سعيد عقل شاعراً حداثوياً

قصداً وبوضوح ترفض هند أديب الانكماش على رؤى ضيقة حول أحقية سعيد عقل بالدراسة والبحث، وتؤكد قبل كل شيء أنّ ما تواتر من مواقفه السياسية لا يحول دون وعي كينونته الشعرية فعلاً وتفاعلاً في المسار الحداثوي لفنية الشِّعر العربي. في كتابها «شعرية سعيد عقل» (الفارابي، بيروت، 2018) تعالج أستاذة الأدب العربي الحديث في الجامعة اللبنانية العمارة الفنية في القصيدة السّعقلية، فلا تتلبّث على ضفاف التنظير في كتابها، بل تنطلق إلى نماذج تحقيقية ملموسة قريبة إلى الأَفهام من خلال الجداول الإحصائية البالغة الدقة، للبنى العروضية التي استخدمها في نتاجه الشعري، بالتوازي مع استشكال شعريته التي تنهض على مثلّث الشّكل والمضمون والمعنى.
لقد زخرفَ عقل بشعريته الوعيَ الأدبي والذّوق الجمالي للناس، وأخرج دلالات القصيدة من نمطيتها السائدة في الشعر، وألبسها لباساً عصرياً يلتف بالتكثيف في أنساق الحقل الدلالي، للتعبير عن سمات الحداثة وهي تتداخل في أساس تجربته التي من مظاهرها تحرير مسرحه الشعري الكلاسيكي من نهاياته المأساوية. فقدموس حرّرَ وطنه بانتصار الواجب على الحب، لينبتَ من بعده رجال أصبحوا بناة مدينة طيبا، أولى الحواضر في أوروبا، والمجدلية أخت أليعازر حرّرَتْ جسدها من خطيئته، وتابتْ قدّيسةً جدّدها عقل في ملحمة شعرية، أعادت خلق مجدليته الخاصة به كفكرة مريحة للخطّاء، في مواجهته لمصيره، وهو ينوي التوبة. لا ينفي ذلك أن عقل عايش ما تسميه أديب «القلق الشعري» وهو يقدم لنا فهماً للعالم، وتصوراً له لا ينتظر من يجازيه شُكراً في الشِّعر، بل يركز في ممكنات القصيدة التجديدية على ما يمكن أن نسميه التكنيك الأسلوبي في اللغة الشعرية، الذي يتخذ من «الشكل والمضمون قاعدته والمعنى قمّته».
هنا ترتبط اللغة الشعرية بثقافة الشاعر، وتترجم شهوة وقوفه على مندرجات اللغة والفن والدين والفلسفة والتاريخ، وتأثره الكبير بها، لينطلق في توليف الصورة الشعرية كوسيلة رئيسية في نقل مضمون العمل الفني إلى المتلقي، عبر أشكال المكونات البلاغية المعروفة في البيان والبديع والمعاني، كالتشبيه والمجاز المرسل والكناية والاستعارة، وغيرها من فنيات ابتكار تلك الصورة، تحقيقا للمعنى. آثرت «أديب» الانعتاق من اللغة الأكاديمية في بعض متن النص، ونجحت بتسريد الحالة الإبداعية للشاعر بمسحة انطباعية محمودة، تقيم للتجربة مصداق معياريّتها وأبعاداً سوسيولوجية تفسر «عظمة عقل أو تخطيه لذاته» نقداً مُثمراً يتوازى مع المنقود، بما لا يتجاوز موضوعية التأويل، ويستجلي تجربته الصاخبة بأكثر الثيمات الفكرية حداثة، التي هي المرأة. بذلك ترى أديب أن ثمّ رجلاً يحترم المرأة، إذ ينظر إليها من كل زواياه: إبناً، والداً، أخاً، حبيباً، ولا يُسّف في تلاوتها شعراً على طريقته السّعقلية في متون قصائده، بدءًا بوالدته هو نفسه في جملته الشّعرية الخالدة: أمي يا ملاكي، وليس انتهاءً بتحولات المعنى الأنثوي باتّجاه المدائن العربيّة العريقة الأحبّ إليه كدمشق الشام:
شآم يا ذا السيف لم يغب …
أو مكّة الحجاز: غنّيتُ مكّة أهلها الصّيدا .
تلك القصائد التي تُحايِثُ براعَتَهُ في تجذير اللغة وإعادة اشتقاقها نحتاً وتوليفاً، مهمِلاً التشابيه والاستعارات الميتة التي تلفظ أنفاسها لكثرة التكرار في الشعر، من دون أن يتنكر يوماً لأصالة القصيدة العربية حتى يجعل للإبداع حركة وظيفية تزهو بأبعادها المُطلقة، إذ تتنكّب عن ربط الحداثة بشكل القصيدة، كما أوحت بذلك آخر المحاولات في تطوير الشعر العربي، التي انطلقت في منتصف القرن الماضي. صادفَ سعيد عقل الشّعراء الحداثويين زمنياً، فتأثروا به ولم يتأثر بهم كما أنه لم يتحدّث مثلهم، بل لقد قاومهم شعرياً من بعيد وبلا عناءِ معارِك، سارقاً من أكثرهم الأضواء في «فترينة» الشّعرية العربيّة الحديثة، حتّى اليوم شئنا أم أبينا، كما لم يستطيعوا إلغاءَهُ ولا التّغطية عليه أبداً، على الرّغم من كلاسيكيته وتعلقه ببحور الخليل، وهم أنفسهم قدموا اعترافهم بذلك ولم يمارسوه في غير مقام ومقال، ما يؤكّدُ التباسَ الصّيغة الحداثوية الجديدة للشِّعر العربي على روّادها، وأنّ التجاهُل لتجربة كلاسيكية ناجحة جداً كسعيد عقل لصيقة بهم توّاً في المكان والزمان، يقتضي نظراتٍ نقدية أكثر عمقاً وأوسع فضاءً من مسألة التّكسير الشّكلي لعامود الشّعر.
بهذا المعنى لم تتأخر أديب في تتويج عقل كأحد «أوائل الشّعراء الحقيقيّين في مجال الحداثة الشّعرية» متّهمةً من يهمه الأمر بالافتئات، إذ لا يقرّ بقطعية انتماء هذا الشاعر إلى تيار الحداثة، على الرغم من تأثر الكثير منهم به، ما يحوّلُهُ إلى «ظاهرة غير قابلة للتصنيف» مفتوحة على احتمالات مستقبلية تستشرف موقع هذا الشاعر اللبناني في الشعر العربي المعاصر بإشكاليات متوالدة لم تتم دراستها كما يجب وبما يكفي .

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية