سليمان الشطي في “المعلقات وعيون العصر”:القراءة النقدية الحداثية لشعريات تراث خصب

مصطفى عطية جمعة
حجم الخط
0

   يتوقف د. سليمان الشطي في كتابه “المعلقات وعيون العصور” عند الخطابات النقدية الحداثية لشعرية المعلقات، مؤكدا على ديمومة المعلقات بوصفها إبداعات حية متدفقة بالجديد في كل العصور، وعلى نحو يثير الإعجاب، مهما طرأ على الأذواق من تغيرات وتطورات. وظهر ذلك بوضوح مع جهود حركة الإحياء الشعري في العصر الحديث، سواء من قبل الاتجاهات التعليمية المكرسة للنظرة المدرسية لعمود الشعر العربي التقليدي، مستفيدين من الشروحات القديمة، فسعى أساتذة الأدب القديم إلى تأليف كتب سهلة من أجل تقريب التراث العربي إلى أفهام طلاب الأدب والمتأدبين والمثقفين بوجه عام، كما في كتاب “المعلقات السبع” للدكتور بكري شيخ أمين، وكذلك جهود النعساني وشروحاته التعليمية على المعلقات في مطلع القرن العشرين، لتكون المعلقات أساسا لأي نهضة أدبية جديدة، فلا إحياء شعريا بدون العودة إلى مصادر الثقافة العربية متمثلة في شعرية العصر الجاهلي. وهذا الاتجاه ليس جديدا على مسيرة الأدب العربي، لأنه يعتمد على جهود القدامى في الشرح والتعليم، فهو عود على بدء، وبناء على أساس قديم في الزمن الحديث.

   ونرى أن المشكلة في الشعر الجاهلي والمعلقات في مفرداته الوحشية، ومضمون قصائده ذات الطابع البدوي، مما يستلزم جهودا إضافية من أساتذة الأدب، فقد اختلفت البيئات، وكثرت اللهجات، وتباعدت الألسنة عن معين العربية الأول.

    وجاء الاتجاه الثاني ممثلا في النظرة التذوقية، التي تلج النص معتمدة على ذائقتها وثقافتها، ويدخل الناقد النص بنفس متفتحة مستجيبة له ولمؤثراته وقبول ما يترك فيها من انطباع تصفّيه ثقافة الناقد ودرايته وحسه المرهف. ويمثل طه حسين هذا التوجه، مستفيدا من طريقة الشيخ سيد المرصفي في تحليل النصوص على أساس الذوق، ومن النقد الأوربي ومناهجه، خاصة المقياس الأدبي الذي يجمع بين النقد التجريبي كما عرف في القرن التاسع عشر، والمنهج التأثري الذي يصدر فيه صاحبه عن إحساساته الذاتية وذوقه الشخصي أكثر مما يصدر عن قواعد وأصول لغوية وجمالية في استخلاص الأحكام النقدية وتعليلها.

   إن منهج النقد التأثري/ الذوقي يجعل الناقد منطلقا محلقا في فضاء النص الإبداعي، ولكن يعاب عليه الذاتية الشديدة في قراءة النص، وتحميل النص ما لا يحتمل، كما يصعب قياسه والحكم عليه أدبيا ونقديا، والبعض يفهمه خطأ، فيطلق العنان لقلمه يصول ويجول حول النص وليس في عمق النص، لذا يستلزم نقادا على درجة كبيرة من التمكن النقدي والثقافي، ولديهم اطلاع ودربة واسعة بالشعر.

   ومن المناهج التي يتوقف عندها المؤلف : المنهج الأسطوري الجمالي، الذي يمثله الدكتور مصطفى ناصف، والذي يتوخى في قراءته للشعر القديم منهجية النقد الحديث، التي تتعامل مع النص بعيدا عن المؤلف والبيئة، وتركز على البنية اللغوية والتحليل الاستاطيقي، ولغة النص تستوعب الاتجاه الذاتي والموضوعي الخارجي، وأن القصيدة مستقلة في نصها، وبالتالي على الناقد إخضاعها للدراسة المفصلة لكل جمالياتها، وما تحويه من بنية إشارية وسيميائية، فالعمل الأدبي يُدرس من خلال ما يعنيه للمتلقي، الذي لا يخضع لشروحات مسبقة تفرض عليه فهما بعينه. كما اهتم بالجانب الأسطوري في النص الجاهلي، متأثرا بالمنهج الأسطوري الغربي، وكيف أن النص الجاهلي عبّر عن معتقدات العرب وأساطيرهم

   إن التعامل مع النص الشعري بوصفه بنية لغوية مستقلة، ودراسة أبعادها الجمالية هو لب المناهج الحداثية المستندة لطروحات اللغويات الحديثة، وهو ما ظهر بجلاء مع المنهج البنيوي والذي طبقه كمال أبو ديب، متوقفا عند بنية القصيدة والعلاقات والشرائح المكونة لها، ومصدر خصوصية الرؤية النابعة منها.

   ولا شك أن المنهجيات النقدية الحداثية أضاءت الكثير من جنبات النص، وسلطت الضوء على أبعاد لم يلتفت إليها النقد القديم أو حتى أصحاب النظرة التأثرية، لأنها تتعامل مع النص بوصفه بنية لغوية متكاملة، تقوم بتحليلها، وتقسيمها إلى مقاطع وشرائح، وتنظر إلى حركية النص الداخلية، ولا تتجاهل إشاراته الخارجية. ربما يعاب على هذا التوجه أنه يحصر الدرس النقدي في إطار لغة النص فقط، ولا يقرأ النص في سياقاته الثقافية والبيئية والسوسيولوجية، وهذه تقوم بها مناهج أخرى، فهناك النقد الثقافي والنقد السوسيولوجي، ولكن مشكلة هذه المناهج أنها تعمل بشكل منفصل عن بعضها، فالبنيوي يعمل على البنية فحسب، أما ذو النقد الثقافي فهو منخرط في الإشارات الثقافية، مما يوجب أهمية وجود مجلدات وحلقات بحث تكاملية في طروحاتها، حتى لا يقدم الشعر الجاهلي في منظور واحد.

فيمكن القول في ختام مناقشة هذا الكتاب الثري أن أبرز ملامح المنهج النقدي عند الدكتور سليمان الشطي يتجلى في النقاط الآتية:

– حرصه على الإبحار في المصادر الأصلية، والنظر الدقيق في معلوماتها وأخبارها، مع التحليل المعمق، من دون الاكتفاء بالوصف الاصطلاحي، وهو ما يدفع القارئ إلى التفكر معه، وهو يورد الرأي والمثال، ويقارن بين السابق واللاحق.

– سعيه إلى اختبار المقولات النقدية الواردة مع النص الإبداعي ذاته، بمعنى أنه وضع عينا على نصوص المعلقات، وهي عين ثابتة طيلة البحث والدراسة، لا تفارق أبيات المعلقات، وأجواءها ولغتها، وعينا ثانية تنتقل زمنيا ومكانيا مع مؤلفات النقاد القدامى والمعاصرين، ومن خلال هذا النهج، قبِلَ أو تحفظ على طروحات النقاد، وما ذهبوا إليه. ولم يكتفِ في ذلك بالاطلاع على الكتب القديمة، وإنما كان ينظر في علاقة الأستاذ بتلميذه، وذلك بالاطلاع على سيرة العلماء وبيئاتهم الثقافية، فمثلا يشير إلى أن أبا علي القالي (288-326هـ)، صاحب “كتاب تفسير السبع الطوال “، كان قد سمع من الشراح السابقين، من مثل ابن الأنباري وابن درستويه وابن الأزهر، لذا جاء شرحه وافيا معمقا.

– رفضه التأويل المفرط الذي قد يشذ بالدلالة عن النص، واحتفائه بالمعنى المرتبط بالبيت الشعري، فيما يسميه المعنى الحرفي المبسط، والذي يُبنى على الجانب اللغوي والنحوي في البيت، ومن ثم يقرظ الشارح الذي ينتقل إلى معنى أسمى.

– نهجه التكاملي في البحث، وهو ما ظهر في حياده وموضوعيته، ونبرته الهادئة في الطرح والتناول، بدون الانحياز إلى تيار بعينه، ولا ترجيح تيار على آخر، بل إنه أورد الرأي وضده، ثم خرج بنظرة خاصة به، يدعمها بأدلة نوعية.

– إن جهده النقدي في هذا الكتاب، يمثل إضافة بحثية غاية في الأهمية، فقد جمع المتناثر، ووصل القديم بالجديد، وقرأ النص ونقده في سياقاته التاريخية والثقافية، وأيضا في الغايات المرادة لدرسه مثل التعليم والبحث اللغوي والاستشهاد البلاغي.

وهو ما نحتاج إليه بشكل مستمر في حياتنا العلمية العربية، حيث تتكاثر الأبحاث وتتفرع، وتعدد مع تعدد المناهج النقدية، وظهور أجيال نقدية جديدة، مما يجعل من المهم وجود كتب تجمع المتفرق، وتضعه في سياق كلي تكاملي، تتخذ من المقارنة والتحليل نهجا، وتنظر بإيجابية إلى الجانب التعليمي، الذي يغفل عنه كثير من المؤلفين، حيث نجد نخبوية في طروحاتهم النقدية، وإلغازا في مصطلحاتهم النقدية، فينأى عنها القارئ المتخصص، وأيضا القارئ المثقف.

سليمان الشطي: المعلقات وعيون العصور

سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سبتمبر/ايلول 2011

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية