أصدر «المجلس الإسلامي السوري» (المعارض) بياناً تحت عنوان «بيان بشأن المسلسلات الرمضانية» يحضّ فيه على ملء الشهر الكريم بالعمل الصالح، كما يحذّر من متابعة مسلسلات رمضان، فـ «ذلك قد يوقع في أحابيل المكر ومصائد التضليل التي ينصبها النظام».
عنوان البيان لا يحدّد أي نوع من المسلسلات، إلى أن يأتي في فقراته على القول: «يستعمل النظام المجرم هذه القوة الناعمة لنشر الفاحشة وتزيينها»، لكن أسباب المجلس في فضح تلك القوة تتلخص بـ «مشاهد مثيرة خادشة للحياء، بما يشجع التمرّد على قيم المجتمع والخروج عن العلاقة الفطريّة المشروعة بين الجنسين، ويهدم ثوابت مجتمعنا السوري..» ، و «إبراز شخصيّات تافهةٍ على أنّها قدواتٍ مجتمعيّة»، عندما «تصوّر السكّير رمزاً للمعرفة والحكمة وحبّ الخير للناس، وتظهِر آخرَ غارقًا في المجون وتبذير المال على المتع الرخيصة؛ بما يحرف تطلعات الشباب..»، إلى «تشويه التاريخ القديم والحديث وتزييف شخصيات، وصولاً إلى (ويا للهول!) «تشويه صورة المتدينين خاصة العلماء، بإظهارهم بسطاء سذّجاً بعيدين عن العصر، أو وسمهم بالإرهاب وإلصاق تهمة العمالة بهم» .
الخطير في بيان “المجلس الإسلامي السوري” أن أسبابه يمكن العثور عليها، في دراما معارضة للنظام، ما يعني أن البيان يطال أيضاً، بحجة مُنَاوَأة النظام، أي احتمال إبداعي.
الأسباب التي يأتي على ذكرها البيان واهية للغاية، ليس اكتشافاً القول إن العمل الإبداعي، لا تقرّر فحواه بضعة مشاهد فاضحة أو شخصيات متهتكة. قد يحدث أن يكون السكّير مجرد ضحية، ثم من قال إن كل سكّير مليء بالشرّ! والأهم؛ أن الفيلم أو المسلسل هو مجموعة من العلاقات والبنى المتشابكة التي تؤدي كلها معاً إلى معنى، لا يمكنك أن تأخذ فحوى المسلسل من حوار مقتطع أو مشهد أو ثياب ممثلة، ومستبعد أن يكون «المجلس» قد استعان بخبراء ومختصين ليقرّروا وجهة العمل التلفزيوني. أساساً أي ترف وخلوّ بال نحن عليه إذا حدث ذلك بالفعل.
الخطير في البيان أن تلك الأسباب يمكن العثور عليها، ولو على سبيل الاحتمال، في دراما معارضة للنظام، ما يعني أن البيان يطال أيضاً، بحجة مُنَاوَأة النظام، أي احتمال إبداعي.
ليس في هذه الدراما ما يستحق أن يُدَافَع عنه، فمعظمها فعلاً في الحضيض. ما يستحق هو الدفاع عن حرية القول والتناول.
أراد «المجلس الإسلامي السوري» ، كما جاء على لسان ناطق باسمه، أن يسجّل موقفاً للتاريخ، حتى لو لم يأخذ بكلامه أحد.
الأولى أن تقولوا للناس «أنتم أدرى بشؤون دنياكم» .
في شبه مونولوج طويل (حوالى أربع دقائق من حلقة لا تتجاوز الـ 30 دقيقة) يتحدث الأمير الداعشيّ الأعلى رتبة في مسلسل «بطلوع الروح» ، الشيخ نصّار، بما يشبه الاعتراف؛ يتساءل إن كان ممكناً لتنظيمه الظهور لولا الغزو الأمريكي للعراق، ودعم إيران للميليشيات الشيعية في غير بلد عربي، صعود «الإخوان» في مصر وليبيا وتونس والمغرب. يعترف الشيخ أن تنظيمه كان انتهازياً، واستفاد من كل ذلك. ويضيف: «كل طرف استخدمنا لتهويش الطرف الثاني. يعني لما ندخل الموصل ونلاقي سلاح الجيش العراقي متروكاً لنا عشان نرفعه بوجه الشيعة، والأتراك يشتروا منّا البترول عشان يوفروا لنا الدعم ويسهلوا لنا طريق التهريب، عشان نضرب الأكراد نيابة عنهم، حتى لما نعمل شغل في سيناء ونلاقي السلاح جايينا من اليمين والشمال زي الرز، عشان مصر تبقى منهكة ولا تقوم لها قائمة. حتى في أوروبا نلاقي من جوّاها اللي يفتح لنا البيبان المقفولة عشان نعمل غزوات في فرنسا وبلجيكا وغيرها. طول الوقت تلاقي ناس حابّة وجود «الدولة الإسلامية» ، آخر ناس ممكن تتوقعهم، تمد لهم إيدك وأنت مضطر، بس أوعى تغمض عينك عليهم».
الشيخ الداعشي نصار ليس ماكبث، ولا هاملت، ولا حتى أوديب، أي لا يمكن الحديث عن شخصية تراجيدية تحوّلت بفعل ظروف وأحداث.
يقول الشيخ خطبته تلك، ثم يدخل إلى مكتبه، يفتح حقيبة كانت مفخخة، تنفجر وتودي بالمكان برمته.
المونولوج، إن جاز اعتباره كذلك، ضعيف وغير مبرر، فلم يبدُ من الشيخ أي علامة لتردد أو اهتزاز يوحي بتحوّل أو اعتراف من هذا النوع، الشيخ الداعشي نصار ليس ماكبث، ولا هاملت، ولا حتى أوديب، أي لا يمكن الحديث عن شخصية تراجيدية تحوّلت بفعل ظروف وأحداث.
الأهم أن الكلام سياسي محض، نوع من محاكمة وإدانة للتنظيم، لكنه منطق الخصوم. يبدو الكلام مقحماً رغم أنف المسلسل، مع أن الوقائع والتفاصيل الأخرى كفيلة لِتَحْمِل المُشاهِد إلى أسوأ المشاعر تجاه هؤلاء.
يبدو أن رعاة المسلسل أرادوا أن يحشروا الفكرة في رؤوس الناس بالإجبار.
هذا توجيه سياسي لا دراما.
كتبت الممثلة السورية الموالية لنظام بشار الأسد، سلاف فواخرجي، على صفحتها في فيسبوك: «24 نيسان ذكرى الإبادة الأرمنية. ومجازر الدولة العثمانية للأرمن والسريان والآشوريين والكلدان واليونانيين والعلويين واليزيديين والأكراد والشّركس».
جميل هذا الاهتمام بالشأن العام، اهتمامها الموزع في كافة أقطاب الأرض.
لكن انتبهي أيتها النجمة، هل سقطتْ منك، وأنت تتذكرين وتحملين أرشيف المجازر، هل سقطتْ منك مجزرة ما؟!
تضيق الأوصاف التي يمكن أن يطلقها المرء على تحولات مصر في ظل نظام السيسي، هو نفسه (السيسي) قد يلخص الحكاية كلها، عندما يرث شخص مثله نضالات المصريين وعذاباتهم.
نقع أمس على خبر عن برنامج جديد للمذيع والمراسل (سابقاً) طارق عبدالجابر. هذا الاسم يعرفه المصريون من قبل لسنوات طويلة على قناة رسمية، وقد التصقت به عبارة «كان معكم طارق عبد الجابر من الأرض المحتلة» . وفي شهر رمضان فوجئوا به يقدم برنامجاً للطبخ يحمل اسم «الشيف طارق» على إحدى قنواتهم.
في حلقته الأولى يحكي عبدالجابر كيف ولدت فكرة البرنامج الجديد، لا يخجل من القول إنه كان يعدّ لبرنامج باسم «المراسل» ، وعلى ما يبدو كان سيتناول تجربته المديدة كمراسل من الأرض المحتلة.
تضيق الأوصاف التي يمكن أن يطلقها المرء على تحولات مصر في ظل نظام السيسي، هو نفسه قد يلخّص الحكاية كلها، عندما يرث شخص مثله نضالات المصريين وعذاباتهم.
أثناء التحضير اقترحت عليه الإدارة شيئاً عن الطهي، قالوا له «بلا مراسل بلا كلام فاضي» ، والكلام بحسبه! استغرب الرجل أول الأمر، لكنهم أصرّوا: لنجرّب. وها هو مستمر في تقديم برنامج الطبخ منذ بداية الشهر.
عبدالجابر كان قد انتقد ما سماه «انقلاب» السيسي بشكل لاذع عندما كان خارج البلاد، لكنه لاحقاً طلب العودة إلى مصر، ولا ندري بالضبط ما كان الثمن. على الأقل يمكن العثور على مقابلة له مع وائل الأبراشي يعلن فيها أنه لم يكن مقتنعاً بما قال بخصوص الانقلاب وحكم العسكر. أداء الأبراشي كان مذلاً للغاية حينها، لا يخفى أن المقابلة والاعتراف والإقرار بالذنب مخابراتي محض.
المراسل، صوت الأرض المحتلة، ومنتقد نظام السيسي في برنامج طبخ هزيل اليوم. لا ندري إلى أين سيصل نظام السيسي به، وبالمصريين.
٭ كاتب فلسطيني سوري