سلوى جرادات: تفاجأت بفنانين فلسطينيين قبل النكبة يلحنون كما عبد الوهاب

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: “هنا القدس” محطة اذاعية نشأت في 30/3/1936 وتميزت بإصرار وتصميم العاملين فيها على تكرار التسمية ولفظها حيث يمكن. هذا الإصرار حفّزه استفزاز الصهاينة الذين غزوا فلسطين بدءاً من نهاية الحرب العالمية الأولى، وصراخ بالعبرية هنا “جيروزاليم”.

 سلوى جرادات امرأة من رام الله، قصدت لبنان لدراسة الموسيقى الشرقية، وخلال أبحاثها لفتها تكرار اسم محطة “هنا القدس”. بحثت وتفاجأت بحضورها المؤثر، خاصة وأنها الثانية بعد إذاعة القاهرة عربياً.

 وفي البحث تبين لسلوى جرادات مدى أهمية برامج تلك الإذاعة وخاصة تسجيلاتها الغنائية الشرقية. فهي كانت مقصداً لكبار المطربين كأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، واسمهان وآخرين. ولهذا كان حفل في مترو المدينة في الثاني من الشهر الجاري حمل عنوان “هنا القدس” وسيليه آخر في 30 منه، وربما يضاف موعد جديد. فغناء سلوى جرادات والفرقة الموسيقية والإختيارات التي قُدمت، وجدت استحساناً.

بعد الحفل الأول كان هذا الحوار معها:

*بداية بطاقة تعريف لسلوى جرادات؟

** من مواليد رام الله في فلسطين، جئت بيروت قبل ثلاث سنوات ونصف السنة لدراسة الموسيقى في الجامعة الأنطونية، وفي عام 2018 أنهيت الدراسة في الموسيقى العالمة المشرقية. وحالياً أتابع دراسة الماجستير في جامعة الكسليك.

*وماذا عن اهتماماتك في رام الله قبل بيروت؟

** لأننا نفتقد التخصص الموسيقي في رام الله درست الصحافة والإعلام، وعملت لسنتين. وعندما حصلت على منحة دراسية من مؤسسة القطّان جئت إلى بيروت للمتابعة. وخلال وجودي في رام الله درست الموسيقى في معهد ادوارد سعيد. وكانت لي بعض الحفلات الخاصة، والمشاركات مع فرق مختلفة في المدينة.

*لماذا وقع اختيارك على جامعة الأنطونية للدراسة؟

** لأنني رغبت في دراسة الموسيقى المشرقية، كنت أمام خيارين تونس وبيروت فهما الأقوى. تعثّر السفر إلى تونس لتعقيدات في قبول الطلب. وفي بيروت وجدت بعد البحث أن الأنطونية غنية في برنامجها عن الموسيقى المشرقية، وهكذا كان بعد قبول طلبي.

*وهل وجدت ما ترغبين في دراسته في الجامعة الأنطونية؟

**بل أكثر مما أريد. ما كان في مخيلتي عن الموسيقى العربية والمشرقية مختلف عن ما وجدته بعد الدراسة. درست تاريخ الموسيقى، أي تاريخ بالمعنى الحرفي. اعتبر الجامعة الأنطونية خياراً جيداً جداً. أما الذهاب إلى جامعة الكسليك لدراسة الماجستير هو بحث عن تجربة جديدة، وأساتذة جدد. وهنا أنوه بالدعم والمساعدة الكبيرة التي وجدتها من أساتذتي في جامعة الأنطونية، ولا يزالون حتى الآن. احتفظ بصداقة قوية مع الأستاذ غسان سحاب حيث استشيره في أمور عدّة. كذلك تقديري كبير للدكتورين نداء ابو مراد وهياف ياسين. كما درست العود والمغنى مع الأستاذ مصطفى سعيد، وكنت عضواً مشاركاً في أربع حفلات لفرقته أصيل.

*وماذا عن تحصيلك الموسيقي في معهد ادوارد سعيد؟

** تعلمت العزف على البزق والغناء، أي تنشئة دراسية مشرقية وغربية لمدة خمس سنوات. ومن ثم رشحني أساتذتي في المعهد لدراسة الموسيقى الغربية، فكانت على يد الدكتورة جانيت. كانت تجربة مهمة جداً، منحتني معارف جمة في تقنيات الصوت وغيره، لكني افتقدت نفسي في تلك الموسيقى، وبحثت عن فرصة تعلُم مختلفة، فكان لبنان.

*ربما ينتظر الملايين في العالم أن يسمعوا مباشرة وبالعربية “هنا القدس” كتعبير عاطفي فكيف راودك؟

** محطة القدس هي الثانية عربياً بعد إذاعة القاهرة. تخلل دراستنا لتاريخ الموسيقى جزئية محدودة عن الإذاعات والتسجيلات التي تمت في استوديوهاتها. فجأة وجدتني أمام جملة “هنا القدس” كانت لي مشاركة غنائية مع مؤسسة نوى الثقافية التي تولت إطلاق اصدارين غنائياً لروحي الخمّاش ومحمد غازي، وهما كانا من أعضاء فرقة “هنا القدس”. كذلك سمعت في الجامعة بـ”هنا القدس” مما أثار فضولي فبدأت البحث لإشباعه فقط لا غير. وخلال التواصل مع مؤسسة خزائن الشبابية المهتمة بجمع أرشيف فلسطين، أبلغت بوجود مجموعة مجلات بعنوان “هنا القدس”.  عندما باتت 29 مجلة بين يديَ وجدتها تتضمن كافة برامج الإذاعة وتوقيتها، فكانت كما الهدية الكبرى. حقائق عدة كانت بين يدي، لكني ركزت على الجانب الموسيقى. فالمجلة كانت تهتم بكافة برامج الإذاعة بما فيها نشرات الأخبار. ومن هنا تولدت فكرة الحفل.

*وهل أفضى البحث إلى أماكن أخرى غنية عن الإذاعة؟

**البحث متواصل وقد يفضي إلى أبحاث. تناولت الشق الموسيقي فقط لإنجاز حفل. ولا نزال في مرحلة البحث عن وثائق وتسجيلات متعلقة بالإذاعة. حفل هنا القدس كان عبارة عن مجموعة مقتطفات من برامج موسيقية في الإذاعة. تحقيق هذا الهدف استغرق سنة ونصف بين بحث وتصميم وتدريب. في الحفل الأول لم استوعب حقيقة ما حدث، وأننا على المسرح وليس في حلم.

*كيف وضع البرنامج؟ وكيف تمّ التأكد من دقة المعلومات؟

**مجلة “هنا القدس” شكلت الدليل الأساسي. في الحقيقة أن فقرة “من مصر الحبيبة” كانت الأسهل، فجميعنا يعرف اسمهان، محمد عبد الوهاب، أم كلثوم وليلى مراد وليس صعباً إيجاد الأغنيات. تمثلت الصعوبة في إيجاد أغنيات الفنانين الفلسطينيين. فنحن حيال أسماء ليست موجودة حتى على يوتيوب. بعد البحث وجدنا تلك التسجيلات على اسطوانات في مؤسسة “آمار للبحث وتوثيق الموسيقى العربية”. تضمنت الأسطوانات تسجيلات لماري عكاوي، لور دكاش، سيدة حسن وأحمد الشريف، يحي السعودي، ثريا قدورة وغيرهم. تعود الأسطوانات لعشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وصوت المغني مترافق مع الخشة. أعدنا تسجيل الأسطوانات، وعملنا لتحديد الكلام واللحن. وقد اتبعنا في برنامج حفلنا ما كان معتمداً في البرامج الغنائية في محطة “هنا القدس” كما الفقرة المصرية، ديالوغ ومونولوغ، طقاطيق وقصائد. أي جربنا أن نغطي برامج الإذاعة الموسيقية في ذاك الزمن لوضع الجمهور في الأجواء نفسها. وبعد جمع تلك المواد كانت بين يدينا 12 قصيدة اخترنا الأنسب منها حسب المقام واللحن.

*من رعى ونفّذ كتابة النوتة وغيرها من مستلزمات الحفل الأول؟ هل هي جهودك منفردة؟

** الحمد لله كنت مع فرقة موسيقية متعاونة للغاية، وسماعنا قوي جداً. كنا نجتمع لنسمع التسجيل، وفي اللحظة عينها كان اللحن يُعزف عبر آلات الفرقة. حفظناً معاً اللحن والكلام. وكنت مع صديقتي وعازفة الإيقاع في الفرقة لنا قاسم نجتهد في فهم الكلام ونقله بدقة وكما هو تماماً في الاسطوانة.

*هذا يعني أن الإعداد للحفل استغرق وقتاً طويلاً؟

** بعد تحضير المادة من أغنيات وكلمات وألحان استغرقت التمارين مع الفرقة الموسيقية شهرين بينها تمارين المسرح، بينما يعود عمر المشروع لسنة ونصف السنة كما سبق القول.

*هل وجدت مفاجآت بعد معرفة الأغنيات التي تمّ تسجيلها في “هنا القدس”؟

** من جهتي نشأت وأنا استمع للأغنيات التراثية والوطنية. إنما صدقاً لم أكن أتخيل وجود فنانين فلسطينيين قبل النكبة يكتبون سماعي، أو يلحنون وفق أسلوب عبد الوهاب والزمن القديم. على سبيل المثال تقول ماري عكاّوي قصيدة تشبه ما كانت تقوله منيرة المهدية وغيرها من الفنانات اللواتي درست عنهن في الجامعة. نعم كفلسطينية فرحت بأننا نملك هذا الإنتاج الموسيقي القيم. أعجبني بشدة صوت ماري عكاوي، وأنا في بحث دؤوب عن جديد أضيفه لما اكتشفته لها وعنها. فهذه المرأة كانت تتمتع بإمكانات صوتية مخيفة ولا تقل أبداً عن العالمات المصريات اللواتي كنّ في ذاك الزمن. مع الإشارة إلى أن رسالة الماجستير التي أحضرها تبحث في غناء تلك العالمات وأسلوبهن.

*لماذا عن عالمات مصر وليس عن مغنيات فلسطين القديمات؟

** أردت في عرض “هنا القدس” أن يصل صوت لفلسطين غير ذاك الذي نراه ونسمعه على الدوام. فالغناء الذي كان سائداً في الزمن الماضي يشبه الموجود في كافة البلدان الطبيعية كما الطقاطيق، موضوعات الحب والقصائد. هو جزء من الحياة التي كانت لفلسطين قبل النكبة. رسالتي للماجستير هي عن طريقة غناء العوالم بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وكذلك البحث في اختلاف نمط الغناء عندنا فيما بعد.

*لماذا خلا مسرح مترو المدينة خلال حفل “هنا القدس” من أي سينوغرافيا تشي بذاك الزمن؟

** سعينا لوصول رسالتنا موسيقياً واجتهدنا في هذا الاتجاه خاصة من جهتي. ولم تخطر لي فكرة تجسيد حالة معينة عبر السينوغرافيا على المسرح. جمعت المادة الموسيقية، وتوجهت إلى مترو المدينة وهم من تولوا الإنتاج.

*هل كان حفل مترو المدينة هو الأكبر في حياتك؟

** صحيح.

*في أي مرحلة حققت بعض الراحة خلال الحفل؟

** ليس قبل الأغنيات الثلاث الأول. كنت في توتر وخوف شديدين. لم أتوقع مطلقاً هذا العدد من الحضور. على الصعيد الشخصي أنا فرد وحيد في لبنان ودون عائلة.

*جميعنا عائلتك.

** شكراً جزيلاً. لكنني أحكي لك مشاعري قبل الحفل، فالناس لا تعرفني ولم تسمع بي. ولست أدري مدى اهتمامهم بعنوان “هنا القدس” وسلوى جرادات. ارتعبت للغاية عند رؤيتي الصالة ممتلئة. شعرت بسيطرة جزئية على التوتر بعد الأغنية الثالثة. لكني بقيت مسؤولة عن نجاح مشروعي “هنا القدس” وتقديمه بطريقة جميلة، إلى مشاعر أخرى غريبة راودتني.

*كم شعرت في الحاجة لمزيد من المراس في الوقوف أمام الجمهور؟

** من المؤكد أني ما زلت وسأستمر لوقت لا بأس به في وضعية الاختبار. كل حضور جديد على المسرح هو درس جديد في التعامل مع الصوت ومع الجمهور. مباشرة بعد الحفل الأول كنت في حاجة ماسة لرأي المدير الفني لمترو المدينة المخرج هشام جابر وملاحظاته. وقبل السؤال وسماع الجواب أدركت أنني احتاج لمزيد من الإحساس مع الأغنيات، ومع الجمهور. لا خبرة دون تجربة، وهذا ما أسعى له. الحفل الأول شكل درساً قوياً جداً.

*وأخيراً ماذا تقولين لـ”القدس العربي”؟

** مسرورة لأن الناس أحبت ورحبت بفكرة حفل بعنوان “هنا القدس”. كنت أهتم عبر هذا الحفل بدحض الرواية الصهيونية التي تقول إن شتاتهم وصل إلى أرض دون شعب. الشعب موجود وماضيه عريق، له ثقافته وحضارته. وكانت الموسيقى موجودة، وكذلك إذاعة “هنا القدس”. إذاعة استقطبت أهم فناني الوطن العربي، والدليل أن لور دكاش أطلقت “أمنت بالله” من إذاعة “هنا القدس”. وقد حظيت تلك الإذاعة بزيارات متكررة من أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.

*الهدف المستقبلي الذي تسعين له؟

**أسعى للبحث أكثر وأكثر عن هويتي الموسيقية العربية والتي افتقدتها لزمن مضى. بالتوازي مع بحثي عن هويتي أعمل على كل ما يتعلق بعصر النهضة قبلها وبعدها، وكيف كان مسار التاريخ موسيقياً. وهكذا يتضح بالنسبة لي المشروع الذي سأقدمه. وإلى هذا كله يجب أن أفهم تاريخي في فلسطين، وما كانت عليه موسيقانا قبل السطو الإنكليزي والصهيوني الثقافي والاستعماري والاستيطاني. المشروع ليس واضحاً تماما لكنني أعرف منطلقات بحثي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية