في كتاب «المعلقات وعيون العصور» لسليمان الشطي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سبتمبر/أيلول 2011 نجد المؤلف يعرض للخطابات النقدية حول المعلقات في أقسام عديدة، متأملا جهود الباحثين والنقاد ومؤرخي الأدب، موضحا أن القصائد السبع شكلت معينا للإبداع النقدي، والدرس اللغوي والنحوي والمعجمي، والنهج التعليمي والنظر البلاغي.
ومن هنا، فإنه لم يلتزم بالتراتبية الزمنية في مناقشة المؤلفات المعنية بالمعلقات، وإنما تعامل معها برؤية أفقية، تنظر إلى الطرح المقدم وليس إلى زمن التأليف، وهو ما يناسب دراسته بلا شك، لأن المعلقات لا يمكن حصر دراستها في منحى واحد،، لأنها نصوص شعرية مركزية في الإبداع العربي، تعاقبت عليها عشرات الدراسات والبحوث، تنقيبا وشرحا وتحليلا وتعليما.
«في البدء كانت الشروح» وهو الفصل الذي توقف فيه المؤلف عند الشروحات المتعددة والمتتالية للمعلقات السبع، ذاكرا أن الحاجة إلى الشروحات مهمة، فكل شاعر له مذهبه في الصياغة الشعرية، وبناء التراكيب واختيار معجمه الشعري، وكلما تقادم الزمن، وابتعد الناس عن لغة أهل الجاهلية، كانت الحاجة إلى الشروح أكثر، لأنها معنية بغياب الوسط/ البيئة الثقافية واللغوية التي قيلت فيها، منوها بجهود الأصمعي في الشرح والتفسير، وهو ما جعل اسمه مترددا في أكثر الشروح الأدبية التالية، على الرغم من تشككه في نسبة كتاب «شرح القصائد التسع أو الست» للأصمعي، ولكن ما دفعه لهذا القول هو إشارات ابن الأنباري وابن النحاس للأصمعي. والجديد الذي أضافه المؤلف في قضية شروح المعلقات هو تتبعه التأريخي للشارحين، بدءا من جهود أبي سعيد الضرير، الذي حرص على إثبات المعنى العام مع الإعراب واللغة والحدث التاريخي، وتميزت كتاباته بالتوازن والاختصار بدون إسراف في بسط آراء الآخرين، وبدون حشد لأسماء الرواة.
وفي القرن الرابع الهجري استوت الشروح، وتكاملت معطياتها، بسبب اكتمال علوم اللغة والبلاغة وأخبار الجاهلية، ما مهد السبيل لشروح موسعة، تغوص في المعاني وتؤولها. وعلى عادة الحركة العلمية في الحضارة الإسلامية، فإذا كانت هناك شروح موسعة مسهبة، فإنها توجب بالتبعية مختصرات لها، على نحو ما فعل التبريزي (ت502هـ) وتلميذه الجواليقي (ت540هـ)، ومحمد بن خلف اللخمي (ت615هـ).
الشروحات مهمة، فكل شاعر له مذهبه في الصياغة الشعرية، وبناء التراكيب واختيار معجمه الشعري، وكلما تقادم الزمن، وابتعد الناس عن لغة أهل الجاهلية.
ومن ثم يصل إلى القرن العشرين، حيث تتكاثر الشروحات وتتعدد، وتتأثر بالمناهج النقدية الحديثة في الأنثروبولوجيا والسيمياء والتأويل، وقراءة النص الشعري القديم، ضمن حيزه الجغرافي ومعطياته المكانية. لقد أورد المؤلف الشروحات قديما، ثم قفز بنا زمنيا إلى جهود النقاد حديثا، التي ارتكزت في قراءاتها النقدية على الشروحات القديمة، لتكون الدلالة واضحة، لن نفهم معاني المعلقات وجمالياتها، إلا بعد استيفائنا لشروحاتها المفصلة، ولن يكون هناك تأويل، قبل وجود التأصيل، ولا يفلح نهج نقدي حداثي إلا بتأسيس لغوي.
إن اهتمام النقاد القدامى بالشرح والتفسير اللغوي والإخباري، لم يكن في مؤلفات بعينها، وإنما جاء ضمن تناولهم النقدي فنيا ومضمونيا لهذه القصائد، ما يدل على أن أي جهد نقدي لابد أن يكون مسبوقا بشرح مفصل لغوي، وتبيين طبيعة البيئة المكانية وأخبار العرب في الجاهلية، وهو الجانب الإخباري، الذي يستند إليه أي ناقد حداثي أو تقليدي. أيضا، فإن استمرار الشروحات عبر قرون متصلة إلى عصرنا الحديث، دال على المكانة الكبرى التي نالتها المعلقات في الأدب العربي ودراسته في جميع الأزمنة، والبقاع التي يدرس فيها الأدب العربي.
وهذا ما توقف عنده المؤلف في الفصل التالي، وعنوانه: «نظرات تعليمية: شروح الدواوين»، موضحا أن الحاجة التعليمية كانت حاضرة في كل الأزمنة، مع إيراد الخلافات حول رواية النص وتفسيره وفي كل رواية، وتناول مسائل النحو والصرف والتاريخ التي تكتنف هذه القصائد. كما تنوعت طرق التعليم ذاتها، ما بين الاكتفاء بالشرح الموجز وذكر المعنى العام، والشرح المفصل وعرض آراء النقاد واختلافاتهم، وهذا يتوقف كله على طبيعة طلاب العلم والقراء والباحثين، فكل من هؤلاء لديه حاجة ما يرومها في دراسة المعلقات، وقد توقف المؤلف طويلا، وبإسهاب بالشرح والمقارنة والمناقشة لشراح المعلقات، على اختلاف مذاهبهم ورؤاهم.
وقد رصد المؤلف النهوج التي اتبعها القدماء في دراسة المعلقات وتدريسها، وحصرها في ثلاثة مناهج: الأول المنهج التعليمي الفني، ويمثّله الأعلم الشنتمري (410- 470هـ)، وكما هو واضح من عنوانه، فهو يركز على توضيح معنى اللفظ الغامض على طلاب العلم وقارئيه، ما يستدعي تفسير جميع غريبه، مع إدراك جوانب المعنى وفهمه بشرح ميسر للبيت الشعري، فاختراق حاجز اللفظ يؤدي إلى الإحاطة به، وأخيرا الاهتمام بالغامض من الإعراب، وهذا منهج يناسب الطالب والقارئ، وكما وصفه بأنه بداية المجتهد ونهاية المقتصد، بدون استطراد.
والثاني هو المنهج اللغوي التعليمي ويمثله العالم النحوي عصام بن أيوب البطليوسي (ت494هـ)، ويكاد ينحصر الجهد في قضايا اللغة التي تثيرها المعلقات، فشارح أبياتها يتصدى للنحو والصرف والقاموس، على قناعة أن الشعر نص لغوي أولا، وأدبي ثانيا، وجلاء الجانب اللغوي أساس لأي تعامل أدبي/ بلاغي بعد ذلك، ويعتمد البطليوسي على مخزونه العلمي، في شرج لغويات الأبيات، لذا انحصر جهده في المعلقات شرحا وتقريبا، واعترف بأنه اعتمد على جهود القدماء في كتبهم، والتزم حرفيا بهذا الخط، فجاء شرحه موجزا لما تناثر في دواوين الشعراء في شرحها والملاحظات التي أوردها النقاد على متنها.
غلبة الاتجاه اللغوي لها مسبباته الكثيرة التي يفصلها المؤلف في متن الكتاب، ولكنه يعرض إلى الاتجاه الفني الذي يمثله القاضي عبد الله الحسين بن أحمد الزوزني، في كتابه «شرح القصائد السبع».
والمنهج الثالث ينعت المؤلف أصحابه بأنهم «معلمون ملفقون»، ويمثلهم الخطيب التبريزي، ومعه تلميذه أبو منصور الجواليقي، ونرى فيه تعامل الناقد مع المعلقات بوصفها عنوان آداب العربية الأولى، بما يقربها من صورة القداسة، وأنها لازمة للتمكن اللغوي. وخلت جهود هذا الفريق من الإبداع، واكتفوا بالجمع والتلفيق من الكتب السابقة، بدون تنسيق للمادة العلمية، وتمتاز بكونها مطولات، وهناك اتجاه يصاحبها يسمى الملفق المختصر، فيه شذرات ومتناثرات بدون رابط، وبدون تنسيق كاف. وهذا المنهج أضعف من سابقيه، لأنه لا يصدر عن رؤية بحثية ومنهجية، وإنما كل هدف الناقد فيه حشد المعلومات اللغوية والإخبارية مع شرح المعاني، مستعينا بما ذكره القدماء، وبدون نظر فيها على مستوى التنسيق أو الترتيب. وهذا ليس بجهد نقدي، وإنما هو تجميعي تعليمي في الأساس، عينه على طلاب العلم في حلقات الدرس، ويرى في جهود السابقين كل اكتمال.
وكانت هناك جهود أخرى، تتصل بالجانب الفني، ولكنها تنطلق من اللغة في أساسها حيث «تعتمد على الفهم اللغوي للنص، لتصل عند النقاد والبلاغيين إلى مستوى عميق، بالغ الجودة، كما تمثلت في نظرية النظم عند عبد القاهر، ومنهج اللغة بمعناه الاصطلاحي وعلومه وفهم قوانين اللغة وتراكيبها وصلتها بالأداء الفني». وأبرز هؤلاء ابن كيسان في شرحه، وابن الأنباري في كتابه «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات»، وابن النحاس في «شرح القصائد التسع المشهورات». وهؤلاء الثلاثة يعتمدون على النظرة اللغوية للنص، التي هي أولية في الفهم، مع الاستفادة من جهود العلماء السابقين، والأهم عندهم استيفاء المعلومات والمعارف للكلمة الشعرية ضمن وسطها اللغوي والفني والتاريخي والسياسي، لتكتمل الصورة أمام القارئ، مع اختلاف في الطريقة والعرض بينهم.
إن غلبة الاتجاه اللغوي لها مسبباته الكثيرة التي يفصلها المؤلف في متن الكتاب، ولكنه يعرض إلى الاتجاه الفني الذي يمثله القاضي عبد الله الحسين بن أحمد الزوزني، في كتابه «شرح القصائد السبع»، وقد حافظ على الأساس اللغوي في الشرح، وإيراد محاسنه، والتخلص من الزيادات والاستطرادات التي لا داعي لها، ومن ثم حصر فهمه في النص الفني، بالنفاذ إلى ما يريد الشاعر، وتحليل إشاراته وتلميحاته مع الاستعانة بالمعارف الأخرى، خاصة الجوانب البلاغية. وقد برع الباقلاني، وهو مفكر عقائدي، في التحليل الشعري، متجاوزا البيت والبيتين إلى تقديم نظرة تكاملية إلى القصيدة ذاتها، وهو تطور فني ورؤيوي مهم، وقد طبقها الباقلاني على معلقة امرئ القيس.
كان نهج المؤلف في التعامل مع كتب القدامى أساسها الدراسة المتعمقة التحليلية لما فيها، والمقارنة في ما بينها، ساعيا إلى رصد أوجه التميز والإضافة بين هذه الجهود، فهناك جهود تعليمية وأخرى تجميعية، وثالثة تلفيقية، ورابعة فنية مبدعة، ولو تأملنا مساراتها، سنجد أنها مرتبطة بالتطور العلمي والمعرفي للعلوم في الأمة، فمن الشذرات إلى الشروحات اللغوية والتركيبية إلى البلاغية والمضمونية، فهي تستفيد من جهود العلماء في بحوثهم البلاغية في بلاغة القرآن وغيرها، ومن ثم تتجه إلى القصائد السبع للتطبيق عليها. والملاحظ أن هذه المسارات كانت متوازية ولم تكن متوالية، بمعنى أن الاتجاه اللغوي التعليمي، كان يسير جنبا إلى جنب مع الاتجاه الفني في العصور المتأخرة، وأن أهل اللغة اضطلعوا بالشرح مثلما اضطلع أهل التفسير والبلاغة به أيضا.
٭ كاتب وأكاديمي مصري