ست سنوات على التدخل الروسي في سوريا: من القتل إلى التهجير والتغيير الديموغرافي

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي»: تأتي ذكرى التدخل العسكري الروسي في سويا لتؤكد من جديد تورط روسيا في دعم النظام السوري الذي ارتكب جرائم ضد الإنسانية بحق شعبه، منتهكاً القانون الدولي، ما يجعلها عرضة للمحاسبة، حسب مراقبين وخبراء، لاسيما أنها زودت نظام الأسد بالسلاح والخبرات العسكرية، فضلًا عن تدخلها العسكري المباشر إلى جانبه، في 30 سبتمبر / أيلول/ 2015، أي قبل 6 سنوات.
فقد أدت آلاف الهجمات الروسية التي إلى مقتل عدد كبير من الضحايا المدنيين واتباع سياسة الأرض المحروقة من خلال عمليات القصف البري والجوي وما تبعها من عمليات التغيير الديموغرافي، كما كان لحجم العنف المتصاعد الذي مارسته القوات الروسية الأثر الأكبر في حركة النزوح والتشريد القسري، وساهمت هجماتها بالتوازي مع الهجمات التي شنها الحلف السوري – الإيراني، في تشريد قرابة 4.7 مليون نسمة معظم هؤلاء المدنيين تعرضوا للنزوح أكثر من مرة.
مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، قال في تصريح لـ«القدس العربي» إن الشبكة وثقت مقتل 6910 مدنياً بينهم 2030 طفلاً و974 سيدة على يد القوات الروسية منذ تدخلها العسكري في سوريا، كما وثقت ما لا يقل عن 357 مجزرة ارتكبتها القوات الروسية منذ تدخلها العسكري، كما أشار عبد الغني إلى أن الهجمات الروسية أسفرت عن مقتل 70 من الكوادر الطبية، بينهم 12 سيدة.

«تدخل غير شرعي»

وبرأي مدير الشبكة السوري لحقوق الإنسان، فإن روسيا تبني شرعية تدخلها في سوريا على أن التدخل كان بناءً على دعوة من النظام السوري بقيادة بشار الأسد، وأنَّ النظام السوري هو نظام شرعي ويتحدَّث باسم الدولة، ثم أضافت إلى ذلك، أنها تستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 2249 الذي صدر في تشرين الثاني/ 2015 أي بعد قرابة شهرين من تدخلها، وهذا القرار دعا «الدول الأعضاء التي لديها القدرة المطلوبة لاتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع وقمع … الأعمال الإرهابية على الأراضي الواقعة تحت سيطرة داعش في سوريا والعراق».
كررت روسيا هذين السببين عشرات المرات، وسخرت عددا من القانونيين والإعلاميين لكتابة مقالات تُشرعن تدخلها العسكري في سوريا.
لكن عبد الغني يعتقد أن التدخل العسكري الروسي في سوريا غير شرعي لأسباب رئيسية وهي «لا يكفي لصحة التدخل عن طريق الدعوة موافقة الدولة، بل لا بدَّ من أن تكون السلطة التي قامت بالدعوة شرعية، وأن النظام السوري استولى على السلطة عبر انتخابات تحت تهديد وقمع وإرهاب الأجهزة الأمنية، ولم تحصل انتخابات حرة ونزيهة، ولم يكتب دستور بشكل قانوني، فهو نظام دكتاتوري معادٍ لأبسط مبادئ حقوق الإنسان، إضافة إلى كل ذلك، فإن النظام السوري متورط في ارتكاب جرائم ضدَّ الإنسانية بحق الشعب السوري وفقاً لتقارير لجنة التحقيق الأممية، إضافة إلى العديد من الأسباب التي تطعن في شرعية النظام السوري الحالي».
ويضيف عبد الغني: ثانياً، التدخل العسكري الروسي قد انتهك التزامات روسيا أمام القانون الدولي، فروسيا عبر تدخلها إلى جانب نظام متورط في ارتكاب جرائم ضدَّ الإنسانية، بما في ذلك التعذيب، استخدام الأسلحة الكيميائية، الإخفاء القسري، وغيرها، تنتهك العديد من قواعد القانون الدولي الآمرة، بل ويجعل منها شريكة في الانتهاكات التي يمارسها النظام السوري، ثالثاً، إن القوات الروسية نفسها تورطت في ارتكاب آلاف الانتهاكات الفظيعة في سوريا، التي يُشكل بعضها مثل القتل خارج نطاق القانون، التشريد القسري، جرائم ضد الإنسانية، ويُشكل بعضها جرائم حرب مثل قصف المشافي ومراكز الدفاع المدني، وهذا مثبت في العديد من التقارير الدولية».

تبرير «الكيميائي»

لجميع هذه الأسباب، يجزم عبد الغني، بعدم شرعية التدخل العسكري الروسي، مضيفاً «روسيا لا تكترث بالقانون الدولي، لكنها في الوقت ذاته تسعى لتبرير أفعالها وتدخلها أمام جمهورها، لأن الدعم الروسي للنظام السوري بدأ منذ الأيام الأولى للحـراك الشعبي السوري في آذار/ 2011 ضد النظام السوري، عبر إمداده بالخـبرات والاستشارات والأسلحة، وعبر استخدام الفيتو مراراً وتكراراً في مجـلس الأمن (استخدمت روسيا الفيتو 16 مرة لصالح النظام السوري) وعبر التصويت الدائم في مجلس حقوق الإنسان ضد القرارات التي تدين عنف ووحشية النظام السوري، بل وحشد الدول الـحليفة لروسـيا للتصـويت لصـالح النـظام الــسوري».
وامتد الدعم الروسي للنظام السوري ليشملَ مختلف المجالات، بما في ذلك تبرير استخدامه الأسلحة الكيميائية، والتشكيك في تقارير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، واستغلال المساعدات الإنسانية العابرة للحدود، (وقد أصدرنا تقريرين موسعين حول هذه القضية) وتسخير وسائل الإعلام في البروباغندا لصالح النظام السوري، وتحسين صورة انتهاكاتها، ويقول فضل عبد الغني مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان «لقد أخطأت روسيا بوقوفها إلى جانب نظام فئوي استبدادي قمعي، وتورطت في دعمه وفي الدفاع عنه».
وطبقاً للتقرير السنوي الصادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد ارتكبت القوات الروسية منذ تدخلها العسكري ما لا يقل عن 1231 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنيَّة، بينها 222 مدرسة، و207 منشأة طبية، و60 سوق، وحسب الرسوم البيانية التي أوردها التقرير فقد شهد العام الأول للتدخل الروسي 452 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية. كما شهدت محافظة إدلب الحصيلة الأعلى من حوادث الاعتداء بـ 616 حادثة، أي ما نسبته 51 % من الحصيلة الإجمالية لحوادث الاعتداء.
وسجل التقرير ما لا يقل عن 237 هجوماً بذخائر عنقودية، إضافة إلى ما لا يقل عن 125 هجوماً بأسلحة حارقة، شنَّتها القوات الروسية منذ تدخلها العسكري في سوريا في 30/ أيلول/ 2015.
ووفقا للمصدر فإنَّ التدخل العسكري الروسي لصالح النظام السوري ساهم في قتل وتشريد مئات آلاف السوريين وساعد النظام السوري على استعادة قرابة 65 % من الأراضي التي كانت قد خرجت عن سيطرته قبل عام 2015، وعرضَ التقرير خرائط توضح واقع تغير سيطرة النظام السوري في ضوء سنوات التدخل العسكري الروسي. وأوضحَ التقرير أن العام السادس للتدخل شهد تراجعاً ملحوظاً في حدة العمليات العسكرية، الأمر الذي انعكسَ على حصيلة الانتهاكات المرتكبة. ولفتَ إلى أن روسيا كثَّفت جهودها في العام السادس لتدخلها العسكري على الترويج لقضية عودة اللاجئين، من أجل البدء بعمليات إعادة الإعمار، لكن التقرير أكد على أن النظام السوري لا يرغب فعلياً بعودة اللاجئين أو النازحين فهو يعتبرهم معارضين له، بل يحاول الإبقاء عليهم خارج مناطق سيطرته سواء عبر الاعتقالات المستمرة للعائدين أو تجنيدهم قسرياً في صفوف قواته أو مصادرة ممتلكات الغائبين.

حوالي 7 آلاف قتيل

الباحث السياسي لدى مركز جسور للدراسات، عبد الوهاب عاصي، اعتبر أن تاريخ 30 سبتمبر /أيلول/ 2015، شكل علامة فارقة في مسار النزاع؛ نظراً للتغير الكبير الذي أحدثه سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وأمنياً. وقال عاصي إن روسيا اعتمدت في إستراتيجية التدخّل في سوريا على عدد من العناصر وهي القوّة المفرطة، والدبلوماسية، وأمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب، والتعاون الإقليمي، وعدم التدخل البري، وتخفيض التكلفة، ومع ذلك، واجهت روسيا –وما زالت– تحدّياتٍ عديدةً أثناء تطبيق إستراتيجيتها في سوريا؛ فإقامة علاقات مثمرة بين القوى الدولية والمحلية المُتنافِسة مثل تركيا وإيران وإسرائيل كان يعني التأثير على هدفها في أن تكون ضامناً أو وسيطاً موثوقاً.
ووفقاً لقراءة نشرها مركز الدراسات، فقد كانت روسيا تمتلك العديد من نقاط القوّة دون أن ينفي ذلك وجود نِقاط ضعف عديدة شكّلت عائقاً أمامها في كثير من الأحيان؛ كعدم امتلاكها قوّات برية كافية. ولم تكترث روسيا إطلاقاً إلى حجم الخسائر الإنسانية الكبيرة والانتهاكات لحقوق الإنسان خلال تدخُّلها في سوريا بل كان ذلك غالباً من بين الأهداف الإستراتيجية بالنسبة لها. وقد بلغ عدد المدنيين الذين قُتلوا على يد القوّات الروسية حتى آذار/ مارس 2021، 6860 بينهم حوالَيْ 2000 طفل و1579 امرأةً و69 عاملاً من الكوادر الطبية. عدا تدمير البنية التحتية للمنشآت الطبية والمرافق العامة نتيجة سياسة الأرض المحروقة.
وأصدر فريق «منسقو استجابة سوريا» بيانا الخميس، أكد فيه أن روسيا بعد ست سنوات من تدخلها العسكري، استهدفت في غالب طلعاتها الجوية مناطق المدنيين.
واعتبر أن استهداف المدنيين «يوضح هدفها في الاستمرار بقتل الشعب السوري وتدمير ما تبقى من المرافق الحيوية، والبنى التحتية في سورية استكمالاً لما بدأه النظام السوري، وقواته العسكرية عبر مئات الغارات الجوية لسلاح الجو الروسي بشكل يومي، مسببة سقوط الآلاف من الضحايا المدنيين من بينهم العديد من النساء والأطفال، وأدت إلى دمار كبير في الأبنية والمؤسسات الخدمية والمرافق الصحية، إضافة إلى ملايين النازحين داخلياً واللاجئين».
وأوضح أن التدخل العسكري الروسي في سوريا يخالف الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة في عدم جواز استعمال القوة في العلاقات الدولية، كما يخالف المادة الرابعة والعشرين والتي توجب على روسيا الحفاظ على السلم والأمن الدوليين كونها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، كما يخالف المادة الحادية والخمسين التي أجازت للدول استخدام القوة في الدفاع عن النفس، ولا يوجد أي حدود برية بين روسيا وسوريا، ولا توجد حالة اعتداء من السوريين على روسيا، وهذا لا يجيز لها التذرع بحالة الدفاع عن النفس.
وقال «خالفت روسيا أيضاً قرار مجلس الأمن رقم 2170 لعام 2014، والذي ينص على عدم تلقائية الخيار العسكري للدول في تطبيق مكافحة الإرهاب، بل اشترط الرجوع إلى مجلس الأمن لأخذ هذا القرار». وشدد على ضرورة تحمل المجتمع الدولي والأمم المتحدة مسؤوليتهما تجاه المدنيين في سوريا، وضرورة العمل على إنهاء التدخل العسكري الروسي في سوريا، والعمل على التمهيد لعملية سياسية حقيقية تضمن حقوق ومتطلبات الشعب السوري بشكل كامل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية