لم يتركوا لنا مساحةً للحديث في السياسة، فساحات القتال أو الإقتتال، رهنت العقل لمعادلة عبثية، لا يدري كيف يفكك رموزها، بالأمس فقط، كنا قادرين على الرؤية، قبل أن يسلبنا إياها الضباب الكثيــــف ودخان البنادق! بالأمس فقط كانت هناك محرمات ومقدّسات، والآن سقطت كلها، مع تهاوي المآذن، بالامس فقط كان هناك عدو واحد يشار إليه فقط بطرف البنان! والآن بعد سقوط المعايير، أصبح العدو يُعرّف حسب الزاوية التي تقف فيها والركن الذي تقاتل من خلفه! لماذا تُستحضر كل فتن التاريخ؟
ونصبح مجدداً روافض ونواصب! هل نجحنا في إخفاء نوايانا الشريرة كل ذلك الوقت، ثم أطلقناها في لحظة انتشاء شيطاني؟ هل نجحنا في ممارسة التقية بكل تلك البراعة؟ وأخفيناها حتى عن عيون الزمن نفسه! لماذا يغوص عقلنا الجمعي فجـــأة في وحل التنكر والكراهية، هل حضارتنا هشّة إلى ذلك الحد؟ ومفاهيمنا رخـــوة وهــلامية بلا أي حد؟ هل نحن أمة بدائية؟ وهل يكفي تفسير ‘المؤامرة الكونية؟
أم أن ما يحدث خداع بصري وفقاعات على سطح محيط عميق؟ هل نحن أمة الحرام والحلال أم أمة ‘درزية’ و’خياطين’، نفصل الحلال والحرام، على مقاس الشيوخ والحكام؟ أم هم الذين فصّلوه لنا على مقاس عقولنا الغثة، الضحلة والرثة! ومن سيخرج منتصراً في النهاية: الشيطان الأكبر أم الأصغر أم كلاهما معاً، ومن سيُسأل عن شلّال الدم الذي أُهدر؟ ولماذا يصبح حتى الدم رخيصاً إلى هذا الحد؟ لم يعد لا المثقف الحر ولا المفتي الحر قادراً على أن يتبيّن موطىء قدميه!
وحل محله أولئك الذين يفتون بشحذ السلاح، وسن المخالب والأنياب، وهل هذه حفلة صراع الديكة؟ لماذا تُطل عمائم الماضي من منابرها الموغلة في الزمن، وتغرينا بالسفه؟ لا بل لماذا نعيرها أسماعنا وعقولنا؟ بالأمس فقط كانت هناك تحالفات على أسس وصفت بالوطنية، وسقطت الوطنية تحت الأقدام والسنابك! فهل سنعيد تعريفها بعد انقشاع الدخان؟ أم سنبحثُ عن مسميات أخرى؟ وهل مشكلتنا مع الأسماء أم المسميات؟ وهل سيتغير قاموسنا ومفرداتنا؟ حتى بضاعة الغرب الفكرية، التي تباهى بها رواد المعاصرة والحداثة والعلمانية، فشلت في وضع الكوابح، ولم تسعفنا في الفهم واكتفى أربابها بالانحياز لطرف دون آخر!
بالأمس فقط كان الكل يتباهى بنصرة المقاومة الفلسطينية، والآن ألجأوها إلى ركن ضّيق، لا بل انسحبت من تلقاء نفسها، حتى لا تشارك في هذه الخطيئة، ولكن شعب المخيمات دفع الثمن مرة أخرى! وإذن فنحن نمارس النفعية والبراغماتية حتى على حساب قدس الأقداس، ومن وراء ستار الشعار، دينياً كان قومياً أو وطنياً، فقد ضلّت هذه المفردات طريقها، ولم تعد إلا أوصافاً بلا موصوف، وإذن فلم يبق إلا الهدم الذي تكاثرت معاوله، ولن يتوقف حتى يسوي كل شيء بالارض، ليمنحنا ربّما فرصة البدء من جديد، على أسس أكثر متانة وربّما أقل نفاقاً، فإن كان هذا مطهركم فاعبروه، ولكن بأقل ما يمكن من الخسائر، وكما قال أحد الكتاب، لقد انطقت الجياد، ولا يجدي القلق على الجياد الراكضة، ولن يُعرف الرابح من الخاسر قبل بلوغ خط النهاية!
نزار حسين راشد
[email protected]