سقط حجابها ولم يسقط النظام!

حجم الخط
13

عندما التقيتها أول مرةكانت تضع غطاء الرأس الأبيض فوق شعرها، «الحجاب» بصيغته السورية التقليدية، كانت تشبه الكثير من المحجبات بمظهرها الخارجي، ولكن كما لكل انسان حكاية ولكل حجاب سيرة، كان لـ (ي. م.) حكايتها…
سأعترف منذ البداية أن ما دفعني للكتابة عن (ي. م.) ليس ارتداءها للحجاب، والذي بات أمراً مألوفاً ولم يعد يثير التساؤل والاستغراب،
بل نزعها له في زمن الخوف والتكفير والمد الديني.
صحيح أن ارتداء الحجاب يتطلب شجاعة مع الذات وترويض لرغباتها، ولكن نزعه يحتاج إلى شجاعة مضاعفة لمواجهة النفس أولا والمجتمع ثانياً، فنحن شئنا أم أبينا نعيش في مجتمعات مغلقة، تسود فيها ثقافة القطيع ويُقمع فيها التفرد ويُدجّن الاختلاف.
حكاية (ي. م.) لا تاريخ محدد لبدايتها، فهي ولدت في بيئة محافظة، المرأة فيها محجبة بشكل طبيعي، ودون طرح الكثير من الأسئلة ترتدي الفتاة الحجاب بشكل تلقائي عندما تبلغ سن العاشرة، وكأن دم الحيض الأول وغطاء الرأس هما تذكرتا العبور من الطفولة إلى عالم النساء. لم تختلف سيرة (ي. م.) عن الأخريات، ارتدت الحجاب وهي في الصف الخامس الابتدائي وصارت قطعة القماش البيضاء جزءاً منها مثل يدها وفمها وعينيها، لا اختلاف إلا في أنها تنزعها عندما تخلد للنوم.
ازدادت المحرمات بازدياد تكور الجسد الأنثوي، وصار ممنوعاً عليها ان تلعب مع أبناء الحارة في الشارع، شعرها الطويل الذي طالما شده ابن الجيران مستفزاً، صار محرماً عليه أن يراه ومحرماً عليه حتى أن يستعيد ملمسه في الذاكرة.
ومن لحظتها بدأت تكتشف عالماً أحادي اللون، لا وجود للرجال فيه. وأضحت كل اللقاءات والاجتماعات تتم في حيز نسوي ضيق، وحيث الحجاب هو القاعدة والسفور استثناء… هي كائن موجود وغير موجود في آن واحد، جسدها يحتل المكان الفيزيائي ولكن يتوجب عليه أن يبقى محجوباً أو غير مرئي من قبل الآخرين.
جسدها هو العورة الذي يتوجب عليها سترها وإخفاءها. في البداية اعتادت الأمر وتأقلمت معه… ثم بدأت تبحث عن معنى العورة في الإسلام، قرأت مرة أنها الأعضاء الجنسية بالنسبة للحي والجثة بالنسبة للميت، فأحست لوهلة أنها جثة حية.
وكلما تشعبت أكثر في الجانب الفقهي للحجاب، ازدادت حيرة أمام الخطاب الذي يرى أن المرأة لا تكون مسلمة إن لم ترتد الحجاب، وخطاب آخر يعتبرأ ن الاحتجاب مرتبط بنساء النبي(صلعم) دون عامة النساء، وأن الجيوب التي على المرأة تغطيتها وضرب الخمارعليها هي فقط ما بين الثديين وتحت الابطين والفرج والإليتين، وليست الجسد كاملاً.
بين هذين الخطابين، وبين الحجاب «كفرض ديني» والحجاب «كفرض عائلي»، عاشت (ي. م.) مشتتة وغير قادرة على حسم أمرها، إلى أن جاءت اللحظة التي هزت كل مسلماتها وقلبت حياتها رأساً على عقب…. لحظة الثورة.

سقوط الحجاب:

عندما تبدأ (ي. م.) في الحديث عن الثورة، تتغير ملامحها ويشع نور غريب في عينيها، ويعلو تردد صوتها بطريقة غير إرادية…
عندما سألتها عن لحظة سقوط الحجاب، قالت لي: هي تشبه لحظة سقوط جدران برلين، عندما اتحدت ألمانيا الغربية بشطرها الشرقي في لحظة تاريخية، هكذا هي لحظة التقاء أناي الظاهرة بأناي المحجوبة بعد طول انفصال.
وبدأت تروي لي قصة السقوط المدوي:
«عندما قامت الثورة السورية وبدأ الناس في النزول إلى الشارع، لم أتردد لحظة وكنت بينهم ومعهم، حجابي كان تفصيلا غير مرئي حينها، كنا معاً شباباً ونساء… محجبات وسافرات… مسيحيين ومسلمين… كنا جميعاَ ندين بدين الحرية.
عندما ازداد بطش النظام وبدأ إطلاق النار على المتظاهرين، أصبت بالخوف ولكنه خوف لا يشبه الخوف الذي كان يشلّ ألسنتا ودماغنا قبل الثورة، الخوف صار خوفاً على الثوار والثورة من الفشل، وليس خوفاً من المستبد وقمعه.
وأصبح الموت حقيقة يومية، موت لا يشبه الموت. أجساد مقطعة ومشوهة لأطفال صغار، وأمهات يحتضنّ أبناءهن ويمتن فوقهم كحواجز حب بشرية لا تحمي في زمن البراميل القاتلة، أحسست بعبثية الحياة وبقسوتها ولازمني شعور بالقهر والعجز أمام سيل الدم.
نظرت في المرآة وأحسست أن الحجاب هو اكسسوار سطحي لا يقربني من الله، الله الذي أسجد له كل يوم وأدعوه ليوقف موت الصغار. لم يتزعزع إيماني ولكنني لم أعد أجد في الصلاة والحجاب طوق خلاص، فالحياة تستمر بكل عربدتها وظلمها بحجابي أو من دونه، وأحسست انني بحاجة لوجه آخر في زمن لا يرحم…
صار الحجاب أكبر من مجرد قطعة مستطيلة، صار بحجم وطن يستباح كل يوم، وقررت أن أغادر سوريا.
وأنا أعبر الحدود خلسة في حافلة النقل، ورغم أنني ملتحفة بالسواد، اقترب مني رجل ملتحٍ وبيده سلاح، أشار لي أن أغير مقعدي بلهجة آمرة: «قومي اقعدي هونيك يا مرة»… أنا التي أتساوى معه في مقاومة القمع والثورة عليه، في لحظة عدت «الحرمة» وعليَّ أن أطيع وأجلس حيثما يشاء. أحسست بغصة، قلت في نفسي أمن أجل هؤلاء ثرنا، وهل هذه الحرية التي أريدها؟
لم يساورني الشك في أحقية ثورتنا ضد القمع والظلم، فطريق الحق والكرامة والعدالة هو طريقنا، ولكنه لن يكون مع هذا الملتحي، رغم أن طريق هروبنا واحد. لحظتها شعرت أنني غريبة عن هؤلاء وغريبة عن نفسي أيضاً، بيني وبين نفسي كان هناك قناع، أرتديه لأحجبها عن الأخرين ولكنني بالحقيقة أحجب روحي عن جسدي، وشعرت أنني بلا حجابي سأكون أكثر صدقاً مع نفسي ومع المجتمع. وهكذا في يوم عيد ميلادي نزعت الحجاب، لم أهد نفسي شيئاً بل اهتديت لنفسي، وكنت كمن تولد في ذكرى عيد ميلادها الثلاثين من جديد.»

رحلة البحث عن الذات:

أخبرتني (ي. م.) أن قرار نزع الحجاب كان القرار الوحيد الذي اتخذته بملء إرادتها منذ ولادتها، قبله كانت تشعر أنها في حالة فصام نفسي، وكانت تتجنب النظر إلى نفسها في المرآة وهي محجبة، اعتادت الملابس الواسعة التي تخفي كل شيء تحتها، واعتادت معها أن تخفي كل هواجسها وقلقها وتساؤلاتها.
كانت (ي. م.) المرأة بالثياب الواسعة والتي تضع الحجاب قبل أن تخرج للشارع، لا تشبه (ي. م.) الأخرى التي تعشق الحياة وتحلم بالحرية،
وأحياناً كانت تشعر أن الحجاب المربوط حول عنقها، يلتف عليه كالمشنقة.
«كنت متنكرة، أكذب باسم الحجاب من أجل الآخرين، ألبسه من أجل أن يتقبلني المجتمع ولكنني لم أعد أتقبل نفسي، وبالنهاية شعرت أنني كسافرة صادقة سأكون أقرب لله، من محجبة كاذبة».
وعندما سألتها عن حياتها اليوم أجابت:
«نزع الحجاب لن يحل مشاكلي ولم يحررني حقاَ ولم يحرر بلادي أيضاً، ولكنني أحس بتوازن نفسي أكثر وأشعر أنني أقوى وقد استعدت حيويتي وعلاقتي الصحية بجسدي، وصرت أحس بسني الحقيقي بعد ان كنت أعيش بروح كهلة في جسد شاب، وفقدت تلقائياً الكثير من الوزن الزائد، الذي كان يختبئ تحت الثياب الواسعة. وأصبحت أرى الشعيرات البيضاء الصغيرة وأصبغها، وصارت زيارة الحلاق طقساً جميلاً أدلل به شعري بعد أن احتجزته بعيداً عن الهواء والشمس لسنوات، وأضحى شعري رئتي الثالثة التي أتنفس بها».
وعن تقبل المجتمع لها، قالت:
«الكثيرون قاطعوني واعتبروا أنني خرجت عن جادة الصواب وقليلون هم من تفهموا خطوتي هذه، أما أنا فأشعر أنني لست مضطرة لأن أقدم كشف حساب للآخرين، كشف الحساب هو بيني وبين الخالق، أنا لم أتغيرّ ولم أرتكب أية معصية، صرت أكثر صدقاً ربما وأكثر انسجاماً مع ذاتي… وعندما سأشعر أنني مستعدة ومؤهلة للحجاب من جديد، ربما سأرتديه ثانية، ولكن حينها سيكون القرار لي وليس إرضاءً للآخرين، ولن أمارس باسمه من جديد، الرياء الديني أو الاجتماعي».
نظرت إليها وهي تغادر المكان، وشعرت أنني أمام طفلة صغيرة تتدرب على الحياة من جديد، تلامس قماش الثوب الملون والأقراط التي تتدلى من أذنيها، وتكتشف أنوثتها لأول مرة على حدود الثلاثين. وكأنهاالأن تطل على العالم من شرفة واسعة بعد أن كانت تراه من قبو معتم بلا نوافذ.

وظلت تدورفي رأسي جملتها الأخيرة:

«أنا نجحت في ثورتي وأسقطت الحجاب، فماذا عن الثورة الأخرى والنظام الذي خرجنا ننادي بإسقاطه».
هامش 1: الحجاب سقط عن رأس (ي. م.) ولكن اسمها ما زال محجوباً، لأننا كمجتمع لم ننضج سياسياً واجتماعياً لتقبل ثورة معرفية وسياسية ودينية حقيقية.
هامش2: هذه الشهادة ليست دعوة لنزع الحجاب، هي ببساطة دعوة لأن نكون أنفسنا من دون أقنعة من أي شكل ونوع.

٭ كاتبة سورية

آية الأتاسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية