رام الله-“القدس العربي”: لأول مرة يصل فنان عربي بحجم سعدون جابر، أرض فلسطين بدعوة من “مؤسسة سيدة الأرض” التي يرأسها الدكتور كمال الحسيني والمعنية بتكريم شخصيات دولية وعربية وفلسطينية ملتزمة بالدفاع عن الحق الفلسطيني والنضال على الساحات العالمية من أجل رفع الظلم عن الشعب الفلسطيني والعمل على فضح الممارسات الإسرائيلية ومساندة النضال الشعب لتحقيق أهدافه في ممارسة حق تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وصل سعدون جابر، فلسطين مصحوبا بالشاعر العراقي رياض النعماني، كاتب أغاني العديد من المغنين العراقيين بمن فيهم سعدون جابر للمشاركة في حفل التكريم الذي يعقد للمرة الحادية عشرة في رام الله تحت رعاية الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
كانت أريحا أول محطة استراحة له حيث كان في استقباله عضو اللجنة التتفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور صائب عريقات، الذي رحب بالضيف مؤكدا على عمق العلاقات الفلسطينية العراقية مشيدا بموقف العراق الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال في مختلف مراحل النضال الوطني لتحرير فلسطين. ثم التقى بأعيان المدينة من بينهم اللواء توفيق الطيراوي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح بالإضافة إلى عمدة المدينة جهاد أبو العسل.
رحب الدكتور كمال الحسيني، الرئيس التنفيذي لمؤسسة سيدة الأرض، بزيارة الفنان الضيف إلى فلسطين، والتي جاءت للمشاركة كضيف شرف في الحفل السنوي لتكريم شخصية العام 2018 الذي تنظمه مؤسسة سيدة الأرض سنويا في رام الله.
وأكد جابر في بداية جولته على أواصر المحبة والعلاقات العميقة التي تجمع بين الشعبين العراقي والفلسطيني قائلا: “إن الدم الفلسطيني والدم العراقي اختلطا ورويا أرض فلسطين دفاعا عنها وفي سبيل حريتها”. ثم قام الفنان العراقي بزيارة لمتحف الكوفية في مدينة أريحا واطلع على موجوداته من مقتنيات القائد الراحل ياسر عرفات.
تواصلت جولة سعدون جابر، في أنحاء فلسطين التاريخية انطلاقا من مقره في رام الله، حيث شملت عكا والناصرة وجنين والقدس وبيت لحم ونابلس وطوباس ومخيم الدهيشة حيث أضاء فيه شعلة المقاومة مؤكدا أن لا حل لقضية فلسطين إلا بالمقاومة والصمود ودعم الشعوب العربية لإخوانهم في فلسطين. كما قام بزيارة تضامنية مع أهالي قرية الخان الأحمر، المهددة بالتدمير من قبل قوات الاحتلال، حيث شارك المعتصمين طعام الغداء في خيمة التضامن والاسناد.
غنى سعدون جابر ليلة 15 كانون الأول/ديسمبر خلال حفلة التكريم لتوزيع جوائز سيدة الأرض على المكرمين والذين حضروا من 70 دولة. وكانت الشخصية العالمية المكرمة لهذا العام هو الرئيس الماليزي مهاتير محمد، بينما تم تكريم خنساء فلسطين لطيفة أبو حميد “أم ناصر” والتي يقبع أولادها الخمسة في السجون واستشهد واحد من أولادها وهدم بيتها ثلاث مرات. كما تم تكريم عدد من الشخصيات الفلسطينية في المهاجر الأوروبية والأمريكية وأمريكا اللاتينية.
“القدس العربي” التقت الفنان العراقي سعدون جابر وأجرت الحوار التالي:
* هذه زيارتك الأولى لفلسطين، فما هي انطباعاتك؟
** هذه زيارتي الأولى وأؤكد لك أنها لن تكون الأخيرة. الحقيقة ان علاقتي بفلسطين قديمة ولَم تبدأ من هذه الزيارة. والانطباع الذي تركته هذه الزيارة من البداية أن الشعب الفلسطيني هو كما قال المرحوم أبو عمار “شعب الجبارين”. يدفن في يوم واحد الشهداء ثم يمارس حياته الطبيعية في المساء ويفرح ويحتفل ويعود لساحات النضال. فعلا انه شعب عظيم.
* وكيف استقبلك الشعب الفلسطيني؟
** فوق ما أتصور. لقد استقبلني الشعب الفلسطيني بالأحضان. فتح ذراعيه لي، لا لسعدون جابر فحسب بل حبا في العراق. الشعب الفلسطيني يعشق العراق ويحب كل ذرة في تراب العراق ولذا كانوا يستقبلون العراق في شخصي واعتبروها زيارة العراق لفلسطين لا زيارة فنان عراقي وكأنني جئت أضمد جراحهم وأمسح دموعهم وأشاركهم باسم العراق ساعة من الفرح.
* وهل زرت مقابر شهداء الشعب العراقي في جنين؟
** نعم. حرصت على زيارة مقابر شهداء العراق الذين ضحوا بدمائهم من أجل فلسطين وعروبتها وكان استقبال أهالي جنين لي استثنائيا. فذاكرة المدينة تختزن تلك الصور النادرة لبطولات الجيش العراقي والمتطوعين الذين لبوا نداء الواجب ووصلوا فلسطين لنجدة إخوانهم. وقمت بصحبة المحافظ أكرم الرجوب بزراعة شجرتي زيتون على أرض مقبرة شهداء الجيش العراقي وكان مشهدا مؤثرا أشدت فيه على عمق الروابط الأخوية بين الشعبين التي تعمدت بالدم ولا يمكن أن يفصم عراها شيء.
* وما هي الرسالة التي حاولت أن توصلها إلى الشعب الفلسطيني؟
** أقول لهم “ما ضاع حق وراءه مطالب”. أنتم أصحاب حق، سيروا ونحن والشعوب العربية والإسلامية كلها معكم. لكن لا تنتظروا المساعدة من الخارج. اعتمدوا على الله وعلى أنفسكم أولا. حقيقة أعتبر زيارتي مقدسة وكأنني أزور قبر جدي رسول الله. هذه أرض مقدسة وزيارتها واجب إنساني وديني وخلقي. فزيارتي لفلسطين هي زيارة العراق بكل أطيافه ومكوناته لفلسطين.
* هل تتفق مع من يقول إن رسالة الفن أكثر بلاغة وتأثيراً من رسالة السياسة؟
** الفن يجمع بينما السياسة تفرّق. الفن يقرب بين القلوب بينما السياسة تشتت الناس وتجعل الأخ أحيانا يقف ضد أخيه وتفرق الناس إلى شعوب وقبائل كما جاء في الذكر الحكيم “إنا خلقناكم شعوبا وقبائل”. فبدل التعارف والتوادد نقاتل بعضنا وفي نهاية الْيوْم يجلس المتحاربون جميعهم ليستمعوا لأغنية لسعدون جابر أو فيروز أو أم كلثوم.
* هناك من ينتقد زيارات الفنانين العرب لفلسطين وهي تحت الاحتلال وهذا يتطلب موافقة إسرائيل على الزيارة، البعض يعتبر ذلك تطبيعا. فهل توافق على هذا الرأي؟ وماذا تقول لمنتقدي هذه الزيارات؟
** مع الأسف العرب اتفقوا على ألّا يتفقوا. اختلفوا حول الرسول الكريم وحول الخلفاء الراشدين فهل سيتفقون على زيارة سعدون جابر لفلسطين؟ أنا أؤمن بأنه إذا كانت لدي قناعة ما فسأسير حتى لو كنت وحدي، وحتى لو كان هناك من لا يرضى عني متذكرا قول الشاعر: لو كل كلب عوى ألقمته حجرا لأصبح الصخر مثقالا بدينار. ماذا عملت خطأ حتى ينتقدوا زيارتي؟ أنا مقتنع بما فعلت وأرى حب الناس وتقديرها. لكن الغالبية من التعليقات في العالم العربي تصب لصالح زيارة سعدون جابر لفلسطين وهذا هو المهم. ماذا عملت؟ زرت فلسطين مسرى رسول الإنسانية، زرت شعبا مظلوما ينزف دما ويقدم الشهداء منذ أكثر من 70 عاما. جئت أعيش همومهم وأسمع أنينهم وأتضامن معهم وأرفع معنوياتهم فهل أنا مخطئ؟ لقد أظهروا لي كل الحب والاحترام لشخصي وبلدي. وأقول لهم هذه زيارتي الأولى ولن تكون الأخيرة.
* وماذا عن زياراتك لمدن الداخل الفلسطيني مثل عكا والناصرة؟
** هذه أراضينا ومدننا وجبالنا وهذا شعبنا ويجب أن نتواصل معه وأن نتضامن مع أبنائنا وأنا من جهتي سأظل على تواصل معهم. لماذا نقاطعهم وهم يخضعون لمقاطعة من العدو؟ أرضهم هذه مسلوبة منا فلا بد أن نقف معهم ونساندهم. أنظر مقاطعة العرب للقدس أين وصلت؟ لقد أعطينا فرصة للطرف الآخر أن يستمر في تهويد المدينة. لماذا لا نسمح بزيارتها؟ هذا مسرى الرسول عليه السلام. هذه قبلة العرب الأولى وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال. لماذا لا يزور ملايين العرب والمسلمين القدس كما يزورون مكة والمدينة؟ أليس شد الرحال إلى الأقصى واجبا دينيا؟ هذه بلادنا وأرضنا ويجب ألا نعترف بضياعها وأن نظهر للفلسطينيين تضامننا معهم ووقوفنا إلى جانبهم فعلا لا قولا فقط.
* هل تعتقد أن زيارتك ستشجع المزيد من زيارات الفنانين لفلسطين؟
** نعم، أدعو كل الفنانين العرب لزيارة فلسطين. أدعو ملايين العرب وخاصة ممن يحملون جنسية أخرى لزيارة القدس وفلسطين. هناك ملايين العرب من حملة الجنسيات الأجنبية الذين يستطيعون زيارة فلسطين. المقاطعة تصب في صالح العدو. يجب أن نبقى على تماس مع شعبنا وأرضنا في فلسطين. كيف نبرر مقاطعتهم؟ أنتركهم وحدهم ونقول لهم “إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون”. لا يجب ألا نتركهم وحدهم.
* كيف الحال في العراق وأنت الآن تتردد كثيرا على حاضرة الدنيا كما وصفها المؤرخون العرب؟
** باختصار لأصف الوضع في بغداد أتذكر بيت المتنبي عندما قال:
على قلق كأن الريح تحتي أوجهها جنوبا أو شمالا
هذه هي حال الوضع في العراق. سيكون العراق في المستقبل بخير. وأود أن يكون الحوار مركزا على فلسطين.
* سنة 2018 كانت من الأصعب على الشعب الفلسطيني خاصة وأن إدارة ترامب أعلنت نوعا من الحرب على كل ما يتعلق بفلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني. كيف يمكن للشعب مواجهة هذه الهجمة الشرسة؟
** مواقف الدول الغربية من قضية فلسطين ليست جديدة. هذه الدول هي المسؤولة عن معاناة الشعب. فعداء الإدارة الأمريكية للشعب الفلسطيني استمرار لعداء الدول الغربية وخاصة بريطانيا للشعوب العربية وبالأخص الشعب الفلسطيني. والرد لا يكون إلا بالمقاومة. لا خيار لكم إلا المقاومة. المقاومة بمعناها الشمولي هي الخيار الوحيد أمام الشعب الفلسطيني لاسترجاع حقوقه المغتصبة. لقد زرت مخيم الدهيشة، معقل المقاومة، وقلت هذا الكلام. وزرت مخيم الأمعري حيث هدم بيت أم ناصر وتضامنا معها. وزرت خيمة الاعتصام في الخان الأحمر وجلست مع المناضلين ورسالتي ظلت هي هي… ليس لكم إلا المقاومة. المقاومة هي السلاح الوحيد الذي يفهمه الطرف الآخر.
* هل أنت راض عن تكريمك من قبل مؤسسة سيدة الأرض والرئيس محمود عباس؟
** لقد استقبلني الرئيس محمود عباس وأسمعني كلاما جميلا وانه كان يسمعني منذ 50 عاما ويحفظ بعض الأغاني العراقية. بل وأعطاني معلومات قيمة عن المكتبة الموسيقية العراقية الغنية والتي لم تعد في حوزة العراق الآن مع الأسف لأنها حرقت بعد 2003. وقال انه يحتفظ ببعض التسجيلات النادرة. لكن التسجيلات القديمة موجودة في حوزة اليهود العراقيين في فلسطين المحتلة الذين يذوبون شوقا للعراق ويتمنون زيارته. وأتمنى على الحكومة العراقية أن تدعوهم لزيارة العراق فهو وطنهم بل وتدعوهم للعودة والاستقرار في وطنهم العراق. لو كنت ذا مركز في الحكومة العراقية لدعوت كل من هاجر أو هجّر من العراق ليعودوا إلى وطنهم يهودا وعربا ومسيحيين ويزيديين وصابئة وكردا، وأعوضهم عن كل فلس فقدوه وعن ظلم سنوات التهجير التي عاشوها. هؤلاء أولى أن يعودوا إلى وطنهم العراق لأنه لن يبنى إلا بجهود الجاليات العراقية الغنية والجميلة والماهرة الموزعة في أنحاء العالم. هؤلاء مثل حبات البلور التي فرطت عن النجفة التي كانت تحمل الجميع، هجر أولا اليهودي فلحق به المسيحي ثم اليزيدي والصابئة يكاد ينتهي وجودهم في العراق وغيرهم. هؤلاء الذين بنوا العراق أيام مجده. بماذا الآن نبني العراق؟ بالمتفجرات والاغتيالات والنهب والسرقات؟