سفير الكويت في الامم المتحدة منصور العتيبي: وضعنا لأنفسنا خلال عضويتنا أربع أولويات على رأسها القضية الفلسطينية

حاوره: عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

تنتهي عضوية الكويت غير الدائمة في مجلس الأمن يوم 31 كانون الأول/ديسمبر الحالي. وستسلم مقعدها للشقيقة تونس التي ستجلس في مجلس الأمن كعضو غير دائم للسنتين المقبلتين.

وقد تميزت عضوية الكويت في مجلس الأمن بالنشاط الدائم والمبادرات المتواصلة بقيادة ممثلها الدائم السفير منصور عياد العتيبي الذي انتدبته بلاده لهذا الموقع الرفيع لثقتها المطلقة بقدراته ومهاراته الدبلوماسية وعلاقاته المميزة مع الدول الأعضاء. وقد تكون الكويت من الدول النادرة التي تحتفظ بعلاقات متوازنة مع كل المجموعات الجغرافية. والأهم من ذلك أنها تتقاطع بشكل إيجابي مع معظم الدول العربية والإسلامية، ما مكنها من أن تلعب دورا ناشطا في التعامل مع البنود المدرجة على جدول أعمال مجلس الأمن من فلسطين إلى سوريا ولبنان إلى ليبيا ومن اليمن إلى ميانمار ومن العراق إلى أفغانستان عدا القضايا الأخرى. ولا أريد أن أتحدث كثيرا عن إنجازات وفد الكويت الدائم لدى الأمم المتحدة، سأترك الحديث للسفير منصور العتيبي حيث كان لـ”القدس العربي” هذا اللقاء بمناسبة انتهاء عضوية الكويت غير الدائمة في مجلس الأمن. وفي ما يأتي نص الحوار:

* تجربة السنتين الماضيتين كيف تلخصها لنا قبل أن ندخل في التفاصيل؟

** كانت العضوية تجربة تاريخية بالنسبة للدبلوماسية الكويتية، كونها تعد ثاني عضوية للكويت في مجلس الأمن في تاريخها، وتأتي بعد عضويتها الأولى قبل 40 عاماً خلال الفترة 1978-1979. الكثير تغير خلال العقود الأربعة الماضية، والقضايا المدرجة على جدول أعمال المجلس أصبحت أكثر تعقيداً مما كانت عليه في الماضي، والقضايا العربية على وجه الخصوص على جدول أعمال المجلس زادت. إن عمل المجلس بشكل عام ازداد حجمه بشكل كبير خلال العقد الماضي. كل هذه العوامل شكلت تحديات لنا. لكن قمنا بالتعامل معها من خلال تحديد أربع أولويات رسمناها للعضوية، وهي: القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والقضايا الإنسانية، والدبلوماسية الوقائية والوساطة، وتحسين أساليب عمل المجلس. وأستطيع القول بأننا تمكّنا من تسليط الضوء والدفع بهذه الأولويات خلال عضويتنا خلال العامين الماضيين.

* من أهم الإنجازات التي حققتها الكويت هي القرار التاريخي حول المفقودين في النزاعات المسلحة أثناء رئاستكم للمجلس للمرة الثانية خلال فترة العضوية هذه؟ هل لك أن تحدثنا عن فكرة القرار وكيف تم التوصل إلى توافق حوله؟

**فعلاً القرار 2474 والذي اعتمده مجلس الأمن بالإجماع والذي تقدمت به دولة الكويت خلال رئاستها لمجلس الأمن في حزيران/يونيو الماضي هو تاريخي، كونه الأول من نوعه في مجلس الأمن خاص في قضية المفقودين في النزاعات المسلحة. في جميع الحروب والنزاعات المسلحة هناك مفقودون إما من المدنيين أو من العسكريين، ونحن في دولة الكويت لدينا تجربة وطنية مريرة في موضوع المفقودين والأسرى الكويتيين تعود إلى ما يقارب من ثلاثة عقود عندما غزا العراق الكويت عام 1990. نحن ندرك المعاناة الإنسانية المتعلقة بهذا الملف الحساس، وإنطلاقاً من تلك التجربة تقدمنا بمشروع قرار حول المفقودين والنزاعات المسلحة والذي يعد أول مرجعية لمجلس الأمن في هذا الموضوع ويضع خطوات وتدابير للتعامل مع موضوع المفقودين والبحث عنهم وتمكين عودة رفاتهم وفتح قناة اتصال مع أسرهم.

* أخذت الكويت مسؤولية الجانب الإنساني في الأزمة السورية سواء في عقد مؤتمرات الدول المانحة أو اعتماد مجموعة قرارات في مجلس الأمن حول المساعدات الإنسانية بالتعاون مع السويد عام 2018 ومع ألمانيا وبلجيكا خلال عام 2019 فما هي الإنجازات التي حققتموها في هذا المجال؟

**انتهجت دولة الكويت خطاً إنسانياً بحتاً للتعاطي مع الأزمة السورية منذ بدايتها إيماناً منها بأهمية الوقوف إلى جانب الشعب السوري الشقيق، واستضافت ثلاثة مؤتمرات دولية للمانحين بالتعاون مع الأمم المتحدة في عام 2013، و2014، و2015. وشاركت بفعالية في مؤتمرات المانحين اللاحقة في لندن وبروكسل التي بنت على مؤتمرات الكويت. هذه الدبلوماسية الإنسانية ترجمناها في مجلس الأمن من خلال حملنا للقلم مع السويد في عام 2018 وألمانيا وبلجيكا في عام 2019. و”حمل القلم” يعني تحمل مسؤولية صياغة مشاريع القرارات والبيانات الرئاسية والصحافية عن مجلس الأمن حول الأمور المتعلقة بالوضع الإنساني في سوريا.

واستطعنا في شباط/فبراير 2018 أثناء رئاسة دولة الكويت لمجلس الأمن اعتماد القرار 2401 والذي تقدمنا به إلى جانب السويد والذي يطالب بوقف إطلاق النار في كامل أنحاء سوريا والسماح لهدنة إنسانية لمدة 30 يوما لتمكين وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين وإجلاء المصابين. لكن من المؤسف أن هذا القرار لم يتم تنفيذه على الأرض كما ينبغي. تقدمنا بقرار آخر مع السويد في كانون الأول/ديسمبر 2018 لتجديد عمل آلية وصول المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا، والذي تم اعتماده وأخذ الرقم 2449 وهو القرار الذي جدد عمل هذه الآلية لمدة 12 شهرا. ووجب التنويه بأن هناك الملايين من السوريين يعتمدون على هذه الآلية للحصول على المساعدات الإنسانية. كما قدمنا في أيلول/سبتمبر الماضي مشروع قرار لوقف إطلاق النار في إدلب مع كل من ألمانيا وبلجيكا، إلا أنه لم يتم اعتماده نتيجة لاستخدام روسيا والصين للفيتو.

* ارتكبت إسرائيل مجازر في غزة وخاصة مع انطلاق مسيرات العودة في30 أيار/مارس 2018. قدمتم مشروع قرار يدين استهداف المدنيين ويطالب بتأمين الحماية للشعب الفلسطيني لكنه تعرض للفيتو، فما الذي حدث بالضبط وكيف نقلتم مشروع القرار إلى الجمعية العامة؟

**في طبيعة الحال، فإن القضية الفلسطينية هي قضيتنا المركزية الأولى كعرب، وكوننا العضو العربي في المجلس فكانت علينا مسؤولية خاصة لنكون صوت دولة وشعب فلسطين في المجلس خلال عضويتنا والدفاع عنها.

عندما بدأت المسيرات الكبرى، لم نستطع أن نبقى مكتوفي الأيادي أمام مشاهدة أخواننا وأخواتنا من الشعب الفلسطيني يسقطون أمام الرصاص الإسرائيلي بشكل يومي خلال تلك المسيرات، وتحركنا بشكل تدريجي تجاه هذه التطورات ابتداء من الدعوة لعقد جلسة طارئة لمناقشة هذا العدوان الإسرائيلي السافر بحق الفلسطينيين العزل إلى أن وصل الأمر إلى تقديمنا لمشروع قرار يطالب بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني الشقيق. ولم يتمكن المجلس من اعتماد ذلك القرار نتيجة استخدام الولايات المتحدة حق الفيتو، على الرغم من حصوله على 10 أصوات مؤيدة. وفي المقابل، قدمت الولايات المتحدة قرارها الخاص بهذا الأمر ونال فقط على صوت واحد، وهو صوت الولايات المتحدة. وبعد عجز مجلس الأمن في اعتماد قرارنا الذي يطالب بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، نسقنا مع المجموعة العربية وتم الاتفاق على طرح القرار ذاته في الجمعية العامة، وبالفعل حاز على تأييد 120 دولة مقابل 8 صوتوا ضد وامتناع 45 دولة.

*متابعة للسؤال السابق، الجمعية العامة اعتمدت قرار الحماية وطلبت من الأمين العام تقديم خيارات للحماية فاستجاب وقدم خيارات أربعة للحماية. لكن أيا من تلك الخيارات لم يطبق ولم تكن هناك متابعة. هل نعتبر موضوع الحماية انتهى؟

**فعلاً، أصدر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تقريراً عملاً بالقرار الذي تم اعتماده في الجمعية العامة، وتطرق إلى أربعة أنواع ممكنة من ترتيبات الحماية، وهي الحماية المادية أو الجسدية، مثلاً عن طريق نشر قوات مسلحة، والحماية القانونية، والمساعدة العامة، والحماية بالنشر. إلا أن الأمين العام كان واضحاً في تقريره بأن نجاح تدابير الحماية يتطلب تعاون الأطراف ووقف الأعمال العدائية، وتوفير موارد إضافية، ويتعين إنشاء ولاية لتوفير الحماية المادية أو الجسدية، علماً بأنه لا يمكن إنشاء أي بعثة إلا عبر مجلس الأمن. الموضوع لم ينتهِ فليس هناك مستحيل في عالم الدبلوماسية والسياسة، إنما الأمر في الوقت الحالي صعب التطبيق على أرض الواقع نظراً لتركيبة مجلس الأمن ووجود دولة عضو دائم تدافع عن السلطة القائمة بالاحتلال.

* قمتم بمبادرة مهمة بقيادة أعضاء مجلس الأمن لزيارة ميانمار للاطلاع على الأوضاع هناك عن كثب. هل جاءت المبادرة نتيجة عجز مجلس الأمن عن اتخاذ أي قرار حول حماية مسلمي الروهينجا؟ وهل لك أن تحدثنا عن الزيارة ونتائجها؟

**عملت دولة الكويت على اتمام هذه الزيارة منذ دخولها كعضو غير دائم في مجلس الأمن انطلاقا من دفاعها عن القضايا العربية والإسلامية بما فيها أزمة أقلية الروهينجا المسلمة ومساعيها المستمرة لدعم القضايا الإنسانية باعتبار أن الدبلوماسية الإنسانية تمثل أحد أعمدة سياسة الكويت الخارجية.

وفي حقيقة الأمر، ما يعانيه مسلمو الروهينجا في ميانمار هو أمر كارثي، حيث يوجد ما يقارب مليون لاجئ من هذه الفئة. ورأينا أن القيام بزيارة رسمية إلى ميانمار وبنغلاديش للاطلاع على أوضاع اللاجئين من مسلمي الروهينجا ستشكل خطوة مهمة لمجلس الأمن وتبعث رسالة بأن المجتمع الدولي مهتم بهذه القضية. وبالفعل، قامت دولة الكويت بقيادة الزيارة إلى جانب المملكة المتحدة وبيرو، وهي أول زيارة يقوم بها المجلس إلى ميانمار وبنغلاديش. ونظراً إلى صعوبة الوصول إلى بعض المناطق المقرر زيارتها في ميانمار، قامت دولة الكويت بدعم الأمم المتحدة لوجستياً من خلال توفير طائرة كويتية خاصة لهذه المهمة، واصطحبنا فيها أعضاء مجلس الأمن. إن ما شهدناه ورأيناه على أرض الواقع من قرى محروقة أو تم تدميرها وإزالتها بالكامل وبشكل منظم إنما يؤكد ما ذكره الأمين العام للأمم المتحدة بأن ما تتعرض له أقلية الروهينجا المسلمة في ولاية راخين هو تطهير عرقي. على الرغم من هذه الزيارة والجلسات العديدة التي عقدها مجلس الأمن حول هذا الأمر، إلا أن المجلس عاجز عن إصدار قرار بهذا الموضوع نظراً لعدم وجود اتفاق داخله تجاه هذه القضية.

* وماذا عن مبادرتكم الثانية بزيارة مجلس الأمن للعراق؟ ما الذي دعاكم لاقتراح الزيارة والعراق كان يمر في حال عدم استقرار أمني بعد هزيمة “داعش”؟

**قامت الكويت بقيادة المجلس إلى جانب الولايات المتحدة في هذه الزيارة التاريخية إلى كل من الكويت والعراق. زيارة الكويت كانت تهدف لإطلاع أعضاء مجلس الأمن على تفاصيل الالتزامات المتبقية على العراق تجاه دولة الكويت، وتحديداً فيما يتعلق بالمفقودين الكويتيين والممتلكات الكويتية بما فيها الأرشيف الوطني. كما كانت فرصة لإطلاع المجلس على نتائج متابعة تنفيذ تعهدات مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار العراق والذي عقد في شباط/فبراير 2018 وكذلك إبراز جهود ومساعي الكويت لضمان الاستقرار والأمن في العراق. أما زيارة المجلس إلى العراق، فكانت بغرض اظهار دعم المجتمع الدولي للعراق بعد انتصاراته على تنظيم “داعش”. لقد ضحى العراقيون بالكثير من أجل هزيمة هذا التنظيم الإرهابي، وكانت الرسالة من وراء هذه الزيارة هو أن العالم يقف إلى جانب العراق.

*تغادرون مجلس الأمن وثماني قضايا عربية ما زالت عالقة على جدول أعمال مجلس الأمن. أهو فشل المجلس أم تضارب مصالح الدول الكبرى أم ضعف الدول العربية في فرض حلول على المجلس نتيجة تفرقها واختلاف كلمتها؟

**جميع ما ذكرته- وللأسف- ساهم في وجود هذا العدد الكبير من القضايا العربية المدرجة على جدول أعمال مجلس الأمن.

* ماذا توصون زميلكم سفير تونس منصف البعتي حيث تبدأ عضوية بلده غير الدائمة اعتبارا من الأول من كانون الثاني/يناير 2020؟

**نتمنى لتونس ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة منصف البعتي وفريقه كل التوفيق والنجاح في عضويتهم في مجلس الأمن لفترة 2020 – 2021 ونحن واثقون بأنهم سيمثلون العرب خير تمثيل. نصيحتي له هو الاستمرار في الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية في مجلس الأمن التي تمثل أكثر من 70 في المئة من القضايا التي ينظر فيها المجلس والعمل على نقل هموم ومشاغل الدول العربية إلى أعضاء المجلس.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية