ليس التحيز كلا واحدا، ولا مفهوما أحاديا، وإنما ينطوي على تعدديات، تتجه إلى المفاهيم المتصلة به، كما تتعلق بكينونة التحيز ذاته، كونه غير مقتصر على فرد، وإنما يشمل الفرد العامي البسيط، والمتعلم، والمثقف، وأيضا الجماعة المحلية والمجتمع الأكبر، والدولة وسلطاتها وكل من يرتبط ويدور في فلكها، وبذلك، لا يمكن فهم التحيز بوصفه مفهوما ثابتا، وإنما هو مفاهيم عديدة، تتجلى في نصوص وتصورات وتمثيلات، ينتجها الفرد والجماعة، السلطة والدولة، وتتجلى في قنوات إعلامية، وأوعية ثقافية وفنية، ونصوص مرئية وشفاهية.
لذا، ستنطلق مناقشتنا لمفهوم التحيز من نقطة مفادها «التعددية»، التي يشتمل عليها التحيز في بنيته، لذا من الممكن أن نطلق عليها مصطلح «التحيزات المتعددة»، فالتحيز ليس مجرد مفهوم ولا طرح ولا حكم يعبر عن قناعات بعينها، وإنما يشمل مفاهيم تتنوع بتعدد القناعات والتصورات المترسخة. وهو أيضا يحتوي على بنى متضادة تصاحبه، فإذا وُجِد تحيزٌ لأمر ما، فإن هناك تحيز/ تحيزات مضادة تصاحبه، فوجوده ليس أحاديا في رؤاه كما يبدو للبعض، أو كما يسوّقه البعض عندما يقدم رؤية أحادية، على أنها حقيقة مطلقة، فهذا ما لا يستقيم مع التفكير العقلاني، خاصة في العلوم الإنسانية والمناحي الثقافية والاجتماعية، التي تخضع جلّها إلى انحيازات ونظريات كثيرة في اختلافاتها، ومتعددة في منطلقاتها.
إن التحيز ـ في مفهومه – يعني وجود منظومة معرفية (واعية وغير واعية) لدى الإنسان، يتلقى من خلالها كما هائلا من الإشارات، فعالم الإنسان مدنس دائما بالخبرة، فليس لديه البراءة الأولى، التي تجعله صافي النفس والعقل والقلب وهو يتعرف على الجديد عليه أو القديم، بدون مرتكزات معرفية سابقة، بل يقوم باستقبالها وفق تلك القناعات المستقرة في أعماقه. وأيا كانت الإشارات الواردة إليه فإنه يتلقاها حسب تحيزاته، وينطبق الأمر نفسه على اختياراته منها وردود فعله إزاءها.
فالتحيز ـ في جوهره – نمط من التفكير المترفع الذي ينغلق على الذات، ويحصر نفسه في منهج معين، ينحبس فيه ولا يقارب الأشياء إلا عبر رؤيته ومقولاته، ويوظف كل المعطيات من أجل تأكيد صحة تلك المقولات.
ونعني بالتحيز هنا: التحيز المرتبط بالنزعة المتسلطة التي تنتصر لقناعة القوي بغض النظر عن عدالتها وارتباطها بالقيم الإنسانية السامية. لذا، يمكن نعت هذا التحيز بأنه التحيز الإمبريالي/الاستعلائي، الذي ينطوي على بعدين في طياته: الأول نرجسي يجعل الفكر منحبسا عند تصورات معينة، مستقاة من روافد مركزيته وتكوينه الثقافي الخاص، ويستغل أدوات قوته في فرضها. والثاني: إقصائي ويتمثل بعدم قبوله لتصورات أخرى، يمكن أن تهدم تحيزاته، ما يعني مزيدا من استعلاء الذات، يضاده مزيد من التحقير/ التهوين/ النفي للآخر.
وهذا يصدق على الإنسان الفرد أيا كانت ثقافته، فالأمر يرتبط بما وقرَ في قلبه. والأمر نفسه ينصرف إلى الجماعة أو المجتمع، بمعنى أن الجماعة ـ صغرت كانت أو كبرت ـ لها تحيزاتها المسبقة التي تبني عليها مواقفها واستقبالاتها، بناء على التحيزات المعرفية والشعورية المستقرة في وجدانها الجمعي. وهو ما يفسر لنا حالة التوحد بين غالبية/ كل أبناء الجماعة / المجتمع عندما يتعرضون لقضية جديدة، فيتشكل منهم موقف عام، مبني على تحيزاتهم المشتركة، حتى إن شذّت آراء هنا أو هناك، ضد السياق العام، فهذا لا ينفي وجود قواسم مشتركة من القناعات المتحيزة. لذا، فإن صنّاع السياسات إذا خططوا لأمر ما، فإنهم يطلقون حملات تمهيدية، تبنى على ما لدى الناس من تحيزات، ومن ثم تهيئهم إلى تقبل القضية الجديدة، عبر تمهيد الأرض الفكرية والنفسية.
تصبح المحصلة في النهاية سيادة التنميط محل الموضوعية، والاحتفاء بقيم غيرية ومعايير أحادية الجانب، من أجل ترسيخ منطق القوي، وينصرف الأمر إلى نشر عاداته وقيمه وأنساقه الفكرية، بل ونشر نظام معيشته على الثقافات المغلوبة.
وعندما نفكك مفهوم التحيز في تطبيقاته المعرفية؛ نفاجأ بحجم النسبية الكبيرة في طياته، بمعنى أن هناك جوانب من المشكلة يضخمها على حساب إضمار أو تصغير جوانب أخرى، وتلك قضية مهمة، تدفعنا لفهم أعمق لمعالجة كثير من الإشكاليات في عالمنا، التي تقدم للإنسانية على أنها قناعات لا خلاف عليها. ويبدو هذا واضحا في النماذج المعرفية والمنهجيات العلمية التي تنتجها الحضارة، حيث توجد معايير داخلية من المعتقدات والفروض والمسلمات والإجابات عن أسئلة كلية ونهائية تشكل الجذور الكامنة، وتقف خلف عمليات الإبقاء والاستبعاد والتركيب والتضخيم، أي أنها تصوغ النماذج والتمثيلات والمتخيلات والقناعات. ويتطور الأمر أكثر، عندما تتحول المعالجة إلى مثاقفة مخططة ومضبوطة، عند التصدي لمشكلات أو قضايا بعينها، أو تسعى إلى تبني مشروع ما. تلك المثاقفة المخططة ناتجة عن حركة منظمة تسعى للاستفادة والهيمنة، أي أنها مثاقفة قهرية، تختلف عن المثاقفة التبادلية الطوعية المؤسسة على مفهوم التأثير والتأثر والتعاون، وبدون إدخال مفاهيم احتكارية أو تسلّط رؤية مركزية بما تحويه من إمبريالية، تعتمد نظرة شمولية تقصي الاحتمالات الأخرى. وتتضافر معها أجهزة إعلامية تحركها أنظمة حكم وسلطات ورؤوس أموال لتفرض رؤيتها كأنها مسلَّمة.
والمثال الأبرز على ذلك هو «الإرهاب» الذي تعرّفه المخابرات المركزية الأمريكية بأنه: التهديد باستعمال العنف أو استعماله لتحقيق أهداف سياسية من قبل أفراد أو جماعات، سواء كانوا يعملون لمصلحة سلطة حكومية رسمية أو ضدها.. مستهدفة الانقلاب على أنظمة حكم معينة أو معالجة ظلامات وطنية أو فئوية أو إضعاف النظام الدولي.. إنه مفهوم توصيفي بمعنى أنه يصف مظاهر الإرهاب وآثاره المدمرة ومآلاته وشخصياته، أي يتعامل معه بوصفه شرا مطلقا، وأن الإرهابيين أشخاص عاشقون للتدمير، على الرغم من إشارة التعريف إلى ظلامات تتسبب فيه، ولكنه لم يسع لعلاج مسبباته، وإنما ترك المفهوم فضفاضا مطاطيا، يمكن استخدامه في نعت من يخالف النظام الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة.
وتتعمق المشكلة أكثر، عندما ننظر في المآلات الفعلية لمفهوم الإرهاب، حيث يكاد ينحصر في العرب والإسلام عامة، والجماعات الأصولية خاصة، بجانب نعت كل من يهاجم الكيان الصهيوني بعمليات المقاومة بأنه إرهابي؛ عبر قنوات إعلامية، تتخذ من الرؤية العنصرية الأحادية سبلا لها، في خطاب إعلامي انتقائي يستهدف التأثير على الرأي العام الغربي أولا، والرأي العام العالمي ثانيا، ويتغافل عن إرهاب تمارسه دول كبرى أو صغرى (كما رأينا في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو جنوب لبنان أو في مأساة البوسنة والهرسك أو قضية كشمير)، لمجرد أنها تدور في الفلك الأمريكي، ما يجعلنا نتوصل إلى النتيجة التالية في تعريف الإرهابي في منظور التحيزات الغربية بأنه: هو عدونا الذي يقوم بعمليات إرهابية، أما صديقنا الإرهابي فليس إرهابيا ما دام إرهابه يمارس ضد خصومنا.
وتصبح المحصلة في النهاية سيادة التنميط محل الموضوعية، والاحتفاء بقيم غيرية ومعايير أحادية الجانب، من أجل ترسيخ منطق القوي، وينصرف الأمر إلى نشر عاداته وقيمه وأنساقه الفكرية، بل ونشر نظام معيشته على الثقافات المغلوبة. وتكون الإشكالية الأكبر، عندما يرتبط التحيز بسلوك المثقفين والمفكرين وقادة التأثير والرأي في المجتمع، فهؤلاء يمارسون التحيز في صوره النخبوية، ويتوحدون مع توجهات المجتمع – وإن كانت ظالمة متعدية – والأدهى أنهم يشكلون سلطة أخرى، تتسلح بسلطات الدولة ونفوذ أجهزتها، فيما يمكن أن نسميه بـ»سلطة الثقافة المتحيزة»، التي هي سلطة موازية، ولعلها السلطة الأكثر تأثيرا، لأنها تحتمي بسلطة الدولة الفعلية، مروّجة لخطابها الإعلامي والفكري، وترهب خصومها بتوحّدها مع سلطة الدولة، بكل مؤسساتها ودعمها المادي والمعنوي والإعلامي. فسلطة الثقافة المتحيزة ما هي إلا تجمع عدد من المثقفين واختيارهم التحيز لصالح الدولة، وتبنيهم لخطاب الدولة الفكري والثقافي، سواء الموجه للشعب في الداخل، أو الموجه للخارج، ومن ثم شرعنته وإضفاء الطابع العلمي عليه. وهذا يقودنا إلى رصد ظاهرة علاقة المثقفين بالدولة وأجهزتها، لنكتشف أن: مفهوم السلطة قد اتسع، وتداخلت ملامحه، ومع هذا التداخل غابت ملامح الممنوع والمباح والمحلل والمحرّم وأصبحت الملامح خاضعة للمزاج الخاص برجال السلطة وحرصهم على ترسيخها بكل الوسائل المتاحة.. وتسعى السلطة لتأكيد شرعيتها ببعض المستندات الاجتماعية والعرفية ذات الحدود الواضحة، وصولا إلى أهم هذه المستندات وهي المستندات الثقافية، لتصبح الثقافة سلطة أيضا.
فعندما تتحول الثقافة إلى سلطة، فإنها تصبح مغايرة لمؤسسات سلطة الدولة، لأنها تمتلك أفقا واسعا من الهيمنة الفريدة التي لا تحتاج إلى مستندات رسمية وشرعية مثل مؤسسات السلطة، إذ هي ترى نفسها فوق القوانين والتشريعات، وأن سلطتها مبسوطة على الجميع على اختلاف فئاتهم وطبقاتهم، فسلطـــــة الثقافة مسلحة في الخفاء بسلطة الدولة ودعمها وهو ما يتجلى في حجمة المساحة الهائلة التي يتمتع بها مثقفو السلطة من حضور في الإعلام والتعليم والجامعات؛ مما يمكّن لخطابهم الوجود والتأثير والشرعية، فيؤثر في الجماهير بحقائق القوة والحضور، وقد يشكل تحيزات جديدة للمجتمع.
٭ اكاديمي من مصر