد سعيد، ميري ورنوك، بيير نورا) وأبرزوا الأدوار الحقوقية والنفسية التي تضطلع بها كتابات الذات، والأهمية التي تحظى بها. وألمح إبراهيم العدراوي إلى تعدد مداخل مقاربتها، واختار تأسيس بحثه على ثلاثة مفاهيم هي: الكتابة عن الذات، وخطاب اليوميات، والذاكرة.
بيّن، في البداية، تعدُّد أشكال الكتابة عن الذات (السيرة الذاتية، اليوميات، الاعترافات، محكي السفر، المذكرات، محكي الحياة) وكشف عن الخلفيات الاجتماعية والنفسية والفكرية الحاضنة لها والممهّدة لها، وأبرز القاسم المشترك بينها؛ وهو انطلاق كُتّابها من تجاربهم الشخصية، ومن دوافع مختلفة؛ عقلانية تبريرية، تقديم الشهادة على العصر، وعاطفية أساسها مقارنة الماضي بالحاضر، وإيجاد معنى للحياة والخوف من الموت.
وأفصح الكاتب عن خلفيته المعرفية في معالجة كتابة الذات، وتتمثل في ما كُتب عن الموضوع في الدراسات الغربية والعربية، مع التشديد على أنه ركز فقط على خطاب اليوميات التي لاحظ ندرة الدراسات العربية المواكِبة لها مقارنة مع نظيرتها الغربية، والسبب في ذلك هو قلة كتابة اليوميات بفعل عوامل نفسية واجتماعية وثقافية. ولسد هذا النقص استند الباحث إلى أهم الدراسات الغربية لبياتريس ديديه وفيليب لوجون وسيمونيه فرانسواز تنان.
ارتكز الكاتب في بحثه على مفهوم الذاكرة، مستحضرا ثلاث مقاربات هي: المقاربة السوسيولوجية لموريس هولبفاكس، والمقاربة التاريخية لبيير نورا، والمقاربة الفينمنولوجية لبول ريكور. وتمّ إغناء البحث باستدعاء دراسة الباحثة البريطانية ميري وورنوك الموسومة بالذاكرة في الفلسفة والأدب.
وتبعا للإطار النظري المشار إليه، جمع إبراهيم العدراوي هذه الخلفية النظرية واستكشاف «خواطر الصباح» عبر استقراء خصائصها الخطابية ومحتوياتها، ودراسة حضور الذات وعلاقتها بالذاكرة الجماعية، من خلال خمسة فصول.
وقد اختار إبراهيم عدرواي «خواطر الصباح» لعبد الله العروي متنا للاشتغال؛ نظرا للمكانة الاعتبارية التي يحظى بها عبد الله العروي في الثقافتين المغربية والعربية، وما تتميز به كتاباته من نسقية، بالإضافة إلى وعيه بأساليب الكتابة وطرق التعبير.

تقدم اليوميات صورة عن الكتابة الذاتية التي قد تخالف المزاج العام للنخب والأطر الاجتماعية، وتعكس رؤيتها للذات والعالم معا، وفيها من الوجدانيات والعواطف ما يميز عبد الله العروي المفكر العقلاني، المعروف بصرامة تحليلاته العلمية، عن الإنسان الذي ينفعل ويغضب ويتألم ويعجز عقله عن تتبع مسارات أحداث جارفة.

وانتهى الباحث في خاتمة كتابه إلى مجموعة من الخلاصات من أهمها:
– استطاعت «خواطر الصباح» بخطابها المنفتح أن ترصد حركية ذات الكاتب على مدار أربعين سنة، بأساليب كتابة متنوعة ومتضامة في الآن نفسه، وسمح له هذا بإعادة النظر في علاقة اليوميات بالخطابات الأخرى. فإذا كانت اليوميات في نظر النقاد والكتاب هامشا يرفد السيرة الذاتية والرواية، فقد استخلص إبراهيم العدراوي أنها يمكن أن تكون خطابا تصب به الأجناس الخطابية الأخرى بسيولتها الأسلوبية، وتتجاور فيه لتخلق فسيفساء من الخطابات الأخرى، وهو ما يمنحها خاصيتها التعبيرية وقوتها في منح الذات إمكانات لنقل حقائقها، المتصلة باليومي والمعيش.
– غنى وقيمة خطاب اليوميات في «خواطر الصباح» على المستوى الوثائقي والمعرفي؛ فالكاتب يطرق كل المواضيع: شخصية، تاريخية، سياسية، اجتماعية، ثقافية، وكل هذه المواضيع تصدر عن تعدد اهتمامات الكاتب، وتكشف عن مواقفه الشخصية، أفكاره وتطلعاته المستقبلية.
– تقدم اليوميات صورة عن الكتابة الذاتية التي قد تخالف المزاج العام للنخب والأطر الاجتماعية، وتعكس رؤيتها للذات والعالم معا، وفيها من الوجدانيات والعواطف ما يميز عبد الله العروي المفكر العقلاني، المعروف بصرامة تحليلاته العلمية، عن الإنسان الذي ينفعل ويغضب ويتألم ويعجز عقله عن تتبع مسارات أحداث جارفة.
– تعرض لنا «خواطر الصباح» صورا عديدة عن الأحداث السياسية التي عاشها المغرب خلال أربعين سنة، وصورة عن الجو الثقافي العام الذي تفاعل معه عبد الله العروي، وصورة للمجتمع المرهون بتقاليد بالية تجعله محكوما بالتخلف والجهل والبعد عن قيم التنوير والحداثة، وتسجيل لتاريخ مشروع الكاتب الذي بني على مسار أكثر من نصف قرن، والرحلة الشاقة في سبيل الوجود والاعتراف، وتذکیر بسياقات التأليف والمنع، وتدوین لمشاق البحث وإكراهاته، وصورة المثقف الذي يقرأ ويشاهد ويسجل وينتقد ويتذوق ويملأ الدنيا ويشغل الناس، صورة الإنسان المتألم على فقد الأبناء والإنسان الخطاء الذي يبوح ويعترف، صورة المدافع عن خياراته وأسلوبه وفكره؛ ويرافع عما يمكن أن يلحقه من تنقيص وإشاعة وتغريض.
– ينطلق خطاب الذات في «خواطر الصباح» من الخصوصية والحميمية، لكنه لا يلبث أن يجعلها تتوارى خلف ركام الحوادث، التي تجعل الذات جزءا من التفكير في العالم وهمومه، لأن يومياته ليست مكتوبة للناس العاديين، إذ لا يمكن أن يجدوا فيها ما يرضي فضولهم حول حياة الشخص، لكن يمكن أن يجد فيها المؤرخون مادة غزيرة، لأنها مكتوبة للتاريخ وللأجيال القادمة.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية