حين نقرأ للروائي السعودي عبده خال نضع في حسابنا خصوصية مشغله السردي، وطبيعة المقاربات السيميائية التي يُحيل إليها، فهو الروائي المهووس بمحنة الذات المُعذّبة، المُقنَّعة والباحثة عن وعي وجودها، مثلما هي اشتغالاته المكتظة بالأسئلة والأفكار، والهواجس والقلق، وهذا ما يجعل لعبة السرد لديه كأنها محاولة للاقتصاص من التاريخ والسلطة، وعبر استدعاء المثيولوجيا والسحر والأسطورة والحكاية، وعبر كشف ما تنطوي عليه من إحالات سيميائية لها شيفراتها في التعبير عن تمثيلات الموت والخوف والغياب، وعن كتابة النص المخادع، النص الهارب إلى الموت الرمزي.
في رواية «أنْفُس» التي صدرت حديثا للروائي عن دار الساقي/ بيروت/ 2019، تبدو فاعلية السرد هي الرهان الشخصي على المناورة بالأفكار، وعلى تحويل سيمياء السرد إلى فضاء يتمثله وعي الروائي لسردنة تلك المناورة، وللتعبير عن غربة الذات والجسد من خلال استعادة حكايات لشخصيات مُستلبة، ومُقنعة بـ(الأفكار الشقية)، لكنها متورطة بمواجهة فاضحة للواقع. هذا التورّط هو ما يكشف عن صراعات ذلك الواقع وتناقضاته، وعن ضحاياه، وعن (هشاشة) شخصياته الباحثة عن الهوية والحب، الذي يدفعها إلى غموض مصائرها، وإلى ما يشبه (المناخ السيميائي) كما يُسميه محمد صابر عبيد كتعبير عن مناخ سايكولوجي غامر بالعنف والكراهية والغرابة، لمواجهة الواقع المُشوه اجتماعيا أو سياسيا أو تاريخيا، لذا تبدو سردية (السحر) محاولة قصدية ليس للعودة إلى المخيال الشعبي، بل لاستكناه المعنى الذي يختفي، والذي يستعيده الناس عبر الحكايات والأسفار والسير، حيث يلوذون من أجله بالخرافة التي لا يملكون سواها، ولمواجهة عالمٍ غرائبي يساكنهم بالموت والإخفاء والإيهام.
بطل الرواية (وحي… د) المولود في عالم فانتازي، وتحت رعاية يشتبك فيها الواقعي والسحري، حيث الجدة صفية والأبوان ظاهر وسلمى، وحيث المرافق (قدّار الجبلي) المكشوف عنه الحجب، والذي يرسم لعلاقته معه أفقا آخر، ورؤيا أخرى، تبدأ من نبوءته حول ما تحمله شخصية (وحي..د) من غموض ومن حدوس، وتنتهي عند تحوّله إلى وليٍّ (يمنح القادمين بركة المولود برشِّ الماء والدعوات على كلّ من يأتيه طالبا ليبرأ أو لرزق مع توزيع النصائح وفق رؤيته لحنة القادم) .
توظيف سردية السحر ليس سوى حيلةٍ سردية يلجأ إليها الروائي للفضح، وللتمرد على فكرة الغياب الذي تصنعه السلطة أو الجماعة (الأب ظاهر التعمي، قدّار، حاسر، نعيم القروني، أو أصحاب المعاطف الطويلة الثقيلة) ولتوصيف الشخصية الرئيسة في الرواية (وحي.. د بن ظاهر) عبر الدلالة المفارقة للاسم، وعبر حضورها في سياق غرائبي تتعدد داخله الأقنعة والأنفس، أو عبر علاقتها مع الشخصيات الأخرى في الرواية، بدءا من علاقتها بـ(الجدّة والأبوين) أو علاقته بالمرأة (ثنوى) أو في سياق علاقتها السرية مع ( قدّار الجبلي) وهي استعارة فائقة الدلالة للإشارة إلى طبيعة ما تتعرض له من تحولات ضاغطة، أو ما تعيشه من صراعات في واقع اجتماعي وسياسي محشو بالخرافات والأوهام. سحرية الحضور النسائي في الرواية عبر شخصية (ثنوى) يتعالق بثيمة (الإخفاء) التي تتكرر مستوياتها في الرواية، بدءا من ما قامت به الجدة عبر إخفاء نطفته الدموية، ولحظة موته عن أبناء القرية، أو ما قام به قدّار الجبلي وهو يقول له «قدرك الاختفاء يا سيدي»، بعيدا عن نقاط التفتيش، وحتى عن الأنثى (ثنوى) ولكي يجعل من هذا الإخفاء تمثيلا لنبوءته عن معجزات (وحي.. د) المقبلة في قيادة العالم.. هذا الإخفاء يتقاطع مع أسطورة الحضور الأنثوي في الأساطير القديمة، تلك التي ربطت تحولات (أنكيدو) بحضور الغانية (شمخة) ليكون أنسيا، ومدينيا، وعاشقا وصديقا، وهو ما لم تفعله المرأة (ثنوى) التي أخفاها عنه الجبلي، ولتبدو معجزات (وحيد) بشعة وغير مؤنسنة من خلال تحوّله إلى إرهابي، ومطلوب من قبل الجهات الأمنية.
سردية التحوّل في شخصية البطل هي تعبير دلالي عن سردية التحوّل في المكان الواقعي، حيث تُخفي أسطورة ولادة هذا البطل طبائع ما يحمله الواقع من عذابات وحرمانات، ولتبدو شخصيات ذلك المكان (الإيهامية) المعذبة والمهمشة أكثر تعبيرا عن أوهام ذلك الواقع وتعميته، والتي يمثلها المعلّم الروحي قدّار بوصفه الشخصية الأقرب إلى شخصية الفقيه والساحر والعرّاف، والذي يُخفي معجزة الإنسان الوجودية، ليُظهر بالضد منها (معجزة) الولادة القدرية لـ(وحي..د).
عتبات الرواية تملك بُعدها السيميائي في التعبير عن مستويات فاعلية السرد فيها، فعتبتا الغلاف والعنوان «أنْفُس» لهما إحالاتهما البصرية والنفسية والعلاماتية، والتي تكشف عبر ثيمة الحركة المشتتة عن حركات تتمثله ألوان وشيفرات الضياع والاغتراب الوجودي.
سردنة العتبات
عتبات الرواية تملك بُعدها السيميائي في التعبير عن مستويات فاعلية السرد فيها، فعتبتا الغلاف والعنوان «أنْفُس» لهما إحالاتهما البصرية والنفسية والعلاماتية، والتي تكشف عبر ثيمة الحركة المشتتة عن حركات تتمثله ألوان وشيفرات الضياع والاغتراب الوجودي. ولعتبة الإهداء لـ(امرأة تسللت من بين لجج الطين لتكون هي الحياة) دلالتها في وضع القارئ أمام احتمالات مفتوحة للقراءة، ولتوضيح ما يلتبس من القصد في التأويل أو الفهم، يتحول فيه وصف المرأة المتسللة من الطين/ الخلق إلى استدعاء خطابي يربط بين شيفرة الطين، وشيفرة الحياة الغائبة. هذه العتبات هي نصوص موازية يقترح من خلالها الروائي موجهات سردية للتعرّف على استكناه ما تحمله العتبة الكبرى للمتن من علامات، على مستوى معرفة تمثيلات عناصره البنائية، أو على مستوى إحالاته النسقية والأيديولوجية.
بنية الزمن في الرواية قد تكشف عن عتبة داخلية يقترحها الروائي، ويرسم عبرها مشهدا للتعريف بحركة المرأة العارية وهي تحمل طفلها، والتي تكشف في نهاية الرواية عن قناعها بكونها واحدة من أنْفُس البطل المتعددة، وكأنّ الروائي أراد أن يرصد عبر بنية هذا الزمن نوعا من الحركة الدائرية التي تبدأ من لحظته الطينية وتنتهي عند لحظتها الطينية أيضا. هذه العتبة البصرية التعريفية، تفيد من لعبة استعادة الزمن، للكشف عن اغتراب البطل الوجودي، وعن تبئير شخصيته الجامعة للأحداث، مثلما تفيد من تدليلها العنواني، للانفتاح بدلالة (الأنفس) على الواقع وصراعاته، وعلى إحالاته إلى سرديات التشتت والتشظي والاغتراب، على مستوى علاقته بهوية الشخصيات، أو على مستوى تمثيلاته للشخصية الرئيسة في الإشارات إلى – تعدد الأسماء، وتعدد البصمات، وتعدد الهجرات الجهادية إلى أفغانستان والشيشان وسوريا، وهي إشارات خطابية تُحيل إلى سيولة الزمن السياسي، وإلى ما هو نسقي مضمر في علاقته بالمرافق قدّار..
تقانات السرد وحيوية الحكواتي
قد يكون البناء الملحمي في بعض مفاصل الرواية أكثر تمثيلا للشخصيات الغرائبية، ولصراعاتها العميقة في عالم يمور بالعنف، وبصورة (البطل) المسحوب من الموت إلى حياة صاخبة، وإلى أسفار يشتبك فيها السحري بالإيروسي، والسياسي بالتاريخي، وبالنبوءات الكبرى، تلك التي ارتبطت بالولادة الفانتازيا لـ(وحي..د) أو بعلاقته القدرية مع (المرافق قدّار الجبلي)، وبـ(أساطيره الموغلة بالزمن) ونبوءته للجدّة صفية (سيكون حفيدك آخر ملوك الأرض ويُسخّر له كلّ شيء من جنّ وإنس). تناوب السرد بين الراوي الذاتي الذي يمثله البطل (وحي…د) والراوي العليم يرسم لنا طبيعة مستويات الخطاب التقاني في الرواية، فالراوي الذاتي ينخرط في لعبة الاعتراف، يكتفي بوظيفته للكشف عن خوائه الداخلي، وعن موقفه السخر من نبوءات قدّار وكراهيته له، أو الراوي العليم أو المؤلف يذهب باتجاه التعريف بعوالم الشخصيات الأخرى، عبر التعريف بأوهامها، أو بصراعاتها. يستظهر هذا التناوب إبراز الطاقة السردية للشخصية الساردة، ولتجاوز وظيفتها التقليدية في الحكي إلى وظيفة يختلط فيها الاعتراف بالمونولوج، والإيهام بالنقد، والاغتراب بالوجود، وعلى وفق رغبة الروائي في تحريك الأحداث داخل بنية السرد أولا، بوصف شخصياته المتخيلة، وإلى الخارج حيث الواقع المفتوح والملتبس أيضا، عبر استثمار المناورة بالأفكار والاستعارات والأقنعة، وعبر الإيهام بإمكانية وجود واقعٍ موازٍ له صراعاته وعلاماته، إذ تبدو سحرية السرد هي الأقرب لرهان الروائي على فضح الواقع الأول، وتعرية شخصياته المخادعة والماكرة عبر ما يصطنعه من تخيلات في الواقع الثاني.
٭ ناقد عراقي