ستون عاماً ومؤسسة الدراسات الفلسطينية تواصل البحث العلمي في الصراع العربي الصهيوني خالد فرّاج: بعد الموسوعة التفاعلية بلغات متعددة ونحضّر لنشرة ترصد العنصرية الإسرائيلية

زهرة مرعي
حجم الخط
1

بيروت ـ «القدس العربي»: تقول الصفحة الرسمية لمؤسسة الدراسات الفلسطينية على فيسبوك بأنها «أول هيئة عربية علمية مستقلّة خاصة اُنشئت للعناية حصراً بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني وقد تأسست سنة 1963….» ستون سنة مضت من عمر المؤسسة مرّت خلالها بمراحل متعددة، لكنّها على الدوام تلتزم البحث العلمي الصارم والدقيق.

منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية تلقى رواجاً وطلباً من قبل المؤسسات التعليمية الجامعية وطلابها والباحثين فيها، وذلك على مستوى العالم أجمع. تسوّق تلك المنشورات ورقياً، وكذلك إلكترونياً عبر موقع «نيل وفرات». أما التحدي الأكبر الذي تخوضه المؤسسة فيتمثّل بمواكبة عصر الرقمنة على مستويات عدّة، وفي طليعتها الموسوعة التفاعلية الحديثة العهد، والمفتوحة لاستقبال معلومة جديدة على الدوام.
أما التحدي المادي فله شأن آخر، وتأكيداً على مبدأ الاستقلالية تعمل مؤسسة الدراسات الفلسطينية عبر حملتين لتأمين التمويل. انطلقت الحملة الأولى سنة 2021 وتمثلت بجمع قطع فنية كتبرعات من مبدعيها بهدف بيعها. وكان التبرّع سخياً. والثانية تتمثل بإنشاء وقفية مالية يُعمل على بلورة تفاصيلها، وإن كانت خطوطها الرئيسية واضحة بحيث تُجمع تبرعات من أصدقاء المؤسسة وهم كثر. وهؤلاء الأصدقاء ينتمون لكافة دول العالم، وهم فلسطينيون وعرب منتشرون في الأمركيتين وأوروبا وكذلك في الدول العربية عامة.
بمناسة مرور ستين سنة على تأسيس مؤسسة الدراسات كان هذا الحوار مع مديرها العام خالد فرّاج:
○ ستون عاماً على تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية ماذا عن وصايا المؤسسين قسطنطين زريق ووليد الخالدي وبرهان الدجاني وغيرهم؟
•أرسى المؤسسون عدة مبادئ ذات طابع قومي وأخلاقي وسياسي، أهمها أننا مؤسسة عربية مستقلة لا تتبع حزباً ولا طائفة ولا دولة، وظيفتها الحفاظ على هويتها العربية، فاستقلاليتنا من أهم شروط استمرارنا. كما كان هناك تأكيد من جانب المؤسسين على الدور النوعي الذي ستؤديه المؤسسة في مجال الإنتاج المعرفي من خلال البحث العلمي الصارم والدقيق الذي من شأنه أن يقدم سرداً دقيقاً للصراع، منذ بداية نشوئه في القرن التاسع عشر، ليكون بمثابة حجة قوية تؤكد الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
○ ما سبب استمرار الطلب على مطبوعاتكم، ولا سيما في ظل «النق» المتواصل من جانب الكتّاب ودور النشر بشأن عدم الإقبال على الكتب الورقية؟
•لا تزال هناك حاجة إلى كتبنا، إمّا من جانب الجامعات لتدريسها، وإمّا من جانب الطلاب الجامعيين والأساتذة الفلسطينيين والعرب وغيرهم. وعندما نجد أن إنتاجنا الورقي بدأ يعاني من جرّاء تراجع الطلب عليه سندرس الخيارات الأُخرى الممكنة. مع العلم بأن كافة كتبنا ومنشوراتنا متاحة عبر موقع «نيل وفرات» إلكترونياً، وعبر مكاتبنا والمكتبات في العالم العربي. إذاً، لدى المؤسسة بنية إلكترونية، بين مكاتب بيروت ورام الله وواشنطن، يجتهد فيها مهندسون لتحسين أدائنا وحضورنا، كما نحاول عبر منصاتنا الإلكترونية والاجتماعية التواصل مع الجيل الجديد من الشبان والشابات.

الموسوعة التفاعلية: وثبة جديدة

○ جديدكم هو الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية. ما هو محتواها؟ مَنْ يتصفحها؟ ولأية أهداف؟
•تتضمن الموسوعة مسرداً زمنياً للقضية الفلسطينية بدءاً من سنة 1915 يحتوي على أهمّ الأحداث والمحطّات. وتضيء على 100 علم من أعلام فلسطين، منهم شخصيات فكرية وسياسية وثقافية، وعلى العديد من المواقع الفلسطينية، من قرى مدمّرة ومخيمات للاجئين. تصدر الموسوعة باللغتين العربية والإنكليزية، ونتطلع قريباً إلى إصدارها بالفرنسية والإسبانية. ومنذ إطلاقها في حزيران/يونيو الماضي، بالشراكة مع المتحف الفلسطيني، يزورها مئات الآلاف، منهم المتصفح السريع، ومنهم المتعمق في قراءة محتواها. والمتصفحون هم من كل الأجيال، ولا سيما من الشباب الفلسطينيين والعرب وغيرهم في الجامعات العالمية. تشكل الموسوعة مصدراً موثوقاً لكل ما يريد هؤلاء معرفته عن فلسطين والصراع العربي – الصهيوني. ويتم بشكل شبه يومي إضافة معلومات جديدة إليها، كما تحتل هذه الموسوعة موقعاً متقدماً جداً على محرك البحث غوغل.
○ كم أتاحت الرقمنة الوصول إلى الفئات التي نسيت فلسطين وقضيتها، وإلى أي مدى هي مستهدفة من قبلكم؟
•مهمتنا هي توعية الرأي العام العربي والعالمي بالمخاطر المحدقة بالقضية، ولهذا السبب صدرت الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية بالعربية والإنكليزية.
○ مؤسسة الدراسات الفلسطينية رأت النور قبل المنظمات التي شكلت نواة الثورة المسلحة الفلسطينية. ما هي قراءتكم بهذا الشأن؟
•تأسست منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 حين سادت إرهاصات ما بعد النكبة وتلقى الناس الصدمة الكبيرة، فتوجه كل طرف نحو القيام بدور معين، سواء من خلال العمل المسلح أو من خلال العمل الفكري وسواه. عندما نشأت مؤسسة الدراسات على يد قسطنطين زريق ووليد الخالدي وبرهان الدجاني، كان القرار بأن أحد أشكال الرد على هذا المشروع الاستعماري يكون بالعلم والمعرفة، أي بدراسة المشروع الصهيوني الذي استهدف فلسطين، ودراسة القضية الفلسطينية بصورة موضوعية وعلمية، ومن هنا ظهرت فكرة إنشاء مؤسسة فلسطينية عربية. إذاً الفاصل الزمني بسيط بين انطلاق مؤسسة الدراسات، وانطلاق حركات المقاومة السياسية والمسلحة.

الأهداف الاستراتيجية

○ بين أهداف البدايات التي وضعها المؤسسون والأهداف في الوقت الراهن، هل تعدلت الاستراتيجيات أو تبدلت؟
•المبادئ هي نفسها، لكن تتغير الأدوات، والتحدي الراهن هو تحدٍّ تكنولوجي، ونحن نواكبه بالإمكانات المتاحة، وراضون عن الأداء في هذا المجال. وتمثل التحدي الأكبر، خلال العام الماضي، في ورشة عمل نظمتها لجنة الأبحاث في المؤسسة لتحديد الأولويات البحثية، إذ تم صوغ استراتيجيات البحث، وأخذنا في الاعتبار المتغيرات السياسية والاجتماعية، لا في الداخل الفلسطيني فحسب بل أيضاً في التجمعات الفلسطينية أينما وُجدت. وبهذا نهتم بدراسة كيفية السيطرة الإسرائيلية على كل مناحي الحياة في فلسطين، وتمت دراسة سياسات الفصل العنصري الإسرائيلي التي تتوسع أكثر فأكثر لتشمل كل مناحي الحياة الفلسطينية.
○ وماذا عن الأوضاع المالية؟
•مع كل تحسن يطرأ على الوضع المالي نتمكن من استقطاب شابات وشبان جدد للعمل في المؤسسة. كذلك نستقطب باحثين جدداً يتلقون التدريب على يد المخضرمين في البحث. أوضاعنا المالية ليست في أفضل أحوالها، ولتحسينها أطلقنا حملتي تبرعات: الأولى سنة 2021 تمثلت في جمع أعمال فنية من فنانين عرب وفلسطينيين بغرض بيعها، ونجحت المهمة بنسبة 70 في المئة، وما زلنا نسعى لتحقيق نسبة نجاح 100 في المئة، من أجل دعم برامجنا الجديدة وتمويلها. والفكرة الثانية التي بدأنا بإطلاقها تباعاً تتمثل في العمل على إنشاء وقفية مالية تتيح لنا تأمين استمرارية مريحة في العمل. فأصدقاؤنا في العالم كثيرون، من الجامعيين الفلسطينيين والعرب والأجانب المنتشرين في الولايات المتحدة وأوروبا والمملكة المتحدة، وهم أوفياء لمؤسستهم. لذا سنتوجه إلى مئات الأصدقاء لدعوتهم إلى التبرع للمؤسسة بمبالغ بسيطة.
○ هل سبق أن قدمت لكم دولة عربية مساعدة مالية من دون طلب؟
•نحن نعتمد على الدول العربية المتمكنة، وهي قدمت لنا كثيراً من التمويل غير المشروط. حالياً نعتمد على أصدقائنا في الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي في الكويت وصندوق قطر للتنمية وغيرها من الصناديق العربية، وأيضاً على أصدقائنا من الممولين العرب والفلسطينيين.

الحضور في الغرب

○ تخططون لنشرة خاصة ترصد العنصرية الإسرائيلية، فقد قرأت خبراً في «القدس العربي» يقول إن 50 في المئة من الشعب الأمريكي يرى في إسرائيل دولة فصل عنصري. ماذا تقول؟
•سئمت الشعوب في العالم، وبشكل أقل الحكومات، من الممارسات الإسرائيلية، ولا سيما مما يحدث سنوياً خلال شهر رمضان من هجوم على المصلين، وكذلك الأمر في سبت النور. إنه حال من الجنون في دولة عمرها 75 عاماً، وهي دولة قوية ودموية لكنها عاجزة عن السيطرة على حي في «عاصمتها». لا يجوز أن تكون إسرائيل نظاماً ديمقراطياً وقاتلاً في آن. وظيفة الإسرائيليين هي جعل الفلسطينيين يصابون باليأس.
○ أين تنتشر مطبوعاتكم وكيف تصل إلى الغرب؟ وهل يطّلعون على محتويات الفضاء الإلكتروني بشأن الصراع العربي – الصهيوني؟
•سنة 1970 صدرت باللغة الإنكليزية مجلة «Journal of Palestine Studies» وهي مجلة عريقة لها حضور واسع في الأوساط الأكاديمية الغربية. كذلك تصدر عن مكتبنا في واشنطن منشورات باللغة الإنكليزية، وتوزَّع عبر أكبر الناشرين في الولايات المتحدة وبريطانيا. وحتى سنة 2007 كان مكتبنا في باريس ينشر مجلة بالفرنسية يحررها فرنسيون وعرب، لكنها توقفت عن الصدور بسبب الضائقة المالية التي تمر بها المؤسسة.
○ منذ نشأة المؤسسة والرهان هو على تراكم التأثير في الوعي. كم نحن متمكنون في هذا المجال؟
•عندما نصدر 800 كتاب مرجعي عن القضية الفلسطينية والصراع العربي – الصهيوني، فهذا بحد ذاته له تأثير هائل في مختلف الأجيال من حيث الاستفادة. كذلك استفاد من هذا الأمر العديد من الجامعيين الذين يتخصصون بالسياسة والتاريخ والعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية، في فلسطين أو في أي من الدول العربية وغيرها من دول العالم. وكل من يرغب في التخصص بالقضية الفلسطينية لن يكون له غنى عن منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية، إذ تضم مكتبة قسطنطين زريق في الطبقة الرابعة من مبنى المؤسسة في بيروت 80.000 مجلد، في متناول الباحث العربي وغير العربي. ويزور المكتبة أيضاً العديد من الشابات والشبان للبحث في مصادرها. كما لدينا مركز توثيق يجمع آلاف الصور والوثائق، وبعضها من الكنوز النادرة.
○ هل تختلف مهمات مكاتبكم بين بيروت ورام الله وواشنطن؟
•على العكس، تتكامل المهمات فيما بينها، فلدينا لجنة أبحاث مركزية تجتمع مرتين سنوياً لتضع الرؤية والبرامج، وبالتالي ينفذ كل مكتب المهمات المنوطة به بالتعاون والتكامل مع بقية المكاتب.
○ هل من تطوع في المؤسسة؟
•أعضاء مجلس أمناء المؤسسة متطوعون، يجتمعون مرة في السنة وينتخبون لجنة تنفيذية من تسعة أعضاء، تتولى متابعة إدارة المؤسسة. في المقابل تفتح المؤسسة أبوابها أمام الطلبة الجامعيين بهدف تدريبهم في دائرة الأبحاث، وفي المكتبة، وفي قسمَي التحرير والتوزيع. وهناك وجود دائم لهؤلاء المتطوعين في المؤسسة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية