سائح بلا لسان

اقتضت الظروف أن أزور ألمانيا في شأن عائلي، لم يكن ذلك مبرمجا من قبل والحقّ يقال، وكنت أشعر وأنا أقدم على السفر بحرج لساني، إذ تساءلت كيف يمكن لي أن أتحدث مع قوم أجهل لغتهم؟ غير أن ثقتي بوجود لسان وسيط نستعمله بيننا هو الإنكليزية هو الذي خفف من وطأة السؤال وحرج الموقف.
ومّما خفّف عليّ الأمر أكثر أن زوجتي التي ترافقني في الرحلة تعلمت مبادئ اللغة الألمانية. كنت في شغل عن هذا اللسان وأنّى لي أن أتعلمها فلم تكن على أيامنا مقررة في المعاهد، ولا اخترتها اختصاصا لدراستي الجامعية، ولا كنت دارسا للفلسفة الألمانية كي أتعلم لسانها الأصلي وأباشر الأمهات الفلسفية في منبعها اللغوي.
لا أدري إن كنت في هذه الزيارة سائحا مطابقا للتسمية القانونية أم لا؟ لكن هل يمكن أن يكون هناك سائح من الجنوب راحل إلى الشمال لا يتقن لسان الأمة التي يزورها؟ تعلمنا في بلادنا منذ كنا طلابا أن نتعامل مع السياح الذين يأتون من بلدان أوروبية كثيرة أن نكلمهم بلغاتهم وليس للسائح المقيم بين ظهرانينا أن يتكلم لغتنا، نحن من عليه أن يفعل ذلك لأنّه سائح. كنّا نقبل هذا الوضع على أنّه مسألة طبيعية، كنا نقبله لأسباب نجهلها، لكنني وبحكم التخصّص بتّ أعلم أن من أهم الأسباب وضع اللسان المحليّ بالنسبة إلى بقية الألسن في العالم.
نحن بلغة علمية لا ننتمي إلى طبقة لغوية عليا، لأنّ لساننا ليس له الشيوع ولا الذيوع الذي للإنكليزية مثلا، بما هي لغة علم. على بائع الورد أن يتعلم الألمانية كي يتمكن من بيع وروده إلى سياح ألمان، التعلم حاجة وليس اختيارا. الطبقة اللغوية العليا هي شأن يرتبط بالوضع السياسي والاقتصادي والثقافي للمجتمعات التي تتكلم لغة من اللغات. أتقنّا إتقانا متوسطا اللغات التي تعلمناها في مؤسسات التعليم العمومية في الحدود التي لا تجعلنا نتكلم بها بطلاقة، بل في الحدود التي إذا امتحنونا فيها في المدارس والمعاهد لا نحصل فيها على عدد سيئ. لم نجد في زماننا من يرشدنا إلى أن نقبل على تعلم اللغات، لأنّها مفاتيح لا للتواصل بين الشعوب، بل هي مفاتيح ثقافية مهمة. علمونا أن من تعلم لغة اتقى شرّها، فلم نتق شرّهم أتعلمناها أم لم نتعلمها، ولا هم اتقوا شرّنا تعلموا ألسنتنا أم لم يتعلموها.
هناك شيء في تعليمية اللغات الأجنبية للناطقين بغيرها، اسمه الانغماس اللغوي Linguistic Immersion أذكر أنّي كتبت فيه مقالا مطولا منذ عقد يزيد أو ينقص في إحدى المؤسسات الجامعية المختصة. يقتضي الانغماس بأن تضع من يتعلم اللغات في مستويات مختلفة، في وضعيات تشبه الوضعية التي أنا فيها الآن في ألمانيا: ترمى وأنت ضعيف الحيلة لسانيا في مجتمع عليك أن تتواصل معه بلسانه. يجبر المرء على التواصل بما لديه من معطيات أوّلية، لأنّه مضطر إلى ذلك. وسمّي انغماسا، وهو انغماس لأنّ المعلمين يلقون بالمتعلمين في سياق ثقافي شامل تكون فيه اللغة أداة تواصل داخل سياق ثقافي شامل. الإشكال بالنسبة إليّ أنّي وضعت في بحر التواصل هذا المتلاطم الأمواج، وليس لي معلّم يوجهني أو زاد ثقافي استعمله في هذا الخضمّ. لكنّي مجبر على أن أسبح مسايرا للتيار.
ليس لي في هذه الحالة إلاّ أن أستعمل اللغة الوسيطة لا في الحديث مع الألمان، بل في فهم الكلمات التي استعملها قياسا على الكلمات الإنكليزية التي أعرفها. في ألمانيا يشترطون على كل مهاجر للعمل والدراسة أن يصل إلى مستوى معيّن من الألمانية يسمح له بالتواصل بالألمانية، وإلاّ فإنّهم يحرمونه من تأشيرة السفر. في الأمر حاجة تواصليّة لا شكّ في ذلك، لكنّ فيها حيلة في نشر اللسان الألماني وإذاعته بين الشباب المتطلع من آسيا ومن افريقيا بالأساس إلى الدراسة في ألمانيا. قيل لي إن هناك فروقا بين لغة بيارن، المقاطعة التي أنزل فيها مؤقتا، وبقية المقاطعات، وهذا من شأنه أن يعقّد الأمر على من يعرف مثلا كلمة في لهجة مقاطعة كان فيها، ولا يعرفها في لهجة المقاطعة التي ينتقل إليها. لكنّ الأشياء في التواصل اليومي هي أقلّ تعقيدا ممّا يصفها به لسانيّ وصفا علميّا فأنا على سبيل المثال يمكن أن أفهم إشارة راكب لي بأنّها تحية، أو استئذان بالمرور، ويمكن أن أردّ عليه وأنا لا أعرف ما قاله على وجه التدقيق، بل اعتمد قرائن السياق وبعض الشبه بين ما أعرف من الإنكليزية، وما بت أعرف من عبارات ألمانية لأفهمه.
على الرغم من أن اللغة الألمانية هي لغة هندية أوروبية، ولا تربطها أي روابط أسرية مع الإنكليزية لكنّي تحايلت أكثر من مرة في استخراج الشبه بين كلمات إنكليزية وأخرى ألمانية، وكنت أسأل إن كان فهمي صحيحا وحدسي صائبا، فأجاب بالقبول.

يتحرك القطار فأقرأ على شاشة الإعلانات اسما عربيا لا أعرفه يترجمون له أقواله، لكنني عرفت أن مجال اختصاصه الخط العربي. ليس ما شدّ اهتمامي أنّهم وضعوا خطا عربيا زيّن الشاشة، بل لأنّي وأنا في هذا البلد وفي هذا القطار أقرأ عن العربي والخط وعن قول عربي في الأصل، بما لا يستقرّ عندي في الفهم إلا ما أتأولّه.

تاريخ الألمان في اللسانيات مشرّف، ولاسيّما في ما يعرف باللسانيّات المقارنة التي سيطرت على الاهتمام في القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، وكان دي سوسير رائد اللسانيات أستاذا في اللسانيات المقارنة. من الألمان الذي شاركوا في هذا التيار اللساني التاريخي اللساني فرانتز بوب 1791-1867 Franz Bopp الذي يعود إليه الفضل في إرساء الدراسات اللسانية المقارنة على قواعد وقوانين دقيقة. كانت اللسانيات المقارنة تدرس تاريخ تطور اللغات وتصنيفها في أسر أو عائلات. وكان اللسانيون مولعين بالوقوف على تشابهات في الأصوات، أو في التصريف، أو في النحو بين لغات تقع في شرق آسيا وأخرى في غرب أوروبا ويضعون الفرضيات التاريخية على هذا التلاقي في هذه السمات اللغوية، رغم بعد الجغرافيا. كان من العسير في البداية الوقوف على قواعد مضبوطة للتشابهات، لكنّ فرانتز بوب تمكّن من إيجاد كثير من القواعد التي تفسر نظاميا التشابهات. ولا يمكن أن ننسى في هذا السياق أوغست شلايشر August Schleicher الذي مرّ اهتمامه باللسانيات المقارنة عبر عنايته بالفلسفة الهيغلية في الأساس، والأهمّ من ذلك أنّه كان يعرف العبرية والعربية والفارسية.
كان هذان اللسانيّان اللذان ينتمي تفكيرهما إلى عصر اللسانيات التاريخية، وإلى ما قبل عصر اللسانيات الحديثة، ينتميان إلى عائلة مترفة لم تكن تؤمن بجدوى الدراسات اللسانيّة، بل إن شلايشر نفسه كتب إلى والده يذم اللسانيّين، ربما من باب إرضاء غروره فقال: «فقيه اللغة (وهي تسمية اللسانيّ في ذلك الوقت) هو شحّاذ بائس». لا يمكن أن ننسى ونحن في سياق الحديث عن الفضل الألماني في اللسانيات جهد نظرية الجشتلت وأثرها في اللسانيات العرفانية، فقد مكنت هذه النظرية التي تتعلق بإدراك الأشكال من خلال تجميع المعطيات والتبئير على الشكل المعني، من بناء ما يعرف بوجهات النظر في بناء الوضعيات اللسانية إدراكيا.
يتحرك القطار فأقرأ على شاشة الإعلانات اسما عربيا لا أعرفه يترجمون له أقواله، لكنني عرفت أن مجال اختصاصه الخط العربي. ليس ما شدّ اهتمامي أنّهم وضعوا خطا عربيا زيّن الشاشة، بل لأنّي وأنا في هذا البلد وفي هذا القطار أقرأ عن العربي والخط وعن قول عربي في الأصل، بما لا يستقرّ عندي في الفهم إلا ما أتأولّه. من قال إن القراءة في مثل هذه الحالات ليست إلاّ تأويلا وقياسا، قياس ما يقع في ذاكرتك أنك تعرفه في لغة أخرى تعرفها على ما لم يقع بعد في ذاكرتك، ولم يخزّن لكنّه يبدأ في التخزين بعد التأويل. يذكرني صوت رخيم في القطار بأنّ محطة نزولي ستكون المقبلة. هنا تنزل أنت أيها القارئ الكريم الآن وسأنزل أنا في محطتي بعد حين.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية