لا تبدو مصادفةً أن يكون عنوان ديوان الشاعرة الفلسطينية سمر عبد الجابر، الصادر حديثاً عن الدار الأهلية، على صيغة سؤال ‘ماذا لو كُنّا أشباحاً؟’ فالديوان الممتد على 160 صفحة يعجّ في قسمه الثاني بأسئلةٍ تتحدى الإنشاء بأن تنكفئ إلى غرابة السؤال ذاته وربما استحالة الإجابة عليه لفرط بداهته.
لم يأت كتاب عبد الجابر مُتجانساً في أشكال قصائده ومضامينها، فإذ يبدو القسم الأول من المجموعة ‘نحو مدينة أخرى’ امتداداً لتجربة الشاعرة الأولى ‘وفي رواية أخرى’ حيث القصيدة الواحدة المتماسكة مناخاً وأسلوباً، جاء القسم الثاني ‘هل سينتهي العالم’ قصائد مقطعية قصيرة ضائعة الهوية بين الهايكو والقص المكثف. بطبيعة الحال تحضُر القصة بقوة في شعر عبد الجابر لابشكلها الكلاسيكي بل متجنبةً العناصر القصصية متوسلةً اليومي والذاتي لا أكثر. هكذا استخراج الشعر من اليومي لا يكون بشعرنة المُشاهدات ومعالجتها لغوياً بقدر عرض الواقعة كما هي، أي بلغة الأشياء كما تحدث، لاعتقاد الشاعرة بشاعرية اللحظة البدائية للمحيط كموت الصبارة أو الجد الذي مازال يعتقد أنه يعيش في حيفا:’الصبارة ماتت يا أمل/ منذ فترةٍ/ وأخضرها آخذ بالشحوب/ لكني ظننتها مثلي/ تمر بأسبوع سيىء وحسب/ ولم أفعل شيئاً/ ماتت…’
حضور القص أسلوبياً في شعر عبد الجابر يتجاوز القصائد التي تروي أحداثاً ومشاهدات إلى القصائد التي تعالج المُجرد والذاتي لذلك يتأرجح النص بين حدود الشعر والنثر، مُظهراً ميلاً ملموساً نحو الثاني. فإذا قصدنا القسم الأول من الكتاب نرى أن الحالة الفعلية والحركية، خاصةً الذاتية منها، طاغية على شعرنة الكلام واللعب على دلالاته. بهذا، الفعل غالباً لا يُترك ليعبّر عن مكنونه الشعري بل يُلحق بما يوظفه دلالياً نحو وجهةٍ مُعينة، إكمال المعنى بهذه الطريقة هو سمة نثرية بامتياز. ‘خيّل إلي في تلك اللحظة/ أن صوت المكابح/ وصل إلى الجهة المقابلة من الكرة الأرضية،/ وأن تسارع دقات قلبي/ سيسبب زلزالاً في المدينة/ ورأيت اسمي في زاوية جريدة ما/ كعشبةٍ منسيةٍ على زاوية الطريق…’هكذا تعزز أدوات النثر سرداً سببياً غير مُنقطع داخل القصيدة الواحدة. ويبدو للوهلة الأولى أن يكون سهلاً على كاتبٍ أن ينثر المواقف اليومية والمشاعر بطريقة جميلة لكن السؤال هنا يكون عمّا يحول هذا القول إلى شعر لدى عبد الجابر؟
يُمكننا التدليل على الخيط الذي يشد القول لدى الشاعرة إلى ضفة الشعر بعدّة سمات ولا يبدو أن كثيراً منها على صلةٍ باللغة وهذا ما قد يثير حفيظة الشعر المفهومي ابن اللغة وأشكالها. المعنى والصورة هما أبرز السمات الشعرية لدى عبد الجابر. يخرج المعنى عن إطاره الفكري إلى طليعيته بنزع التكلف عنه والاشتغال على عاديته الخاضعة للرغبات والنزعات الذاتية، كالتوق إلى الملل العادي اليومي في مقابل ملل انتظار شخص لن يأت، والشعور بالألم دون استجداء ‘زجاج نافذة وجناح طائرة وبضع غيوم’، والرغبة بالعودة إلى المنزل التي لن تأتإلا على شكل ‘أريد أن أذهب إلى المنزل’. عبد الجابر تريد أن تُقنعنا أن العادي هو شعرٌ مُطلق وأن السؤال عن كيفية القول في الشعر هو سؤال لاجدوى منه لأنه تحايلٌ على المكرور. الهم الشعري هُنا هو حول ماذا يُمكن أن يقال في الشعر. يجيب ديوان ‘ماذا لو كُنا أشباحاً’ بأن على حدود المُهمل ثمّة مُهملٌ آخر لم ننتبه له كالغبار المتراكم، فهو ليس إلا ‘ملل الإطارات من الصور التذكارية/ من الوجوه/ ملل الطاولات/ من الإناءات الفارغة/ ملل الإناءات من الفراغ’
بالنسبة للصورة فإن الاشتغال عليها يذكرنا بسليقة الماغوط وقد تكون كاف التشبيه أحدى دلائل تأثر الشاعرة بهذا النمط الشعري، لكن إذا كانت كاف الماغوط تربط بين طرفي تشبيه مُتفارقين بحدة فإن كاف عبد الجابر لاتخرج عن سياق السرد، إما أن تكمل ما قبلها في المعنى أو أن تفتحه على التخيّير والاحتمالات وهذا وحده كفيلٌ كي يبعدها عن شبح البلاغة الشعرية. ‘ولا شيء يبقى/ سوى ذلك النقصان/ الذي بعد ثوان سيملأ المكان/ كباب يغلق على مهل/ كمقعد فارغ في مقهى/ كسيارةٍ تدير محركها/ وتمضي بعيداً بعيداً’لكن السليقة الماغوطية تظهر أيضاً في أماكن أخرى، خصوصاً عندما تستجدي الشاعرة حلولاً بديهيةً للمشاكل،فتنطوي على رغبة طفولية في التمني والوصول إلى الرغبات بكبسة زر، فكما أراد الماغوط أن يبدل الأوطان كالراقاصات في الملهى أرادت عبد الجابر تبدل الحب كزجاجة البيرة في المقهى.
في القسم الثاني ‘هل سينتهي العالم’ تتحول عبد الجابر إلى القصيدة المقطعية القصيرة بحيث تتكثف الرغبات والأسئلة والهواجس والتخيلات وحتّى الأفكار العابرة والملاحظات على هامش المشاهدة اليومية في انفلات نثري أقل من القسم السابق. المقطع يحيل عبد الجابر إلى التكثيف الذي بدوره سمة شعرية مهمة. تقحم الشاعرة نفسها في المشاهدة لتسأل أو تشعر أو تصنع المفارقة. كل ذلك يبدو في مناخ ما بعد حداثي إذ نرى استخدام تقنيات كالـ Paradoxذات الأصل البصري. أيضاً يدور بعض المواضيع عن ‘نهاية العالم’ و’العالم الموازي’ أو التجريبي ‘Beta Version .’ عبد الجابر تراقب وتشعر وتشتهي وتدون المحيط والذات دون كلفة. تذهب إلى اليومي الصرف غير مباليةٍ بأن الواقع المُعاش منفلت ومليء باللامعنى، هو تحدِّ الشعر بالسليقة. انتصرت عبد الجابر في هذا التحدي بالموضوع عندما تجنبت الإرث الشعري الفلسطيني الخطابي والمؤدلج لتكتب على هامش المُهمل والعابر ولتكون مواضيعها عن الملل العادي والموت الفردي والوحدة الأليفة والألم اليومي والحب التجريبي، نازعةً اليقين عن الأشياء وفاتحةً السؤال على الذاتي وصولاً إلى الكوني. تسألُ ‘كم من الأخطاء تتسع/ أطول حياة بشرية/ على وجه الأرض؟’
‘ كاتب فلسطيني