قليلة هي الروايات التي تشعر معها بالألفة والقرب، وربما الحميمية، ومنها رواية «من زاويةٍ أنثى» للروائي الأردني محمد حسن العمري؛ إذ تحس بأنك جزء منها، أو أنك تعرف بعض شخوصها وفضائها المكاني، رواية ليست غريبة عنك، واقعية، جرت أحداثها من حولك، لأشخاص لا تعرفهم، لكنك رأيتهم هنا وهناك، أو قرأت عنهم، ولو تفرست في الوجوه التي تمر عليك، لربما أمسكت بهم متلبسين بالحب والفراق، بالسياسة والدراسة، بالسكينة والقلق، بالفرح والحزن، والتألق والسقوط، بالقوة والضعف، بالإنسانية والحيوانية.
وعلى الرغم من أنها رواية متخيلة بشخوصها وأحداثها، إلا أنها واقعية جدا، نرى شخوصها تتحرك أمامنا، وتتفاعل وتروح وتجيء، كما أن أحداثها ماثلة للعيان، عشناها بعيوننا أو آذاننا، أو بما خطت أيدي الشهود؛ شهود الأحداث وشهود المرحلة.
تتمدد الرواية زمانيا على خمسة عقود ساخنة، متسارعة الأحداث، شهدت تغيرات كبيرة، وأحيانا جذرية في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية وغيرها. الرواية لم تكن مباشرة سطحية في الحديث عن هذه التغيرات، ولكننا ـ كقراء- لمسناها وشعرنا بها من خلال ما يحدث، وحركة الشخوص وصراعاتهم ومشاعرهم وتغيراتهم الحياتية، وروابطهم الاجتماعية وأحلامهم. وقد نجحت الرواية بامتياز في وضع القارئ في صورة التغيرات والاختلافات والتحولات بذكاء وحرفية.
استخدمت الرواية حيلة سردية في غاية الذكاء، حيلة تثير الإعجاب والدهشة، إذ اعتمدت على خلطة متشابكة من الرواة والمرويات؛ فمزجت بين تعدد الأصوات والمذكرات والشهادات والمراجعات الفلسفية والفكرية، التي تعزز أو تناقش أهم أفكار الفصل الذي سبقها، تلقفت كل ذلك «مدام. ك» فحررتها بأسلوبها، وأضافت عليها، فأنتجت هذه الرواية الجميلة الفاتنة، التي تميزت برشاقة لغتها وشاعريتها وعفتها، بدون تكلف أو تقعر أو إسفاف، وسرد سلس رائق آخاذ، يمشي الهوينا، لكنه يحفر عميقا، وتدفق للأحداث بدون تكلف أو شطط أو جنوح للإثارة المجانية.
الرواية زاخرة بالشخوص، لكن الشخصية المحورية في النص هو «ظافر» ابن قرية تل الورد، الذي وصل في النهاية لتحقيق أحلامه وطموحاته، ولكنه ليس الشخصية الأقوى، بل كان القاسم المشترك لأحداث الرواية. أما الشخصية الأقوى، والأكثر تأثيرا وفاعلية فهي المحامية «سعدية» زوجة ظافر الأولى، اليسارية، التي عاشت اليتم مرتين، ولكن شخصيتها كانت طاغية، وجمالها كان آسرا. الشخصية الثالثة كانت الطبيبة النسائية «هيام» زوجة ظافر الثانية، التي هامت به وهام بها، وهي ابنة قريته، وابنة شريك أبيه. الشخصيات الأخرى كانت لها أدوار محدودة في الرواية، ولكنها ضرورية لتكتمل الصورة، مثل أخوات ظافر الثلاث اللواتي لا دور لهن إلا تأكيد أن ظافرا هو ديك العائلة.
قد تبدو رواية «من زاويةٍ أنثى» سهلة الفهم والإدراك، وهذا صحيح، فهي واضحة بأحداثها وشخوصها، ومآلاتها، ولكنها ـ في الوقت نفسه – متعددة المستويات والقراءات، فثمة قراءة أعمق لها، خاصة أنها مطعمة بالترميز في كل مفاصلها، ما يحيلها إلى رواية أخرى بحاجة إلى إعمال الفكر، والتساؤل، وربما البحث؛ فظافر، خطفته أنثى الضبع وهو ابن سنتين، ثم خلصه من بين أنيابها أبو علي، وكأن الضبع ضبعته، فأصبح رهين الأنثى وخطيفها إلى الأبد، صحيح أنه كان شخصية شقية قيادية متمردة في المدرسة، ووصل بعلاقاته وإصراره إلى منصب الوزارة، إلا أنه كان ضعيفا أمام سعدية، التي سيطرت عليه في كل صغيرة وكبيرة، ولم يستطع تجاوزها، وكان يخشى غضبها وثورتها وزعقتها المميزة. وبعد سعدية أسرته هيام بجمالها ودلالها، فتزوجها بعد مغامرات عاطفية، أوشكت أن تذروه وهيام، وتخلصت منه الاثنتان بقرارهما، فخضع ظافر ولم يعقب. هذه الحالة ـ سيطرة الأنثى – تثير كثيرا من الأسئلة، وتشير إلى دهاليز أعمق وأبعد أثرا. كماا أن العلاقة بين الشرق أردنيين والغرب أردنيين كانت كامنة في النص، إذ يمكن اعتبار ظافر يمثل الشرق أردنيين، وأسرة أبو علي تمثل الغرب أردنيين، مع أنهما من قرية واحدة، إلا أن لهذا دلالات عميقة أيضا، والأحداث التي تلت والمتعلقة بهاتين العائلتين، تؤكد ما ذهبنا إليه، وهي قراءة يحتملها النص الروائي، وإن لم يقصدها الكاتب.
ومن الترميزات التي يمكن تلمسها في الرواية: السيل الذي قضى على خمسمئة رأس غنم لمحمود والد ظافر، والنار التي استمرت ليومين حتى تنهي حرق الجيف، ودخانها الأسود الذي كان يرى فوق سماء المفرق وعجلون لمدة شهور، وتربة الحظيرة المحروقة التي أبت أن تقبل أي شجرة زرعت فيها، ولكنها أنبتت شجرة تين غريبة لم يزرعها أحد، وكانت مشاعا يأكل منها من يريد، وكلب أبي ظافر الذي تحمل المسؤولية الأدبية لهلاك القطيع وهجر القرية، وموت الفدائي أبو ليلى بسم ثعبان المغارة. وحفلة السمر التي تشاركها مختار القرية مع شيخ البدو وقائد قاعدة الفدائيين ونظمها شيخ النور. ووفاة محمود والرصاصة في قدمه. ومن الترميزات الدالة المزيج الاجتماعي المتنوع المدهش لشخوص الرواية، الأردني والفلسطيني، المسلم والمسيحي، القروي والمدني والبدوي، الفلاح والوزير، ولعل شخصية سعدية هي الشاهد الأكبر على هذا النسيج، فهي أردنية ولدت في عمان، لأب أسود من أصول افريقية، وأم حضرمية يمنية، ورعتها خادمة سيرلانكية، وكفلها محامٍ بدوي كركي، ومن بعده ابنه الذي تزوج من إنكليزية وعاش في لندن، وتزوجت من محام من إحدى قرى الشمال لأب عسكري فلاح، وتدرج زوجها إلى أن أصبح وزيرا، وهو المرتبط بحزب مقرب من السلطة، وهي ابنة اليسار الفلسطيني. والحديث يطول عن الترميزات الدالة التي لا تخفى على القارئ الفطن.
وقد أجاد الروائي العمري في رسم شخصياته، والسيطرة عليها، والتحكم بحركتها وتحريكها بحرفية وحزم، وبرع في نسج خيوط التواصل والتشبيك بينها بحنكة ومهارة، فالشخصيات التي انفصلت في بداية السبعينيات، ما لبثت الخيوط بينها أن وصلت على مهل، حتى انتهت بالتواصل بينها جميعا في نهاية الرواية، من خلال علاقات اجتماعية ومصاهرات أو مشاركات وزيارات، ولعل التشبيك الأبرز هو الذي حصل بين سعدية وظافر، فقد التقيا أطفالا، وجرح ظافر سعدية، وترك جرحه أثرا فوق عينها اليسرى كهلال، وتزوجا وانتهت الرواية بدون أن يدركا ذلك.
أثارت الرواية العديد من القضايا والتساؤلات، وأرسلت عدة رسائل واخزة لمن يهمه الأمر، ومن ذلك: أحداث أيلول الأسود، العلاقة بين الشرق أردنيين والغرب أردنيين، الطريق إلى الوزارة، أمراض التوحد والزهايمر والسرطان، أخلاقيات النخبة السياسية وأساتذة الجامعات، التحرش الجنسي، سطوة العشيرة والجغرافيا، كواليس تشكيل الحكومات، الملفات السوداء التي تطارد الأولاد وربما الأحفاد، تعدد الزوجات، هموم المغتربين، شهوة الانتقام، الواسطات، وغيرها مما تحفل بها الرواية.
وبعد؛ فإن رواية «من زاويةٍ أنثى»، الآن ناشرون وموزعون، 2020، 255 صفحة، رواية حقيقية جديرة بالقراءة، يتشربها القارئ على مهل، فيشعر بالري والتشبع، على الرغم مما تثيره من تساؤلات، وإعادة تفكير بكثير من المسلمات وما يظنه حقائق لا تقبل الشك، كما أنها رواية تؤكد طول باع كاتبها محمد حسن العمري، ومخزونه المعرفي واللغوي الثري المتنوع، وأنه روائي متمكن، صاحب قلم رشيق، يتقن اللعبة السردية والفنيات الروائية، يعرف من أين تؤكل الكتف إبداعيا، بعيدا عن الإسفاف والسوقية، ودغدغة الغرائز، وتلبية ما يطلبه السوق، وقادر على أن يقدم المختلف والمشكل والمدهش والمقلق.
٭ كاتب أردني