سليمان زيدان: المسرح في طبيعته ثوري وفي رقص الثائرين اللبنانيين وغنائهم عمق حضاري

زهرة مرعي
حجم الخط
1

بيروت-“القدس العربي”:سليمان زيدان ممثل ومخرج وموسيقي ومؤد وكاتب مسرحي، يختار عناوين صادمة وساخرة لعروضه المسرحية والفنية. عوده لا يزال طرياً في الفن ويتميز بالاندفاع والحماس. منذ بدء الحراك الشعبي في لبنان لم يفارق الساحات، فهو يرى الفنان طليعياً وقدوة ضمن مجتمعه.

بعد مضي أكثر من 40 يوماً على انطلاق الثورة كما يرغب في تسميتها، أطلق شعار “الفن يثور” ودعا من لديه عرضا مسرحيا أو غنائيا لتقديمه على مسرح “أبراج” الذي يديره، ومجاناً.

في سيرة سليمان زيدان مسرحية بعنوان “يقطع الكلب وعيشتو” وهو لا يزال طالباً في معهد الفنون. ومن ثم مسرحية “عرض كتير قوي” و”أنا مبسوط إني ميت” وأخرى موسيقية.

معه هذا الحوار:

*”الفن يثور” دعوة وجهتها لمن يرغب بتقديم عرض فني في مسرح أبراج. هل ترك الحراك الشعبي أثراً بالغاً بك؟

**من مميزات الفن اللبناني والمسرح تحديداً أنه استثنائي ومزدهر قياساً إلى محيطنا العربي بأجمعه. المسرحيون موجودون في صدارة التحركات التي شهدها ويشهدها لبنان في هذا العقد الزمني الذي نعيشه. إلى جانب إبداعهم الفني فهم يطرحون أفكاراً خلاّقة فيما يتعلق بالحراك، ووجودهم في الساحات له أهمية بالغة، ويمكن وصفهم بالمحركين الفاعلين.

*وهل أنت ناشط في الحراك منذ يومه الأول؟

**بالتأكيد. كنت في مسرح أبراج مع زملاء آخرين عندما تلقيت رسالة من الزميل الفنان سليم علاء الدين تقول “ما راح نرضى بالضريبة على الواتس أب ونازلين نتظاهر”. قلت له “بلا هالمزحات”. رغم جدية سليم علاء الدين ثابرت على اعتبار الأمر مزحة. وتأكدت من جدية التظاهرة عندما دخلت إلى فيسبوك. أقفلنا المسرح وتوجهنا جميعاً نحو الرينغ ومن ثم ساحة الشهداء. لم يكن المشهد هناك على ما يرام. ثمة تكسير ونار. خفت من الشغب العشوائي وانكفأت نسبياً. لكن لاحقاً تمّ تصويب الحراك ولم نعد نرى مشاهد الشغب.

*في رأيك هل أضفى وجود الفنانين صفة محددة على الحراك؟

**كان تواجد الفنانين لافتاً ومميزاً. من جهتي كنت أحضن عودي وأسرع كلّ عشية إلى الساحات في وسط البلد، وهناك ألتقي أكثر من فنان وعازف بحيث نتشارك جميعنا بتقديم وصلات عزف وغناء. ومن بين الفنانين زملاء جمعني بهم لقاء ضمن فرقة موسيقية، قدمت الغناء النقدي السياسي والاجتماعي الهادف. وفي الحراك أعدنا بعض تلك الأغنيات.

*هل تصف حضور الفنانين في الساحات تعبيراً عن غضب أو محاولة لجمع الجمهور حولهم؟

**لا أنكر أن الفنانين كانوا في الساحات تعبيراً عن غضبهم ورغبة في جمع الجمهور حولهم لتفعيل الساحات. الفنان معني بما يحدث حوله خاصة فيما يتعلق بالقضايا الوطنية. سيكون الفن خالياً من الرسالة أن لم يستشرف ما يدور حوله، وفي أي اتجاه تذهب الأمور. فمن شأن الفنان أن ينبئ بما سيحدث حوله حتى قبل حدوثه، وعندها سيستعيد الجمهور طروحاته ويتوقف عندها. وإن لم يكن هذا حال الفنان فهو بعيد جداً عن الدور المناط به. إنه دور الفنان في العالم أجمع وخاصة المسرحي. في الحراك الشعبي المتواصل عندنا منذ حوالي 50 يوماً أظهر الموسيقيون دوراً كبيراً. وحضر المسرحيون في الساحات ولم يحضروا من خلال فنهم بعد. لكنني أعرف بأعمال قيد الإعداد انطلاقاً من الواقع الذي نعيشه على الأرض. ونحن في مسرح أبراج بدأنا الإعداد والاستعداد لاستقبال من يرغب.

*يمكن القول إن الفن التشكيلي والغرافيتي تجاوز كافة الفنون الأخرى؟

**صحيح. ربما لأنه فن لحظوي. الجدار موجود وميدان العمل ومساحته تدعوهم للمباشرة بالتنفيذ. الفن التشكيلي والغرافيتي يرتكز على الانفعال. بمجرد أن ينفعل الفنان بمحيطه وتكون أدواته من فرشاة وألوان بين يديه، وعقله ثابت في مكانه سيعبر بكل صدق. بخلاف المسرح الذي يستلزم الكتابة والإخراج.

*تحاول المسارح جس النبض من خلال دعوات لعروض ترتبط بالحراك الشعبي. في هذا الإطار كانت دعوة مسرح أبراج “الفن يثور”؟

**ندير مسرح أبراج منذ ثلاث سنوات والإفتتاح الرسمي كان بداية عام 2018. نحن مشروع ثقافي غير مدعوم من أي جهة. مجموعة من الأصدقاء تدعمني مادياً رغم امكاناتهم المتواضعة، ومنهم من يدعم بجهده الشخصي. سعينا نحو مشروع إنتاجي يساعدنا على الاستمرار، ويتمثل بتعليم الموسيقى والتدريب المسرحي لمن يرغب. كما جربنا طرق باب وزارة الثقافة مرتين، ومع وزيرين متعاقبين ولم نفلح باللقاء مع أي منهما. عدم تحقيق اللقاء تم بطريقة لبقة ووضيعة كمثل القول “لا نعرف متى يأتي الوزير إلى الوزارة لنحدد الموعد”؟ فالواضح أن وزارة الثقافة لا تدعم فناناً ليس مدعوماً من جهة سياسية. والواضح بالنسبة لي ولزملائي في المسرح أننا لا ولن ننتمي لمرجعية سياسية أو طائفية. كمسرحي وفنان أقول بالفم الملآن أنا داعم للثورة، وهذا المسرح للثورة والثوار.

*ولهذا كانت مبادرة “الفن يثور”. وكيف للفن أن يثور في المسرح؟

**”الفن يثور” بوجوه متعددة. مسرح أبراج مستعد لتقديم عرض مجاني لكل عمل له صلة بالثورة ولا يتقاضي بدلا من الجمهور. وإن كان الدخول ببدل مادي فنحن نتعاون في التكاليف. نصيحتي للجميع عدم وضع بدل للبطاقة وترك السعر حراً نظراً للأوضاع الصعبة. ونقول للجمهور “إدفع كما ترغب”. عندها قد نغطي بعضاً من تكاليف المسرح ويغطي المنتج بعضاً من تكاليفه.

*بعد عرض مسرحية “الديكتاتور” تطبيقاً للفن يثور ما هو التالي؟

**استحوذت المبادرة على اهتمام الكثيرين. وهناك من بدأ تحضير أعمال فنية انطلاقاً من الدعوة، والمسرح بتصرف من يرغب. منهم من بدأ التمارين الفعلية في المسرح ونحن بانتظار جهوزية العرض لنعلن عنه. لم نخترع جديداً بقولنا “الفن يثور” فالمسرح بطبيعته ثوري. في رأيي من يستمر في المسرح والتمثيل يفترض أن يكون قد حقق ثورة أو حتى ثورات على صعيد ذاته.

*وماذا عن الفنان سليمان زيدان الذي يكتب ويلحن ويغني. أين جديدك عن الثورة؟

**لم أختل بذاتي كي أكتب عن الثورة بعد. ما كتبته وأديته سابقاً مطابق لواقعنا الحالي. فنحن نعيش ثورة تعود لسنة 2009. حينها كنت لا أزال طالباً جامعياً، وقدمت عرضاً مسرحياً في مسرح المدينة بعنوان “يقطع الكلب وعيشتو”. في هذا العرض كنت في تحد مع البيئة المحيطة بي وزعمائها، وشكل مخاطرة كبيرة لي. ويمكنني القول إن لوماً كبيراً لحق بي نتيجة هذا العمل. لكنني مستمر في نهجي المسرحي وفي كسر التابوهات بمختلف أشكالها. كذلك أسست “فرقة معنا” التي قدمت فناً غنائياً ناقداً وساخراً من واقعنا. ولاقت أغنيات الفرقة رواجاً جيداً.

*أن تكون مسرحياً وموسيقياً وكاتباً ومؤدياً وعازفاً أليس في ذلك تشتت؟

**أعيش هذا الشعور في مكان ما، وأجد في مكان آخر أن الفنون التي أجيدها يقع أحدها في خدمة الآخر وخاصة في المسرح الغنائي. مسرحي يتخذ صفة المسرح الغنائي بحدود معينة. في بعض العروض غنينا النص، وفي أخرى يدخل الغناء كشخصية قائمة بذاتها.

*دعوت من يريد لتقديم عرضه في مسرح أبراج وماذا عنك. هل لديك عرض يليق بالراهن الذي نعيشه؟

**بدأت العمل على نص مسرحي كتبته منذ زمن ووجدته ملائماً لحالنا وسوف نباشر التمارين قريباً، يحمل عنوان “آخر بقايا من آخر سجن”.

*هل يتعاون الفنانون في هذه المرحلة التي تعتبر خلالها الأعمال الفنية شبه مغامرة؟ وهل من فنانين يضعون جهودهم لصالح الثورة؟

**أكيد هم موجودون. فمن الخطأ أن يتوكأ فنان ما على الثورة لتحقيق الشهرة. سيبدو أنه غير صادق في ثورته. نحن في مسرح أبراج نراكم الديون، لكن المؤمنين بنا وبعملنا يتابعون دعمنا. ولأننا لا نساوم على ما نؤمن به في الفن وفي الحياة ينفض عنا الداعمين.

*قبل الثورة بحدود الشهر قدمت عرضاً موسيقياً صوفياً بعنوان “عشق إلهي”. هل تلتقي الثورة مع التصوف؟

**في هذا العرض لحنت قصائد صوفية لشعراء من الزمن القديم وأخرى لشعراء معاصرين، وقصيدتين كتبتهما بنفسي. شاركني الحفل البيانيست ضياء حمزة، ولاعب الغيتار أدهم يحيا. كان الحضور جيداً إنما جمهور فن التصوف في لبنان قليل جداً قياساً بجمهور الغناء التجاري. وربما يصح القول إننا كفن وغناء التصوف لم نصل بعد إلى الجمهور كما يجب لأننا لا نمتلك امكانية الإعلان والدعاية. ومسرح أبراج بشكل عام يستند إلى الدعاية القديمة العهد من اللسان إلى الأذن.

*متى تتوب إذا كنت قد وصفت حياة الفنان بالصعبة بعد مسرحية “عرض كتير قوي”؟

**إن تبت عن الفن فلن يعد في إمكاني التوبة للفن. الصعوبات لا تحصى، إنما لا أرى سبيلاً آخر لي.

*إلى العود ما هي الآلات التي تعزفها؟

**قليل من الغيتار. فقد أنهيت دراسة العود والغناء الشرقي في المعهد الموسيقي الوطني ونلت الإجازة، وذلك إلى جانب دراستي للتمثيل في معهد الفنون الجميلة.

*تندّر البعض بوصف الحراك والثورة بأنها “ترقص وتغني”. ما رأيك؟

**في رأيي أحد أسباب قوة الثورة أنها ترقص وتغني وبعمق ما يعنيه هذا الفعل وليس بسطحية المتندرين. في الرقص والغناء عمق حضاري. وفي فعل الثائرين هذا دليل على كثافة قوة الحياة لديهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية