الرباط ـ «القدس العربي»: يعيش المغرب على وقع تساقطات ثلجية بمناطق جبلية يتجاوز ارتفاعها 2000 متر، جالبة معها انخفاضا شديدا في درجات الحرارة يصل إلى -5، ويجعل سكان المناطق الجبلية، على ابتهاجهم بهذه الثلوج التي افتقدوها بسبب سنوات متتالية من الجفاف، يعيشون تحت رحمة موجة برد شديد وأجواء قاسية تزيد من معاناتهم.
هنا قرية وكَاسيف التي تبعد عن مدينة أزيلال بحوالي 65 كيلومترا، تجلس تُودا وراء مِنسج تَنظُم خيوط زربية في اللونين الأحمر والأخضر، داخل غرفة فسيحة يتوسطها فرن معدني مملوء بحطب تدفئة يتماوج لهيبه، فيما يعلوه براد شاي منعنع يُطبخ على مهل.
تقول تودا وهي مستمرة في نسج زربيتها: «تلقينا هذا الفرن الجاهز من طرف السلطات لمساعدتنا في مواجهة البرد الشديد والصقيع، نضعه خلال فصل الشتاء داخل هذه الغرفة التي يجتمع فيها كل أفراد العائلة، زوجي ووالدته وأنا وأبنائي، حيث نقوم بأعمالنا المنزلية داخل نفس المكان عبر طهي الطعام وتحضير الخبز والشاي. كما أنه مصدر مهم للتدفئة، ولا نقوم بمغادرة البيت إلا للحاجة القصوى».
خلال شهر كانون الثاني/يناير الجاري، أعلنت وزارة الداخلية المغربية، توزيع مواد أساسية مثل خشب التدفئة، والأفران المحسنة، والأغطية لفائدة الأسر المتضررة، إلى جانب دعم المدارس بـ75 طنا من حطب التدفئة و7500 غطاء لضمان استمرار الدراسة. وإلى فصل دراسي بواحدة من المؤسسات التعليمية بإقليم تنغير جنوب شرق البلاد، حيث تجلس أمينة وخديجة ومنى القرفصاء مقتربات من موقد تدفئة خلال دقائق استراحة تتخلل مادة اللغة العربية، فهنا تنخفض درجات الحرارة مقاربة الصفر ولو أن الساعة تشير إلى العاشرة صباحا.
توزع السلطات المعنية مئات الأطنان من حطب التدفئة على عشرات المؤسسات التعليمية المعنية بظروف موجات البرد خلال فصل الشتاء، لضمان سير عادي للدراسة خلال فصل الشتاء، ومعها ظروف تمدرس ملائمة ودافئة لفائدة المتعلمين. كما يتم التفاعل إيجابا مع تحذيرات النشرات الإنذارية للمديرية العامة وتوجيهات لجنة اليقظة.
منتصف كانون الثاني/يناير، أصدر العاهل المغربي، الملك محمد السادس، تعليماته لاتخاذ التدابير الاستعجالية عبر التعبئة الشاملة لجميع الوسائل اللوجستية والموارد البشرية، لتقديم الدعم والمساعدة للمواطنين لمواجهة موجة البرد التي يعرفها عدد من مناطق المملكة.
بناء على ذلك، أكدت وزارة الداخلية، أن رفع درجات الجاهزية للتدخل وفقا لما تقتضيه الظرفية، وذلك من خلال مجموعة من الإجراءات تشمل التتبع والتقييم المستمر للوضعية الميدانية وضمان التموين العادي للمناطق المعنية بالمواد الأساسية الضرورية وبمختلف وسائل التدفئة، وتعبئة الآليات الضرورية وتموقعها بالقرب من المسالك المهددة بالانقطاع من أجل فك العزلة، وتنظيم عمليات توزيع المساعدات الغذائية والأغطية وحطب التدفئة على الفئات المستهدفة داخل الأقاليم المعنية، وتأمين التدخل الفوري لإنقاذ السكان الموجودين في حالات حرجة واستعجالية، والعمل على ضمان استمرارية ربط المناطق المعنية بشبكات الربط الطرقي والهاتفي، والسهر على توفير وتوزيع العلف للمواشي بالمناطق المتضررة.
كما فعّل المغرب مركزا للقيادة واليقظة، ضمن المخطط الوطني الذي تم إعداده برسم الموسم الشتوي الحالي 2024-2025. وعلى الرغم من إيلاء عناية خاصة للساكنة القاطنة بالمناطق المتضررة من آثار الزلزال والفيضانات التي شهدها المغرب مؤخرا، وهو المخطط الذي يستهدف حوالي 873.000 نسمة منتظمة في إطار 169.134 أسرة، تقطن بـ 2.014 قرية، إلا أن المشهد بهذه المناطق المنكوبة لا يبدو بخير. إلى قرية تدّارت نواحي إقليم تارودانت، والتي كانت واحدة من مسارح «زلزال الحوز» الذي أودى بحياة الآلاف، حيث البرد القارس، وصلت درجات الحرارة إلى -2 مئوية، لتكون المُعاناة مُزدوجة، مع البيوت المهدمة والتي تم الاستعاضة عنها بخيام بلاستيكية لا تقِي البرد القارس والصقيع.
الحسن وهو واحد من سكان القرية الذي يقطن الخيمة رفقة زوجته وثلاثة من أطفاله، في انتظار أن يكتمل بناء بيته قبل الانتقال إليه، أكد لـ«القدس العربي» أنهم بعد عام ونصف عام عقب الزلزال لا يزالون يعانون شدة برد لا يرحم في جبال ترتفع عن سطح الأرض بآلاف الأمتار.
وتابع: «حتى المسالك الطرقية المتضررة من الزلزال في حال يرثى لها وتحتاج إلى إصلاح حفرها وإماطة حجرها. كما لم يتم بعد إصلاح حواجز السلامة المعدنية على جنبات طريق الجبل». تحسَّرَ الحسن على واقع الحال قبل أن يلتقط مُحمّاد خيط الكلام مؤكدا: «نحن 35 أسرة، قضينا 16 شهرا في الخلاء لا تستظل رؤوسنا إلا بأسقف بلاستيكية تصبح معها غرفنا باردة كالثلاجات، إذ لم تنطلق عملية بناء المنازل إلا قبل شهرين فقط، حيث تقوم السلطات والخبراء في مساعدة ومواكبة الأهالي على تشييد المنازل».
«من غير المعقول أن يقضي المواطنون فصل الشتاء الثاني بعد الزلزال، بقساوته في خيام، حيث نعاني البرد ويعاني الصغار من نزلات البرد والزكام وحروق على اليدين بسبب درجات الحرارة المنخفضة»، يقول المواطن المغربي، مؤكدا أن «4 بطانيات فوق بعضها لا تكفي شخصا واحدا ليشعر بالدفء ليلا». بالنسبة للسيدة فاطمة، وهي جدة تعيل أحفادها وتراعيهم، في وقت هاجر ابنها إلى مدينة مراكش للبحث عن قوت أطفاله، فإن افتقادها لمنزلها على بساطته ولمطبخها وموقدها كبير، وقالت لـ «القدس العربي»: «في بيوتنا التي هدمتها هزات الزلزال، كنا نتمكن من إيقاد النار وإشعال الخشب للتدفئة، أما اليوم فلا نستطيع ذلك، إذا قمنا بإشعال النار ستحترق الخيمة بمن فيها، ذلك أن البلاستيك المستعمل سريع الاشتعال، إذا اشتعلت النار في خيمتنا سيمتد فحتما إلى باقي الخيام والأسر».
مأساة البرد والحريق
في 20 كانون الثاني/يناير الجاري، وما بين قساوة البرد، والخوف من امتداد الحريق ليأكل الخيمة البلاستيكية ومن فيها، وقعت مأساة جعلت ليل قرية أسلدا في بلدة آسني بإقليم الحوز طويلا وحزينا، وعرّت واقعا وظروفا تفتقر لمقومات العيش. فقد تفحمت جثة شيخ ستيني إلى الموت، بعد أن أشعل نار تدفئة في خيمته ونام إلى الأبد.
الناشط المدني منتصر إتري يرى أن هذه الحادثة «شهادة مؤلمة على واقع يفرض على أهالينا العيش في ظروف تفتقر إلى أبسط معايير السلامة» وفق تعبيره، مؤكدا لـ «القدس العربي»، أنه منذ وقوع الزلزال، تضاعفت التحديات بين برد شديد يخترق الخيام، وحرائق مدمرة تهدد ما تبقى من أمل في إعادة بناء الحياة. ذلك أن الأهالي في الجبل لا يواجهون فقط آثار الزلزال، بل أيضًا تبعات الإهمال وغياب الحلول المستدامة.
«الائتلاف المدني من أجل الجبل» نعى الشيخ، واعتبر أن «ضحايا الزلزال يعيشون معاناة يومية وحزنا عميقا، فالزلزال ليس مجرد مأساة مرّت، بل ألم دائم يثقل كاهل الأسر التي وجدت نفسها في مواجهة مصير قاسٍ داخل خيام بلاستيكية تفتقر لأبسط مقومات الأمان والعيش الكريم».
من جهتها، قالت «الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب» إن «حادث مصرع ستيني حرقا داخل خيمة بلاستيكية، يؤكد أن الحكومة لا تفكر إلا في صون مصالح أعضائها وتكبيل الأصوات التي تعارضها» وفق بيان لها، وعبَّرت عن قلقها الشديد لما آلت إليه أوضاع ساكنة إقليم الحوز خاصة وباقي المناطق المتأثرة من آثار زلزال 8 أيلول/سبتمبر 2023، والتي لا تزال تعيش في العراء رغم «تخصيص ميزانيات خيالية لإعادة الإيواء».
وأضافت الجمعية الحقوقية أن واقع الحال يكشف استمرار مُعاناة عدد لا يُستهان به من السكان إلى حدود اليوم، والذين يرزحون تحت خيام بلاستيكية لا تحميهم حر الصيف أو قر البرد الذي يعرف ذروته هذه الأيام، وفي «ظروف حاطة بآدمية وكرامة المواطنين، وفي ظل انعدام المرافق الأساسية ومقومات الحياة الضرورية». على العكس من ذلك، في قرية أمسلان بإقليم الحوز، وصلت نسبة إعادة بناء الأهالي المتضررين من الزلزال إلى 80 في المئة، وفق ما أكده الجمعوي محمد واكريم لـ «القدس العربي»، لافتا إلى أن مسؤولي وزارة الداخلية بالمنطقة يقدمون المساعدات اللازمة لأهالي القرية كما قاموا بتزويد الأسر وخيامهم بمكيفات تدفئة توفر الدفء وتمنع البرد الشديد.
إلى ذلك، أجمع فاعلون مدنيون تواصلت معهم «القدس العربي» على أن الحكومة عبر وزارة التربية الوطنية (التعليم) قامت بمجهودات مهمة، عبر إعادة تأهيل وإصلاح المؤسسات التعليمية عقب تأثرها جُزئيا أو كليا من زلزال الحوز، حيث تم إصلاح التصدعات في الحجرات الدراسية أو تشييد أقسام مسبقة الصنع في انتظار استكمال أشغال بناء المؤسسات التعليمية عقب تسبب الزلزال في هدمها عن آخرها، إضافة إلى تزويد الأقسام بالتجهيزات والأدوات والكتب، واستقبلت كل المتعلمين والمتعلمات بجميع القرى التي باغتها الزلزال بداية الموسم الدراسي الحالي في ظروف جيدة وهو ما نفس ما سار إلى تأكيده آباء وأمهات التلاميذ.
مركز قيادة ويقظة
تخفيفا للعبء على ساكنة الجبال والقرى النائية والبعيدة، وتقديم كل أشكال الدعم والمساعدة اللازمين لمواجهة الأضرار المحتملة التي قد يتسبب فيها سوء الأحوال الجوية، تقرّر تعبئة آليات التدخل الخاصة بإزاحة الثلوج وإعادة تمركزها بالقرب من المناطق والنقط والمحاور الطرقية التي تعرف التساقط الكثيف للثلوج، وذلك بمجرد التوصل بالنشرات الإنذارية، حيث تمت تعبئة 25 آلية تابعة للمديرية الإقليمية للتجهيز والماء ومجموعة الجماعات الترابية «التعاون». كما تم إحصاء النساء الحوامل بالقرى المعرضة لموجة البرد قصد التكفل بدُور الأمومة بالحالات القريبة الولادة أثناء موجة البرد وتساقط الثلوج، وتهيئة أماكن استقبال الأشخاص بدون مأوى قصد إيوائهم خلال فترة موجة البرد الشديد، ويتعلق الأمر بمركز الإدماج لفائدة المتشردين والأشخاص دون مأوى قار. ولحد الأسبوع المنصرم، استفاد 3690 من ساكنة هذه القرى من الخدمات الصحية المقدمة من طرف القوافل الطبية والوحدات الطبية المتنقلة المبرمجة في إطار عملية «رعاية» لسنة 2024/2025، وهي عملية تطلقها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية كل سنة ابتداء من شهر تشرين الثاني/نوفمبر إلى حدود شهر اذار/ مارس، الرامية إلى توفير الرعاية اللازمة لساكنة المناطق المتضررة بفعل موجات البرد، وسعيا منها لضمان استمرارية الخدمات الصحية مع توزيع كمية مهمة من الأدوية بالمجان، وكذا توزيع وسائل التدفئة بالمؤسسات التعليمية، حيث ستستفيد 34 مؤسسة تعليمية من 169 ألف كيلوغرام من حطب التدفئة أي حوالي 2684 تلميذا مستفيدا، إضافة إلى استفادة الساكنة المحلية المجاورة للغابات من جمع الحطب اليابس.
كما تمت تعبئة فرق التدخل التابعة للقطاعات الحيوية من أجل إصلاح الأعطاب الناجمة عن سوء الأحوال الجوية ويتعلق الأمر بشبكات الكهرباء والماء الصالح للشرب والهاتف، واتخاذ الإجراءات الاحترازية للحفاظ على سلامة التلاميذ والأطر التعليمية وإن اقتضى الحال تعليق الدراسة أثناء فترة هطول الأمطار العاصفة والثلوج والسيول الجارفة، والحرص على ضمان التزود بالمواد الأساسية بجميع المناطق خلال فترة فصل الشتاء، لتفادي أي نقص أو انعدام لهذه المواد تحسبا لانقطاع الطرق أو المسالك.