عندما استقالت وزيرة الدولة البريطانية للشؤون الخارجية سعيدة حسين وارثي الأسبوع الماضي احتجاجا على موقف الحكومة، «الذي لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيا»، من المجازر الإسرائيلية في غزة، كثر الجدل حول مدى الإحراج الذي سببته لديفيد كامرون وانشغل الإعلام بأخبار انقسامات حكومية مبالغ فيها. ولكن لم يتركز الانتباه، إلا نادرا، على حقيقة أن هذه الاستقالة إنما هي عرض لمرض. إنه مرض سرمدية حال دار لقمان: أي دوام النصرة البريطانية، والغربية عموما، لإسرائيل ظالمة أو مظلومة، بحيث لا يبقى لأي مسؤول حكومي مستقل الرأي من مجال لحرية التعبير إلا بالاستقالة.
بيد أن ثمة قضية جوهرية تثيرها استقالة سعيدة وارثي ولكنها تبدو بعيدة عن متناول الإعلام وغائبة تماما عن الوعي العام: إنها قضية محدودية الفعل، أو التأثير، السياسي الفردي داخل الأحزاب والمؤسسات الرسمية في الديمقراطيات الغربية. ذلك أن أبناء الأقليات يجابهون مشكلة شائكة عندما يقرر أحدهم خوض غمار النشاط السياسي: إلى أي الأحزاب ينضم؟ ورغم أن تجربة العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية أثبتت أن أبناء الأقليات الناشطين سياسيا عادة ما ينخرطون في أحزاب اليسار أو يسار الوسط، فإن المسألة لم تعد بهذا الوضوح المفترض. أولا، لأن الفوارق الإيديولوجية بين الأحزاب الكبرى قد تضاءلت إلى حد يفقد مسألة الاختيار في بعض الحالات معناها. فقد أجهز توني بلير وعرّابه الأيديولوجي بيتر ماندلسون، الملقب بـ»أمير الظلام»، منذ منتصف التسعينيات على آخر بقايا اليسارية أو الاشتراكية في عقيدة حزب العمال، بحيث أصبح «حزب العمال الجديد» مجرد صيغة معدلة من حزب المحافظين.
السبب الثاني لعدم إمكانية استمرار هذه العلاقة الحصرية بين أحزاب اليسار وبين أبناء الأقليات الناشطين سياسيا هو أن اليسار لم يستطع أن يثبت أي أفضلية، مقارنة باليمين، في مجال حماية حقوق الأقليات داخليا، كما أنه كثيرا ما يعجز عن اتخاذ المواقف التقدمية المتوقعة منه في قضايا السياسة الخارجية. ولعل الموقف من دولة إسرائيل هو أوضح دليل على ذلك. فالحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب العمالي البريطاني هما أقوى صلة بإسرائيل وأسرع في تبرير أعمالها من الأحزاب الأخرى في بلديهما. ولهذا كله، فقد كان من المنطقي أن تتطور علاقة أبناء الأقليات بالأحزاب السياسية إلى حد أن تنتمي المغربية الأصل رشيدة داتي، مثلا، إلى حزب «الاتحاد من أجل الحركة الشعبية» اليميني (حيث صارت أول وزيرة مسلمة في تاريخ فرنسا) وأن تنتمي الباكستانية الأصل سعيدة وارثي إلى حزب المحافظين (حيث صارت أول وزيرة مسلمة في تاريخ بريطانيا).
نشأت سعيدة وارثي في وسط عمالي في بلدة ديوزبري، غربي مقاطعة يوكشر في شمال انكلترا، ودرست الحقوق في جامعة ليدز. وصادف انضمامها لحزب المحافظين بداية بروز وعي لدى قيادته بضرورة توسيع قاعدته الانتخابية، المكونة من البيض الأنغلوساكسون الموسرين، والعمل على استمالة الأقليات والفئات الشعبية. ونظرا لدور سعيدة وارثي في مد جسور التواصل بين حزب المحافظين وأوساط المسلمين، ورغم أنها لم تنجح في انتخابات 2005 (حيث كان شهيد مالك، مرشح حزب العمال، هو الفائز بدائرة ديوزبري) فقد عينت نائبا لرئيس الحزب مايكل هاورد. كما منحها الحزب عام 2007 مقعدا في مجلس اللوردات، فصارت “البارونة وارثي”، حتى يتسنى لها الانضمام لحكومة الظل. وبعد فوز المحافظين بانتخابات 2010، أسند لها ديفيد كامرون وزارة بدون حقيبة، كما عينت رئيسة للحزب (بالمشاركة مع مايكل فالون).
ولكن كامرون قرر، في تعديله الوزاري عام 2012، تعيينها وزيرة للدولة للشؤون الخارجية، حيث عملت مع وزير الخارجية وليام هيغ في انسجام تام وكان يعتمد عليها في كل ما يتصل بالعلاقات مع الدول الإسلامي. إلا أن هذا التعيين قد عدّ خفضا لرتبتها الوزارية. والحقيقة أن سعيدة وارثي، المعتزة بأصولها والمجاهرة برأيها داخل الحكومة وخارجها، قد كانت مصدر إزعاج لحزبها. وقد سبق لها أن لمحت مرارا إلى استعلاء النخبة المحافظة التي لم تقبل بها وظلت تصنفها «امرأة سمراء عمالية متحدرة من الشمال» و»غير جديرة بأن تكون وزيرة». ولكن سعيدة وارثي قررت أخيرا استخدام السلاح النووي عندما بشرت كامرون بهزيمة في انتخابات العام المقبل إذا لم يسارع بالاستجابة لتطلعات الأقليات..
مالك التريكي