سابين شقير: الضحك واحد من حقوق الإنسان وحاجة مشتركة بين كل البشر

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”:تتحدث سابين شقير عن فن التهريج كعامل يسهل حياة الناس المتعبين والمهمشين. هذا الفن الذي اكتشفته صدفة تركها كإنسان تتقبل نفسها وتتقبل أن يكون لها أخطاؤها وأن لا يكون الكمال هدفاً منشوداً في حد ذاته.

سابين شقير أسست فريق “كلاون مي إن” بهدف العمل في الفضاءات الحرة، ومع المجتمعات التي يحتاج أفرادها لمن يطلق ابتسامتهم من أسرها رغم كل الشقاء. تؤكد بأن كل المجتمعات التي يستهدفها الفريق تطلب عودتهم.

معها هذا الحوار:

*ماذا عن جائزة “المهرج في القلب” التي نلتها مؤخراً وماذا تعني لك؟

**إنها جائزة مهرجان “كلاون أند كلاون” الذي يعقد سنوياً في ايطاليا، وهي المرّة الأولى التي أشارك بهذه الفعالية الدولية. يجمع المهرجان مهرجين من كل أنحاء العالم، ويتضمن عروضاً في الشارع والمسارح، وخلاله تصبح مدينة مونت سان غويستو بكاملها مساحة للتهريج. وتمنح الجائزة ليس فقط عن حضور المهرج في هذا المهرجان، بل كذلك تشمل مجمل نشاطه وتواصله مع الناس، وتفاعله مع القضايا الإنسانية. هي جائزة معنوية، وهي الأولى في حياتي كمهرجة.

*ما هي العناصر الأولية التي يفترض توافرها في شخصية المهرج؟

**نحن في “كلاون مي إن” نعمل على المهرج الموجود في داخل كل منا. وهنا لا أتحدث عن المهرج الذي يشارك في إحياء أعياد الميلاد، أو الذي يشارك في السيرك، وتكون التجارة هي التي تحرّك عمله. نعمل أولاً على المهرج الذي في داخلنا، وعلى ما نحبه ولا نحبه في ذاتنا. ونعمل على كيفية تكبير وتضخيم ما نحبه. نرتدي ملابسنا، ونترك ما نراه غير جميل في جسدنا يظهر وبشكل جلي وواضح. إذاً نحن نتغنى بكل ما هو موجود في أجسادنا. من أهم صفات المهرج أن يكون حقيقياً، وأن يحقق التواصل بين ذاته والجمهور.

*كيف تشكل فريق “كلاون مي إن” ومن هم أعضاؤه؟

**أسست “كلاون مي إن” سنة 2007 حين كنت في المكسيك مع زميلتي وصديقتي غبريللا مونيوز. وأول مشروع نفذناه سوية استهدف السكّان الأصليين في المكسيك، ومن ثم توجهنا للتعليم في عدد من الجامعات. وتابعنا الطريق نحو البرازيل حيث استهدفنا السكان الأصليين والمجتمعات المهمشة ومن خلال مشروع كبير. وتوجهنا لاحقاً إلى الهند للعمل مع المجتمعات نفسها. وهناك قدمنا عروض التهريج بهدف الأخذ بيد هؤلاء البشر بحيث يجدون ذاتهم، أو يجدون ما يسرّهم في الحياة. أو ربما هم يتمكنون من اكتشاف الجانب الإيجابي من الحياة التي يعيشونها.

*ومتى كانت العودة إلى لبنان؟

**الجولة في كل من البرازيل والمكسيك والهند تلت دراستي للتهريج في لندن. عدت إلى لبنان سنة 2010 وأسست فريقاً من أربعة أشخاص، وحالياً يفوق عددنا الـ25 مهرجاً. “كلاون مي إن” في لبنان تجمع بين مهرجين من لبنان وفلسطين وسوريا، وجميعهم يعيش هنا.

*لماذا قررت التخصص بالتهريج؟

**نلت إجازة في التمثيل من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية. وفي لندن تخصصت ثلاث سنوات في مدرسة مختصة بالحركة والتهريج، وبعدها درست في الولايات المتحدة الدعم النفسي الاجتماعي لسنتين.

*درست كل هذه السنوات بهدف التعمق في حرفة المهرج المحترف. إنها مهنتك فكيف تعيشين منها؟

**نعم هي مهنتي. أقدم عروضاً وأتقاضى أجرها. كما وأسعى للحصول على دعم بهدف إقامة عروض شارع. كذلك أقدم التدريب للعاملين ببعض الشركات وبطلب من مسؤوليها. وأحياناً أقوم بدور إستشاري في مهمات محددة. وثمة مهمات أخرى أقوم بها من دون أجر، وهذا ما أراه عملاً طبيعياً.

*هل تتبعون أثر المتعبين في العالم كما حصل في الجزيرة اليونانية التي غصّت بسترات النجاة كما ظهر في فيلم “بمشي وبعّد”؟

**في ذاك الوقت بالتحديد كان الوضع على تلك الجزيرة صعباً للغاية، كانت تغصّ باللاجئين ولم نتمكن من مشاهدة أحدهم. حينها تشدد الأوروبيون جداً ومنعنا من العرض لهؤلاء اللاجئين.

*يمكن القول إنكم تعملون على إطلاق البسمة على وجوه من يعانون من قساوة الحياة؟

**نذهب إلى حيث تتم دعوتنا. نذهب حيث توجد كارثة إنسانية أو بيئية، أو حيث يوجد بشر يمرون في ظروف صعبة. دورنا هو الترفيه عن هؤلاء البشر لو لفترة قصيرة من الزمن. الضحك، أو الشعور الذي يخالج الفرد بأنه يعيش طفولته من جديد هو حق من حقوق الإنسان. الضحك واللعب من أهم العناصر التي تساعد على تحمل قساوة الحياة. دورنا أن نقدم الضحكة لهؤلاء الناس.

*وكم ينعكس عليكم كبشر تتبع أثر المتعبين والمنهكين؟ أم لديكم مناعة ضد الوجع؟

*لا أعتقد أن أحداً ما لديه تلك المناعة. مما لا شك فيه أن تلك المآسي تترك أثرها الكبير. حسب تجربتي هذا الواقع سيف ذو حدين. ففي أماكن محددة الأمور صعبة جداً، لكن ردة الفعل الإيجابية التي تصلنا مباشرة خلال العروض تخفف من وقع المأساة. يطلب الجميع منا أن نعود من جديد، ونلمس الفرق بين استقبالهم لنا ووداعهم. نعم الحياة في مكان ما قاسية لدرجة لا توصف، لكن الفعل الصغير وإطلاق البسمة على وجوه المتعبين فيه جزء من تعويض. شخصياً أتذكر ردة فعل الناس لأتمكن ولو لزمن قصير من تجاوز مآسيهم. لدى عودتي إلى منزلي بعد أسبوعين من التجوال وعروض التهريج، لا أخفي عنك بأنني أصل أحياناً لحدود الإنهيار. وحينها ألازم المنزل لأسبوع من دون رؤية أحد.

*وهل تخضعين نفسك للعلاج؟

**عادة أكتفي بالعزلة لأسبوع مع نفسي.

*هل لعروض الشارع التي تنظمها “كلاون مي إن” مناسبة ومكان محدد؟

**في الغالب ننفذها في لبنان. على سبيل المثال نفذت مشروع “الكرافانة” مع اللاجئين في لبنان، حيث مكثنا لثلاثة أشهر نتجول بين مخيمات اللاجئين السوريين الخمس في البقاع. نفذنا ورشات عمل وتدريب لها صلة بالتهريج، وفن الحكي والدعم النفسي الاجتماعي. وفي الوقت نفسه سجلت للمشاركين في الورشة قصصاً خاصة بهم رووها لي، ومن ثم أخضعتها للمونتاج. وتالياً اخترت من المخيمات ستة ممثلين غير محترفين، وعلّمتهم التمثيل على مدى ثلاثة أشهر. وكانت لنا مسرحية شارع جالت في أكثر من منطقة في لبنان حيث قدمنا بحدود الـ100 عرض. هذا واحد من عروض الشارع الذي حصل على دعم من الاتحاد الأوروبي واليونيسف.

*وماذا عن مشاركتك في الحراك الشعبي في وسط بيروت؟

**أشارك في الحراك كمهرجة كلما سنحت لي الفرصة. وعندما أكون متعبة أشارك كسابين. أشارك في الحراك من خلال انتمائي إلى “كلاون مي إن” فنحن لنا حقوقنا كبشر نعيش في هذا الوطن. قبل أن يبدأ الحراك كنا نشارك في كافة الاعتصامات. نشاطنا كان مميزاً خلال الحراك ضد النفايات، وصدر لنا فيديو يظهر حجم المشكلة، وكيف تتعامل معها الدولة باستخفاف، كمثل تلويث البحر وطمره بالنفايات. من الطبيعي أن نكون في أي حراك يشهده الشارع، فهذا من صلب عملنا.

*وهل لفن التهريج أنواع؟

**بكل تأكيد. ثمة مهرجون متخصصون في السيرك، وآخرون يشاركون في إحياء أعياد الميلاد، إلى المهرجين الذين يبثون الرعب كما في الأفلام. وكذلك هناك المهرجون الذين يعملون في المستشفيات وهؤلاء يختلفون عن الذين يعرضون في الشارع لمجموعة واسعة من الناس. فهم يعرضون لشخص واحد مريض. وهناك فئة من المهرجين تقدم عروضها في المسرح. ونحن في “كلاون مي إن” نعمل ضمن الفضاء الحر.

*وماذا عن المهرجين السياسيين في لبنان في أي مرتبة وإلى أي فئة ينتمون؟

**بالطبع هم مهرجون. من صفات المهرج الأساسية أنه يستدرجنا لنضحك عليه. وفي هذا المضمار أهل السياسة عندنا على درجة عالية من الاحتراف. ونحن دائماً نرجوهم بأن لا يتعدوا على مهنتنا فهي مصدر رزقنا أولاً. وثانياً نحن لنا أهدافنا السامية، فيما أهدافهم وضيعة.

*هل يختلف التهريج بين شعب وآخر؟

**هناك أشياء مشتركة في عروض التهريج بين مختلف أنحاء العالم. يشترك الناس أينما كانوا فيما يضحكهم. الحركات الجسدية الهزلية هي نفسها. فيما يكمن الخاص في الحالة التي يعيشها كل بلد بعينه. هناك عرض أقيمه في أكثر من مكان في العالم ينطلق من الفكرة نفسها، مع تغيير في القليل من التفاصيل التي قد تليق أكثر بالجمهور الذي أستهدفه.

*إذاً التهريج موحد بين الشعوب؟

**هو يشبه الضحك الذي لا يتبدل بين شعب وآخر. والضحك حاجة إنسانية مشتركة بين الشعوب.

*وما هو دور التهريج في عصر الإكتئاب الذي نعيشه؟

**الأهم أن لا نكون نحن المهرجون في حالة إكتئاب. لكننا نبحث في تقديم ورشات عمل من الضحك لمن يرغبو، في تمضية عدد من الساعات أو يوماً كاملاً من الضحك.

*هل سيساعد ذلك في تراجع حالات الانتحار في رأيك؟

**بدأت فكرتنا قبل ظاهرة الإنتحار. وحضورنا في الشارع جزء من هذا الهدف. ننزل إلى رياض الصلح كفريق مهرجين أولاً لنقول شكراً للناس المصرّين على التظاهر، وثانياً كي نضفي قليلاً من البهجة والفرحة في المكان والترفيه عن الناس، فالإكتئاب يزداد بشكل كبير.

*هل لنا تحديد نشأة التهريج كفن؟

**موجود منذ الأزل. في كل الأمكنة شخص يضحك منه الناس وراح يتطور. في الزمن القديم كان المهرجون يملؤن القصور ويضحكون الأمراء والسلاطين. كانت لهم وحدهم حرية الانتقاد من دون أن يلحقهم الأذى. تطور هذا الفن لاحقاً وبات منوعاً.

*لماذا اخترت هذا الفن كمهنة؟

**عندما رغبت في دراسة المسرح لم أكن أعرف حتى اسم التهريج. عندما سافرت إلى لندن تعرّفت إلى هذا الفن. وعندما وجدت المهرج الذي في داخلي شعرت وكأن بلاطة ثقيلة انزاحت عن قلبي. فجأة صارت الحياة بالنسبة لي أكثر مرحاً وأكثر سهولة. وعندها تقبلت بأنني يمكن أن أرتكب الأخطاء. وليس بالضرورة أن أكون دائماً شخصاً كاملاً، وما من أحد قادر على ذلك. واقتنعت بأنه ليس بالضرورة أن أكون امرأة قوية. وأن أتعاطى مع الحياة بسلاسة وسهولة أكبر. ولهذا قررت التركيز على التهريج وتركت كل اهتمام آخر من التمثيل إلى تقديم البرامج وغير ذلك. لقد أحدث التهريج اكتفاء ذاتياً في داخلي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية