سفير في قلب الأحداث للدبلوماسي الجيبوتي رشاد فرح

حجم الخط
0

باريس ـ من الطيب ولد العروسي : انطلقت الحملة من أجل انتخاب مدير عام لمنظمة اليونسكو خلال شهر أكتوبر 2013. وأن عدد المتنافسين لهذا المنصب ثلاثة أشخاص ، منهم المديرة العامة الحالية ومرشحان قادمان من المنطقة العربية.
وفي هذا الإطار صدر للدبلوماسي رشاد فرح كتاب بعنوان: ‘سفير في قلب الأحداث’، في بيروت، عن منشورات دار البراق، يقع في 115 صفحة ويتألف من تقديم للسيدة ميغل أنخيل موراتينوس، ومقدمة وثمانية فصول وخاتمة. حيث تطرق فيها المؤلف إلى طفولته، فهو ينحدر من اليمن عن طريق والده ‘فأنا من أصول يمنية من جهة جدي من أبي’ (ص.15). ومن إثيوبيا عن طريق جدته من والده’ ولدت جدة والدة أبي في أثيوبيا، وكانت عائلتها تقطن هرر، وولدت والدتي في جيبوتي سنة 1928′ ( ص.15). كما تطرق إلى مكانة أسرته العلمية والتجارية والسياسية وارتباطها بتطور وتسلسل الأحداث في جيبوتي ‘يتصف بلدي بالتنوع السكاني إضافة إلى جغرافيته وموقفه الاستراتيجي، كما أنه بلد مضياف متفتح عن الخارج..و كون معظم سكانه من الرحل، فإن لم يلبث أن يغدو أرض لقاء كما هو شأن موانئ البحر الأحمر’ (ص.12). كما يشير إلى أن سكان جيبوتي حينما حصلت على الاستقلال كان عددهم 250 ألف نسمة ليرتفع إلى أكثر من 800 ألف عام 2009 ‘ 60 في المائة منهم يقيمون في العاصمة’ (ص.19).
ثم يعالج مسألة التعليم وأهميته في التكوين الإنساني ليضع أصبعه على الجرح العربي حينما يثبت ما تؤكده منظمة اليونسكو بأن ‘نسبة الأميين من البالغين مستمرة في التصاعد، وأن التساوي بين الجنسين يتراجع في التعليم الثانوي، وأن التعليم العالي ليس في متناول الكثير من الشباب، أما نسبة الانخراط الدراسي في التعليم العالي في إفريقيا جنوب الصحراء فلم يتعد 6 في المائة سنة 2008، بينما كان المعدل العالمي 26 في المائة، إن هذه التفاوتات توضح عدم صلاحيات أنظمتنا’ ‘ص.25 . الأمر الذي يتطلب من منظمة اليونسكو زيادة الاهتمام بالتعليم والحرص عليه وإعطائه المكانة الأهم في البرامج السياسية لكل حكومة لأن 6 في المائة نسبة الدارسين يبيّن فجوة كبيرة في النقص في التعليم، وبالتالي فإن المنظمة تدق جرس الإنذار وعليها أن تطالب الحكومات المعنية بأخذ الأمور بجدية أكثر لوضع حد لهذا الوضع.
يعطينا الكاتب لمحة عن مشواره العلمي المرتبط بتطور بلده جيبوتي، فهو كان قد قدم إلى لفرنسا من أجل الدراسة، كما تفرّق إخوته في عدة مدن عربية وغربية لمواصلة تعليمهم، ثم أصبح المؤلف مدرسا في جيبوتي التي تبلورت فيها جامعات ومؤسسات علمية حديثا، بحكم ارتباط ومساعدة بعض الدول العربية والإسلامية لها مثل تونس لإرساء ‘جامعات ومعاهد علمية’.
بعد عودته إلى بلده دخل عالم السياسة إذ مثل بلده في عدة مناصب ‘لدى عودتي إلى جيبوتي، تم تعييني في وظيفة السكرتير العام المساعد للحكومة’ (ص.37)، ثم تقلب في مناصب أخرى في الخارجية حيث تعرف على شخصيات عربية وغربية وعالمية، للمساهمة في بناء بلده ‘ كنت أشعر بالفخر والشرف لمشاركتي المتصاعدة في بناء دبلوماسيتنا بدعم خيّر من رئيس الدولة، كان عملي يخص كل ما له علاقة بالشؤون الثنائية ومن بينها الملفات السياسية’ (ص.48). ثم تطرّق بعد ذلك إلى عمله في المفوضية السامية للأمم المتحدة وإلى المشاكل السياسية بين جيبوتي وبعض الدول العربية والإفريقية المجاورة لها، والعمل لحلّها من أجل أن تعيش جيبوتي بسلام مع الجيران.
عين المؤلف سنة 1984 في طوكيو كسفير لبلده ‘لقد ساعدني وجودي في طوكيو على تطوير علاقات شخصية مع العديد من الدبلوماسيين ومن ثم المساهمة في تعزيز العلاقات الثنائية بين بلدي وبلدانهم’ (ص.67). ثم أصبح عميدا للمجموعة الإفريقية سنة 1994، واهتم بمجموعة ملفات مع بعض البلدان مثل الصين والهند انطلاقا من طوكيو، كما أعجب بالنظام التعليمي في الفيلبين، وبالمستوى الاقتصادي في ماليزيا ونظامها التعليمي، أما الصين عملاق الجنوب فيرى بأنه مستقبلا يجب أن تلتزم ببناء علاقة استثناية معه ‘بشكل أكبر إفريقيا، وستصبح حتما الشريك الأول للقارة الإفريقية، ابتداء من سنة 1986 وقبل أن أعيّن سفيرا كنت مراقبا للتغيرات التي تعود إلى نهضة إمبراطورية الوسط’ ( ص.76).
قضى 15 سنة في طوكيو إضافة إلى بعض البلدان الأخرى التي كان معتمدا فيها ‘الصين، تايلاندا، ماليزيا، الفلبين، كوريا، الهند، أندونيسيا، سنغافورة وأستراليا’ (ص.77)، مما يبيّن تجربة المؤلف الكبيرة في القارة الأسيوية، كما يوضح معرفته بخبايا هذه الدول التي يعتبرها كنموذج في النمو الاقتصادي والتعليمي والاجتماعي، وهي تجربة غنية سمحت للأستاذ فرح رشاد فيما بعد أن يلتحق بمنظمة اليونسكو بعد أن عينته بلده سنة 2004 سفيرا لها، وممثلا دائما ‘لجمهورية جيبوتي لدى منظمة اليونسكو’ ( ص.81).
يولي الأستاذ رشاد فرح أهمية كبرى للتعليم ولتنميته، كما يوضح الدور الريادي للتربية في تطوير الأمم، علاوة على أخذه بعين الاعتبار للتطورات التقنية الحديثة في ميدان الرقمنة والعمل من أجل إرسائها قولا وعملا في مؤسساتنا العربية الإفريقية، وهو يعتبرها كشرط من شروط اللحاق بالتطور الحضاري والعلمي والإنساني، مما يتيح الفرصة لهذه الشعوب للاضطلاع على المحتويات الرقمية التي أصبحت مصدرا مهما من مصادر المعلومات، وولوج ‘مجتمع المعرفة’ (ص.91)، بكل معطياته، وبعد ذلك يعالج دور اليونسكو الذي يؤكد قائلا: ‘في منضمة اليونسكو، نحاول تقديم حلول لحالات فورية، ولكننا، وبشكل خاص، نعمل على أن تكون بيئة الأجيال القادمة أفضل من بيئة الأجيال الحالية’ (ص.99)، كما حلل مجموعة كتابات وتقارير رصدت الوقائع التي تعيشها القارة السمراء اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وعلى اليونسكو ‘أن تكون بيتا مفتوحا على الخارج، ومكانا للنقاشات والتبادل والمواجهات مع العالم، حيث يكون فيه للمثقفين والعلماء والباحثين والخبراء دور حاسم، فإنه يتوجب علينا ربط شراكات مع هذه المختبرات التي تمثلها مراكز التفكير’ (ص.108). وهنا نرى الكاتب وكأنه يقدم برنامج عمل يأمل تحقيقه في حالة لو تم ترشيحه على رأس المنظمة، لأنه يوصي من خلاله بتحقيق النمو والعمل من أجل تطوير التعليم في القارة السمراء، ويحث المجتمع الدولي على الاهتمام بها، وجعل منضمة اليونسكو تلعب دورها بشكل حقيقي لكي تؤسس هي الأخرى لعمل يلتقي فيه الجميع من أجل بناء ‘مجتمع المعرفة’ ومجتمع السلم والمحبة ‘و تفعيل حوار الحضارات وتيسير العلوم’ (ص.111). خاصة وأن منظمة اليونسكو تلعب دورا محوريا في ‘تطوير الثقافة والتربية إضافة إلى الدبلوماسية الثقافية المتعددة الأطراف’ (ص.111). وعليه فإن هناك أربع أولويات، حسب الكاتب، يجب الاعتناء بها وهي: ‘حوار الحضارات والمعتقدات وحماية التراث الثقافي ونقل العلم والتقانة وتطوير التعليم العالي’. كما يؤكد على أن دور اليونسكو يساهم في صنع ‘القرار في تطوير كافة العلوم بما فيها العلوم الإنسانية وعلى تداولها بين المجتمعات والشعوب’ (ص.114).
يؤكد الكاتب بأن الأنترنت ‘استطاعت أن تخلق رموزا كونية، فلما لا نصل إلى النتيجة نفسها في ميدان علوم الإنسان والمجتمع، وفي هذا الميدان لا بد لليونسكو أن تلعب دورا رياديا’ (ص.11..)
فمن خلال هذا الكتاب البرنامج يتوضّح لدينا بأن من صفات الرجل خبرته الدبلوماسية والعملية وعلاقته بديناميكية المنظمة، ولقد اهتم السفير رشاد فرح بكل القضايا المرتبطة بالثقافة والتعليم ولاسيما في القارة الافريقية، وباختصار فإن الكتاب يظهر سيرة غنية بالخبرة الدبلوماسية ويقدّم طروحات تجديدية تعيد للجنوب حقه في التنمية الثقافية ليس لمواجهة الشمال وإنما من اجل التقارب بينهما وتوحيد مساريهما. كما يؤكد الدبلوماسي والسياسي الإسباني السيد ميغل أنجيل موراتينوس في تقديمه للكتاب بأن ‘الربيع العربي مرتبط بصورة أشمل، بالتطلّع الديمقراطي للشعوب، فالتعليم يساهم في إرساء الديمقراطية وعن طريق التعليم يمكن لهذه الشعوب أن تتطلّع إلى التغيير’ (ص.8). ولذا فإن تقلد منصب المنظمة من قبل سفير من الجنوب يملك تجربة غنية والعارف بقضايا المنظمة تكون فرصة جيدة للاهتمام بطرح ومعالجة قضايا النمو الثقافي والعلمي في القارة الافريقية، خاصة وأن الأستاذ فرح قد وجد مساندة واسعة من المنظمة الافريقية ومن الكثير من بعض المثقفين ومن رجال السياسة العرب والغرب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية