سلمان رشدي: محاولة قتل فاشلة بفتوى لا يمكن إبطالها

حجم الخط
2

تكبره الفتوى بتسع سنوات، ويكبره الروائي بستة عقود، طاعن سلمان رشدي اللبناني الذي يعيش في نيوجرسي، احتاج لعشرين ثانية لينفذ التكليف الإلهي بالقتل. الفتوى التي أصدرها أعلى مرجع شيعي في العالم يوم عيد الحب عام 1989، بحق كاتب «آيات شيطانية» يمكن قراءتها كتتويج لانحرافات الثورة الإيرانية، والبدء في تصدير صورة جديدة لإيران الإسلامية في العالم. وأيضا محقٌ لحد كبير من يقول: إنها كانت نوعا من المزاودة على المرجعيات السنية واتهامها بالتراخي في الدفاع عن العقيدة، وإظهار عالمية الجناح الشيعي من الإسلام. اليوم علينا إعادة قراءتها ضمن أحداث تلك السنتين سنة صدور الرواية عام 1988 والسنة التالية.
فبعد روايتين مدهشتين أسستا للواقعية السحرية بوصفها قيمة روائية مطورة وغير محصورة في أدب أمريكيا اللاتينية، «العار» و»أولاد منتصف الليل» جاءت «آيات شيطانية» لتكريس أسلوبية جديدة دخلت عالم الرواية من بابه الواسع. استخدم فيها رشدي المخيال التاريخي مع المبالغات السحرية لإعادة إنتاج المعرفة روائيا. ربما كان الترميز فيها أقل تقية أدبية، فأحالت لدى بعض القراءات المبسترة إلى إعادة تأويل الرواية المكونة من 547 صفحة، واختصارها كرواية تستبيح المقدس الإسلامي.

لاقت الرواية ترحيبا نقديا بوصفها رواية تمثل حال المهاجرين إلى بريطانيا وعزلة الغربة التي يعيشونها، واعتبرت إنها تنضيج مهم فني وتقني لمشروع سلمان رشدي الروائي، بينما وجد فيها البعض فرصة للمزاودة على حماية الإسلام، فكانت ردود الأفعال الأولى هي من الداخل البريطاني، فتظاهر الناس تحت قبة الغضب للذود عن الرموز الدينية. بالطبع كانت فتوى المرشد الأعلى في الجمهورية الإسلامية، حاضرة لتعطي إيران التي خاضت حربا مع الإسلام السني في العراق، فرصة للظهور بمظهر المدافع عن شخصية الرسول الكريم، فتلقفتها الجموع الغاضبة في بريطانيا في اليوم نفسه واقتحمت المكتبات التي تبيعها وتحرق الرواية وسط احتفالات هستيرية أججت قضايا الساعة في ذلك الوقت. كان قرار الفتوى سياسيا بامتياز، وجزء من مجموعة أحداث مهمة في ذلك الوقت أهمها، فضيحة إيران كونترا الشهيرة، ليكتشف الشعب الإيراني أن قادته على تنسيق مباشر مع الشياطين الذين يحرقون أعلامهم في شوارع طهران. وانتهت معركة الفاو وإعلان صدام حسين بدء محادثات السلام مع إيران، ما يعني وقف الحقن الشعبي وإرسال الجنود حاملين مفاتيح الجنة المباركة إلى المعارك العبثية مع العراق.
ومن المهم لفهم آلية عمل المؤسسة الفقهية ـ السياسية في إيران قراءة رسالة روح الله الخميني قبل فتوى سلمان رشدي بشهر إلى غورباتشوف، يدعوه فيها إلى التخلي عن الشيوعية، التي بدأ يتخلى عنها بالفعل والالتحاق بالإسلام (الحق). الرسالة التي تعتبر لدى طلاب الإمام الأكبر وولي الزمان، واحدة من القدرات الاستبصارية الفريدة على معرفة الغيب والتكهن بانهيار الشيوعية، لكنها امتداد طبيعي لواقع سحق الحزب الشيوعي الإيراني، الخطر الوحيد على تفرد الخميني بالسلطة بعد الثورة. ولاحقا لاغتيال المفكرين الماركسيين حسين مروة ومهدي عامل في بيروت عام 1987، واعتقال وإخفاء وإعدامات جماعية للمعارضين السياسيين، خاصة عام 1988 التي فتحت قضيتها مؤخرا في السويد، والتقارير الموثقة تتحدث عن الآلاف من الإعدامات بحق المعارضين، خاصة اليساريين منهم.
في سجن كوهردشت في كرج وسجن إيفين في طهران، وليس آخرها إعدام الشاعر الأحوازي هاشم شعباني بتهمة الإفساد في الأرض.

وها نحن اليوم بعد 33 عاما من هذا الفرمان السياسي المغلف بالتكليف المقدس، يعود ليساهم في تقسيم المقسم، وإعادة الحسبة المخيفة، نحن والآخر وشحن الكراهية على كل الأصعدة وخفوت العقل الذي بات يخسر معاركه أمام شهوات الغضب.

اللافت للنظر إنه في حمى المزاودات وشحذ الفتاوى على رقبة كاتب لا يملك إلا خياله وآلته الكتابة، لم تقم مؤسسة إسلامية أو مرجعية أخرى، غير إيرانية، ذات ثقل بتبني قرار الإعدام. كانت اجتهادات للمتطرفين محسوبين على الأزهر، أو دور الإفتاء الإسلامية السنية من شخصيات خارجة عن السرب والقانون وأمراء جماعات تكفيرية يحاربها الجميع. بالطبع لا يمكن التقليل ولا التبرير كل هذا الاستقواء التكفيري على حرية التعبير، لكن يجب قراءة المسألة بتعقل، فطعن نجيب محفوظ، وقتل فرج فودة، وتطليق نصر حامد أبو زيد واغتيال الكتاب في الجزائر.. كلها اجتهادات لمتطرفين خارجين عن شرعية مؤسساتهم، يقومون بها كجزء من الدوغمائية العمياء للتحريض والمزاودة والتنافس الذي أرست المؤسسة الفقهية في إيران وجودها بعد تمكنها من القبض على زمام الحكم والبدء بتصدير المشروع السياسي المغلف بالحميمية الغيبية. ستكون لحظة حرق كتب رشدي في بريطانيا لحظة حاسمة في حياة جيل كامل من أصول إسلامية في بريطانيا، سيكون من المفيد إعادة قراءة تجربة إلياس كرماني، الطالب الباكستاني الأصل البريطاني المولد، في ذلك اليوم الذي أحرقت فيه كتب رشدي انضم فيه لأصدقاء طفولته في الجامعة، ليكتشف أن أصدقاءه البيض البريطانيين، باتوا يرون فيه متطرفا محتملا، وهو الذي عاش معهم وارتاد نواديهم وتكلم بلهجتهم وتمثل قيمهم وعشق موسيقاهم، وآمن بنظامهم ظنا منه أنه أيضا بريطاني لكن كان يكفي لون بشرته، وأصوله أن تجعله في دائرة اتهامهم. منذ تلك اللحظة الفارقة، كان عليه أن يعود إلى هويته ويسأل نفسه الأسئلة الأهم. فأعلن أن «سلمان رشدي هو الذي دفع الجيل الذي أنتمي إليه للتطرف» ليوضح أن فتوى في جوهرها مرسلة سياسية تم استغلالها داخليا لتكريس انقسام الهوية، دمغ مواطنين بريطانيين بتهمة الإرهاب والتكفير والتخلف، حتى لو أثبتوا العكس. فتوى لا يمكن إزالتها إلا باجتثاث نظام كامل، سرق ثورة الشعب الإيراني واستغلها بعض صناع القرار الإنكليز، ودفع ثمنها جيل كامل من أولاد المهاجرين العرب والمسلمين في بريطانيا فذهبوا إلى أقاصي التطرف.

وها نحن اليوم بعد 33 عاما من هذا الفرمان السياسي المغلف بالتكليف المقدس، يعود ليساهم في تقسيم المقسم، وإعادة الحسبة المخيفة، نحن والآخر وشحن الكراهية على كل الأصعدة وخفوت العقل الذي بات يخسر معاركه أمام شهوات الغضب. روائي بحجم سلمان رشدي، تحرق كتبه وصوره وتطعن كهولته من قبل شاب مغيّب، أراد أن يعطي معنى لحياته التافهة فلم يجد سوى فتوى سامة أصدرها سياسي بعمامة ومات بعدها بعدة أشهر. ليشعل من جديد التهابات مستعصية في جسد الإنسانية، إنتانات لن ينفع معها فصد الدم. في النهاية من الجدير ذكره، قراء «آيات شيطانية» المترجمة إلى العربية الرديئة بنسخ أقل من 270 صفحة، لديهم أحكام مضحكة عن فنية الرواية ورداءتها، وسائل التواصل الاجتماعي مثلا على قضايا كهذه يصح عليها قول أومبرتو إيكو بهجوم الرعاع» خاصة المشجعين على القتل، والحامدين للمجرم فعلته. النظام الإيراني في حرج تاريخي من الفتوى، صرح سابقا أنه لا يستطيع سحبها، فهي مطلقة، منزلّة بتكليف إلهي، إنما الحكومة الإيرانية لن تسعى أبدا لتطبيقها على الكاتب، عذر أقبح من ذنب ويكفي اليوم مراجعة الصحف الإيرانية، لنرى كمية الهذر المتوحش في تغطية هذه الجريمة.

الإعلام اليساري الهجين، في لحظة خرس تاريخية، لو كانت الفتوى ذات مرجعية دينية مختلفة، لربما رأينا صور سلمان رشدي على صدور مواقعهم وصحفهم مثل صور ناهض حتر، لكن الحرج يمنع من القول إن أسس التطرف واحد وفي جوهره هو السياسي وليس حكرا على مذهب أو ملة. أما بعض متعاطي الأدب، ممن لا يتركون مناسبة دون وضع أصبعهم فيها، سيقولون رواية سخيفة، تافهة أو رائعة فنيا، مع سيل من الأحكام العمومية القطعية المدهشة التي تؤكد حقيقة جرأة الجهل حقا. الرواية لا يمكن تقييمها إلا لمن يستطيع قراءتها كاملة بالإنكليزية أو للغات ترجمت لها أصولا. النسخة العربية تشبه حال الثقافة العربية، مجتزأة وغير مهنية، ورديئة بكل شيء.
العالم يتابع الصخب وعلى الأقل خبر جيد أن رشدي بات في وضع مستقر، سيهمس صاحب أربعة عشر عملا أدبيا مهما، من تحت جهاز الإنعاش عبارته الساحرة التي لن تقوى عليها الفتاوى «الأدب العظيم هو مسألة حياة أو موت» وهو كذلك فعلا .

كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية