تحرم إسرائيل سكان قطاع غزة من أدنى مقومات الحياة، فلم تكتف آلة الحرب بجرائم القتل والإبادة المتواصلة بحق المدنيين العزل، بل تفرض عليهم حصارا خانقا وتمنع إدخال الغذاء. ومن أبرز ما يواجه الغزيين في ظل الواقع الصعب وانتشار الأمراض نتيجة التكدس الهائل للنازحين في المخيمات المنتشرة في مناطق متفرقة من القطاع، عدم وفرة مواد التنظيف الخاصة بالنظافة الجسدية وغيرها، في خطوة تهدف إسرائيل من خلالها إلى تعميق أزمات المواطنين ونشر الأمراض بينهم مع شح المياه وارتفاع درجات الحرارة.
وبات حلم سكان القطاع الحصول على صابون لغسل اليدين وزجاجة شامبو لغسل الشعر والجسم، إضافة إلى مواد التنظيف الخاصة بالملابس. فعلى مدار أشهر الحرب المتواصلة يعاني السكان من شحة مواد التنظيف، بسبب إغلاق المعابر وإن فتحت لبعض الوقت ترفض إسرائيل إدخال المنظفات، وهذا ما زاد من خوف المواطنين من ظهور أمراض جلدية خطيرة مع تراجع الخدمات الصحية، بسبب الاستهداف الإسرائيلي المتعمد للمشافي والأطقم الطبية، ومنع إدخال الأدوية للقطاعات الصحية.
ومع شحة مواد التنظيف في الأسواق، يجتهد مواطنون ممن لديهم خبرة بالعمل على إنتاج مواد بديلة بامكانيات بسيطة وغير آمنة، لسد العجز الحاد في الأسواق، لكن هذا زاد من المعاناة بسبب احتواء المنظفات المصنوعة على مواد غير مخصصة للاستخدام الآدمي، إلى جانب الارتفاع الحاد في أسعار بيعها.
ووفق تصريح للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن إسرائيل تتعمد تأزيم الأوضاع الإنسانية في القطاع، وتقف وراء منع توريد مواد التنظيف الشخصية وإدخال الكثير من الأصناف المهمة بدعوى احتوائها على مواد كيميائية تدخل في الصناعات العسكرية، الأمر الذي أدى لتفشي الأمراض الجلدية الخطيرة، وطالب البيان أحرار العالم والمؤسسات الحقوقية الدولية، بالضغط على الاحتلال الإسرائيلي لوقف حرب الإبادة المستمرة وتخفيف الحصار المفروض على السكان.
تفشي الأمراض الجلدية
تقول رغدة أبو السعيد إنها تعرضت لحساسية شديدة في يديها، بعد أن أجبرت على استخدام سائل محلي الصنع لتنظيف أواني الطعام، ووصل الحال بها إلى استخدام هذا المسحوق في غسل الملابس وتنظيف أطفالها، لعدم توفر المواد الخاصة بالاستحمام.
وأوضحت لـ«القدس العربي» أن استخدامها لتلك المواد أدى إلى حدوث مشاكل جلدية لها ولأبنائها، لحاجتها الماسة لتنظيف أطفالها يومياً بسبب ارتفاع درجات الحرارة، والأمر يزداد صعوبة مع شح الأدوية داخل النقاط الطبية، وهذا ما يؤخر من شفائها ويزيد حالتها الصحية سوءًا، مشيرةً إلى أن هناك تجارا لديهم مواد تنظيف مستوردة وصحية.
ويقول تاجر المنظفات طارق صبح «بعد الشح الكبير في مواد التنظيف داخل الأسواق، لجأت إلى العمل في مهنة صناعة مواد التنظيف منذ قرابة الشهرين وذلك باستخدام مواد خام آمنة، لكن تكلفة بيع المواد مرتفع بسبب ارتفاع أسعار المواد الخام بشكل غير مسبوق» حيث يشير إلى أن سعر بيع زجاجة سائل غسيل الشعر والجسم في الأوقات الطبيعية يصل إلى 15 شيكلا، أما حالياً فوصل إلى 60 شيكلا والإقبال ضعيف على الشراء لعدم توفر سيولة نقدية لدى المواطنين. وبين لـ«القدس العربي» أن هناك الكثير من التجار يصنعون مواد تنظيف من خلال إضافة مواد كيميائية خطيرة غير مخصصة لصناعتها، وهذه المواد تشكل خطرا كبيرا على حياة المواطنين الذين يتلهفون على شرائها لانخفاض أسعارها بشكل كبير مقارنة بالمواد الصحية، ويزيد الخطر أيضاً مع دمج هذه المواد مع مياه البحر المالحة وغير النظيفة، التي باتت خيار النازحين الوحيد في ظل شح المياه.
وأشار إلى أن واقع النساء في غزة خطير جداً ومؤلم، خاصة في ظل نفاد كافة الأدوات الصحية الخاصة بهن من فوط صحية ومواد تنظيف.
ووفق أطباء يعملون في نقاط طبية بين خيام النازحين في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، فإن هناك تزايدا كبيرا في حالات الإصابة بالأمراض الجلدية، وبالتحديد الأكزيما التي تظهر بشكل ملحوظ على أيدي النساء ممن يعملن على تنظيف أواني الطعام بمواد بدائية غير آمنة، إلى جانب انتشار القمل والسيبان في رؤوس الأطفال، الأمر الذي دفع الأهالي إلى حلق رؤوس أبنائهم لانعدام مواد التنظيف، والخشية من ظهور التهابات خطيرة داخل فروة الرأس.
وفي حديثه لـ«القدس العربي» يقول الطبيب وسام فراس الذي يعمل في نقطة طبية تابعة للأونروا وسط القطاع، إن إجراءات الاحتلال العقابية زادت من معاناة النازحين الذين يتكدسون بمئات الآلاف داخل المعسكرات وسط انعدام أدنى سبل النظافة مع غياب مواد التنظيف، وتوجه الناس لاستخدام مواد مصنعة خطيرة تضر بالصحة، لاسيما النساء الأكثر استخداماً لتلك المواد.
وأوضح أن الأمر يزداد صعوبة مع غياب الكثير من أصناف الأدوية الخاصة ببعض الأمراض التي ظهرت خلال الحرب، وهذا بسبب استمرار إغلاق المعابر الحدودية مع قطاع غزة، واستنزاف المواطنين للكميات المتوفرة لدى النقاط الطبية نتيجة الإصابات المتزايدة، داعياً الناس إلى توخي الحذر من استخدام هذه المواد غير الصالحة للاستخدام الآدمي.
ويواصل الاحتلال سياساته العقابية بحق المدنيين العزل في قطاع غزة، ويزيد من معاناتهم ويحرمهم من الحصول على أدنى مقومات الحياة، وسط تجاهل لكل القرارات الدولية المنددة بجرائم الإبادة، ورفض الانصياع لتلك القرارات التي تطالب بضرورة وقف الحرب على قطاع غزة وإدخال كافة المساعدات الإنسانية.