سام ميندز: التلفزيون همزة الوصل بين جزأي مخّي المسرحي والسينمائي

حجم الخط
0

لوس انجلس ـ «القدس العربي» ـ من حسام عاصي: منذ إنشائه قبل 2500 عام على يد الاغريقيين، كان المسرح محور الحضارة الإنسانية والوسيلة الوحيدة للتعبير الفني، مطربا مشاهديه بأداء حي للممثلين الذين عبروا عن تجاربهم من خلال الاشارات، الغناء، الخطاب، الرقص والموسيقى، حتى ان ظهرت السينما في اوائل القرن العشرين وبهرت الناس بروعتها وجودة وجمال فنها الساحر.
فبينما كان المسرح يسرد الرواية بمقاييس ضيقة على منصة امام الجمهور، نقلت السينما جمهورها الى أماكن وقائع القصة، سواء كانت في ديار بعيدة أو قريبة أو في أعماق البحار أو في ظلام الفضاٍء واستخدمت تقنيات ومؤثرات بصرية وسمعية لتعزيز الأثر الدرامي وتعميق الشعور الحسي والذهني، مما اوهم المشاهد بأن الرواية حقيقية.
لكن رغم عجز المسرح عن منافسة السينما في إشعال خيال الجماهير، فإنه ما زال رائدا لفن سرد الروايات ومنبعا للمبدعين. فكثير من ممثلي ومخرجي الافلام البارعين كانت بدايتهم المهنية من خلال الفنون المسرحية. أحد هؤلاء المخرجين هو الانكليزي الحائز على جائزة الأوسكار، سام ميندز، الذي قال لي عندما قابلته في فندق أورينتال ميريديان في نيويورك ان المسرح والسينما يختلفان كليا،»كل منهما يشغل جزءا آخر في مخي».
بدأ ميندز بإخراج مسرحيات في جامعة كامبريدج حيث كان يدرس الأدب الانكليزي. وبعد تخرجه في الـ 24 من عمره قام بإخراج مسرحية تشيكوف «بستان الكرز» ببطولة جودي دينتش في لندن. ولاحقا، انضم لشركة شكسبير الملكية وتلاها بالمسرح الوطني قبل ان يأخذ زمام ادارة المسرح المشهور «دونمار ويرهاوس»، فضلا عن عمله المسرحي في برودووي في نيويورك، ليصبح أحد ابرز مخرجي المسرح في الغرب.
عام 1999 قفز منيدز في عالم الافلام مخرجا «جمال أمريكي»، الذي حاز على عدة جوائز أوسكار من ضمنها أفضل فيلم وأفضل مخرج. ومن المفارقات، أن ميندز لا ينسب نجاح فيلمه لخبرته في المسرح. «هناك بعض التشابه بين الفيلم والمسرح، ولكن الاختلاف أكبر بكثير،» يعلق ميندز. «التشابه ينبع من كونك تتعامل مع ممثلين، سيناريو وخيالك البصري، ولكن المنهج يختلف كليا من نواح كثيرة جدا. عملية صنع الافلام بطيئة جدا وهي ليست طبيعية».
حقا، فالمسرحية تُسرد بشكل انسيابي كما يروي الراوي روايته مما يمكّن أشخاصها من النمو والتطور تدريجيا مع التقدم الزمني للقصة، أما الفيلم فيتم تصويره عادة ككتل لقطات بشكل لا خطي بغض النظر عن ترتيبها الزمني، يتم ربطها وتحويلها الى سرد انسيابي بعد انتهاء التصوير في غرفة التوليف. «في المسرح كل شيء يظهر في نفس الوقت»، يعلق ميندز.
إذا لماذا يفكر مخرجو المسرح بإخراج افلام سينمائية؟
«المتعة في الفيلم تكمن في منظور 360 درجة، بينما تشاهد المسرحية من منظور واحد فقط،» يوضح ميندز. «بإمكاني ان أدور حول الممثل في موقع او مكان تصوير الفيلم حتى أجد افضل زاوية لتصويره. هذه الإمكانية هي هبة عظيمة لمخرج سينما جاء من المسرح».
لهذا يعتبر المسرح محور الكاتب والممثل بينما تمنح السينما المخرج السلطة المطلقة على سرد روايته من خلال التحكم باختيار مواقع وعدسات التصوير، حجم وزوايا اللقطات وترتيب وإيقاع المشاهد. غياب هذه القدرات التقنية والأساليب الابداعية في المسرح، تحرم المخرج من تحقيق رؤيته الخاصة للرواية وصبغها بصبغته الشخصية.
أحد عناصر صنع الافلام المهمة جدا في رأي ميندز هي القدرة على تسجيل الممثل يقوم بأداءات مختلفة في لقتات عديدة ثم اختيار اللقطة التي تحتوي على أفضل أداء في غرفة المونتاج. وهذا مستحيل في المسرح، حيث يكرر الممثل نفس الاداء الذي كان قد اتقنه في التدريبات التمهيدية (البروفات)، لمدة أشهر أو اعوام، ويكون المخرج عاجزا عن تغيير شيء.
ومع ذلك، فإن المسرح يُكسب المخرج مهارة كسب انتباه وإصغاء المشاهد لمدة ساعتين أو اكثر، من خلال فهم حرفة سرد الروايات وإتقان إيقاع السرد. «هذا مهم جدا في زمن كثير ما يمنح مخرجو دعايات وفيديوهات موسيقى اخراج افلام سينمائية»، يقول ميندز. «هم بلا شك بارعون بصريا، ولكنهم ليسوا متعودين على جذب انتباه الجمهور لمدى زمني طويل، وهذا امر عليك ان تحقق في المسرح بدون اللجوء لتقنيات ومؤثرات بصرية».
لهذا ليس من العجب أن كثيرا ما يتفوق مخرجو المسرح على مخرجي الافلام العريقين بابداعهم وابتكاراتهم السينمائية، وأبرزهم كان أورسون ويلز صاحب فيلم «المواطن كين»، الذي ما زال يعد احد اهم الافلام في تاريخ السينما ومصدر الهام لصانعي السينما.
أما افلام ميندز ومن ضمنها، «الطريق الى الهلاك»، «رأس جار»، «الطريق الثوري» و»سكايفول» ، فقد حصدت العديد من الجوائز السينمائية القيمة كالأوسكار والسعفة الذهبية، فضلا عن نجاحها التجاري الباهر، فسكايفول كان أعلى افلام سلسلة بوند دخلا، جامعا ما يوازي مليار دولار.
مؤخرا خاض ميندز عالم التلفزيون، منتجا مسلسل «اتصل بالقابلة» في عام 2013 و مسلسل «بيني دريدفول». التلفزيون هو همزة الربط بين جزأي مخي، السينمائي والمسرحي،» يقول ضاحكا. «هنا يمكنك أن تكرس الوقت اللازم، كما تفعل في المسرح، لتطوير الاشخاص، مما يؤدي لنمو طبيعي وتدريجي للمشهد بدون تسرع وبدون دفع مفرط. وفي نفس الوقت يمكنك استعمال العناصر والوسائل التي تعلمتها من الافلام كتكتيك الصدمات والمفاجآت، والتقلبات السردية والتوليف الدرامي».
رغم الاختلافات المذكورة أعلاه بين السينما والمسرح فإن ميندز يشبكهما على حد سواء ولا يرى فرقا بينهما في قدرة التعبير عن نفسه. «عندما أُنهي مسرحية، استصعب الانتظار للبدء في صنع فيلم، وعندما أُنهي الفيلم، أكون مستقتلا للشروع في اخراج مسرحية اخرى. ولكن هذه الأيام كل ما أوده هو أجازة».
حقا، لا يمكن لومه على رغبته في اجازة. ففضلا عن إنتاجه للمسلسل التلفزيوني «بيني دريدفول» هذا العام، فقد قام ميندز، البالغ 48 عاما، بإخراج ثلاث مسرحيات ضخمة في السنتين الماضيتين وهي: ريتشاد الثالِث (2012)، تشارلي ومصنع الشوكولاتة (2013 ) والملك لير (2013 ). وهذه الايام يقوم بالاستعداد لإخراج فيلم بوند الـ 25.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية